يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الانتخابات التركية المبكرة.. الأسباب والتداعيات

السبت 23/يونيو/2018 - 01:44 م
المرجع
محمود رشدي
طباعة
تختلف الانتخابات التركية المقبلة، المزمع عقدها في 24 يونيو الحالي، عن المنافسات الانتخابية السابقة كافة، لاختلاف المنافسين حول عدد من القضايا، بدءًا من نظام الحكم، والوضع الاقتصادي، مرورًا بقضايا التعليم والصحة، والسياسة الخارجية.

وستجرى الانتخابات المقبلة وفقًا لقانون جديد ينص على أن تقدم الفرد كمرشح رئاسي يتطلب إما 100000 صوت، وإما تأييد 20 عضوًا في البرلمان، كما يسمح القانون الجديد للأحزاب السياسية بتكوين تحالفات؛ الأمر الذي سيؤثر على فرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الحصول على أغلبية تصويتية في كلٍّ من انتخابات الرئاسة والأغلبية البرلمانية، ففي السابق، استفاد «أردوغان» أكثر من مرة من تفتيت أحزاب المعارضة وميولها المتباينة؛ ولذا سيفجر اتحاد أحزاب المعارضة بعض المفاجآت. 

وكان «أردوغان» قد أعلن، في 8 أبريل الماضي، عن إجراء انتخابات مبكرة، لتأتي قبل موعدها بنحو 17 شهرًا؛ حيث كان من المفترض عقدها في نوفمبر 2019. 

خريطة المنافسة الانتخابية:
تُشارك في الانتخابات 8 أحزاب تندرج تحت تحالفين رئيسيين؛ أولها «تحالف الشعب»، ويضم حزبي «العدالة والتنمية» (الحزب الحاكم) و«الحركة القومية»، والثاني هو «تحالف الأمة»، الذي يضم حزبي «الشعب الجمهوري» (أكبر أحزاب المعارضة) و«السعادة»، وهناك أحزاب أخرى لم يشملها التحالفان، ومنها حزب «الشعوب الديمقراطي» (الكردي) وحزب «الدعوة». 

وينافس «أردوغان» 5 مرشحين في الانتخابات الرئاسية، أبرزهم: محرم أينجه (المعارض العلماني الأكبر لـ«أردوغان» مرشح حزب الشعب الديمقراطي)، وميرال أكشينار (وزيرة الداخلية السابقة، والتي أسست حزب الخير «إيي بارتي») والمرشح الكردي صلاح الدين دميرطاش. 

المنافسان الآخران في هذه الانتخابات هما: دوجو برينجيك (مرشح الحزب الوطني، وهو رجل موسكو وحليف أردوغان السابق)، وتمل كاراملا أوغلو (مرشح حزب السعادة، وهو إسلامي يدعم التقارب مع العلمانيين).

الدوافع: 
جاءت دوافع «أردوغان» لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل موعدها بـ17 شهرًا، لعدد من الأسباب، ومنها:

دافع اقتصادي: 
وفقًا لعدد من المحليين، فإن الاقتصاد التركي يتجه لمزيد من الانهيار والتدهور، مع تزايد انخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي، فعلى مدار السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ 2012، فقدت العملة التركية 50% من قيمتها، في حين وصل معدل التضخم لأكثر من 10%. 

علاوةً على ذلك، أدى الانقلاب التركي الفاشل عام 2016، وفرض حالة الطوارئ على الأنحاء كافة لأجل غير مسمى، إلى خلق حالة من القلق لدى المستثمرين؛ نتيجة عدم الاستقرار العام، وخلص حزب «العدالة والتنمية» إلى أن التكلفة تفوق العائد إذا أجريت الانتخابات في موعدها؛ لذا تم استدعاء الانتخابات المبكرة؛ تحسبًا لأي أزمة اقتصادية؛ ما سيقوض شعبية أردوغان إذا أجريت الانتخابات في سبتمبر 2019. 

كما أن وجود نحو 3.5 مليون لاجئ سوري يُمثل نوعًا من الضغوط الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة على المواطن التركي. 

دافع جيواستراتيجي:
دخل الجيش التركي إلى شمال سوريا بهدف استراتيجي يرتكز على إبعاد الفصيل الكردي من الحدود التركية، فمنذ الانتصارات التي حققتها القوات الكردية على تنظيم داعش في الشمال السوري، تتخوف أنقرة من استغلال هذه القوات في إنشاء إقليم ذاتي على غرار إقليم كردستان العراق، وبالتالي تأجيج النزعة الانفصالية للأكراد الأتراك في جنوب شرق تركيا؛ حيث يقيم أكثر من 12 مليون كردي. 

ونفذت أنقرة عددًا من العمليات العسكرية في الشمال السوري، أبرزها «غصن الزيتون، ودرع الفرات»، بجانب قوات المعارضة السوريَّة، للقضاء على الوحدات الكردية التي تبسط نفوذها من عفرين شرقًا إلى عين العرب كوباني غربًا على الحدود السورية التركية، هذا فضلًا عن اتفاقها مع واشنطن بشأن مدينة منبج، الاتفاق الذي أضاف مزيدًا من التحرك العسكري التركي في الشمال السوري. 

ويرى البعض أن «أردوغان» يسعى إلى استثمار ما حققه في الشمال السوري (عملية غصن الزيتون، اتفاق منبج)؛ إذ إن الانتظار لأواخر 2019 قد يدفع المواطن لتغيير توجهاته؛ بسبب النكسات الاقتصادية الكبيرة. 

دافع سياسي:
وفقًا لاستطلاعات الرأي، فإن شعبية «أردوغان» انخفضت بنسبة تتراوح بين 1.2- 2%، في مقابل ارتفاع شعبية منافسه «إيجه» -المرشح العلماني-؛ لذا من الصعب أن يحسم «أردوغان» الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، ومن ثم فإن المرور للجولة الثانية سيدفع الكتلة الكردية لاختيار المنافس بغض النظر عن ماهيته؛ نظرًا لسياسة الرئيس التركي الحالي الممنهجة ضد الأكراد. 

كما أراد «أردوغان» أن يجمع ما تبقى له من شعبيته في الداخل واستثمار تحركاته في الملف السوري؛ ليقاوم بها توحيد المعارضة لاستيائها من سياساته التسلطية بالداخل.

الانعكاسات المحتملة:
سيكون للمرحلة الانتخابية المقبلة انعكاسات عدّة على الواقع الداخلي التركي، ومن ثم تأثيرها الخارجي؛ إذ سيتم تطبيق النظام الرئاسي وفق الاستفتاء الدستوري الذي أجري في أبريل 2017.

مميزات وعيوب النظام الرئاسي:
يتميز هذا النظام بتركيز قوى السلطة في يد الرئيس، أي سحب السلطة من يد الأغلبية البرلمانية، ويتم بموجبه وضع خطة سياسيَّة وفقًا لرؤى السلطة التنفيذية بعيدًا عن إلزامية توافق الكتل البرلمانية المنتخبة (تحت شرط الحصول على موافقة الأغلبية)، هذا فضلًا عن تميزه بالفصل بين السلطات الثلاث، وسرعة القرارات الحكومية المتخذة. 

وعلى صعيد آخر، يُعاب على النظام الرئاسي أنه يسعى لممارسة نوعٍ من الاستبداد وهيمنة الرئيس سياسيًّا ودستوريًّا لإعادة انتخابه أكثر من مرة، وهو ما تُشير إليه دلالات المشهد التركي من تحايل «أردوغان» مرارًا للانفراد بالسلطة، وهو ما خوله له الاستفتاء الأخير من إمكانية المكوث في السلطة حتى عام 2030؛ إذ مكنه من الترشح مرتين مدتهما 10 سنوات (5 أعوام لكل فترة). 

لحظية الائتلافات الحاليَّة:
ستشهد خريطة البرلمان أكثر من حزب مشارك، وسيصل عددها إلى 7 أحزاب؛ ما سيضع تحالف الشعب أمام تحديات عدّة؛ نظرًا للعدد الكبير من أحزاب المعارضة المشاركة تحت تحالف واحد، إضافة لحزب الشعوب الكردي، الذي يميل نحو تحالف الأمة المعارض على الرغم من عدم إعلانه الانضمام إليه. 

ومن المرجح أن يضع النظام الرئيسي المقبل الأحزاب السياسيَّة جميعها أمام تحالفين رئيسيين، يضم الأول الأحزاب اليمينية، أي الأحزاب الإسلاميَّة والقوميَّة، والثاني الأحزاب اليساريَّة والعلمانيَّة والكرديَّة، وفي كل الأحوال ستُشكل المعارضة جبهة قوية أمام تحالف «أردوغان» المحسوب على التيار الأول.
"