يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الإخوان» وتركيا.. الجهاد في سبيل الليرة أو القفز من سفينة «أردوغان» الغارقة

الأربعاء 15/أغسطس/2018 - 05:11 م
المرجع
ياسمين حمدي_عبدالرحمن صقر
طباعة
تشهد تركيا أزمة اقتصادية كبيرة؛ حيث بلغ معدل التضخم 15%، ومتوقع أن يرتفع مستقبلًا، بعد انهيار الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، بنسبة انخفاض بلغت 14% في يوم واحد؛ حيث سجل الانخفاض الأخير أدنى مستوى لليرة أمام الدولار منذ عام 2001، وهو ما يرجعه الخبراء بشكل رئيسي إلى سياسات الرئيس التركي «أردوغان»؛ حيث يتدخل الرئيس مباشرة -دون دراية- في الشؤون الاقتصادية والسياسات المالية للبلاد، وذلك إلى جانب تعيينه صهره وزيرًا للاقتصاد، وذلك في ظل الأزمة السياسية المتفاقمة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة العديد من القضايا والخلافات بين البلدين، من بينها أزمة القس الأمريكى المحتجز فى تركيا «أندرو برونسون»، وصفقة الصواريخ الروسية التي يسعى أردوغان لإتمامها مع موسكو، وكذلك رفض أردوغان المشاركة في تطبيق العقوبات الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ضد إيران، وهو ما أدى لتفاقم الأزمة.


«الإخوان» وتركيا..
وفي سياق آخر، يحافظ الرئيس التركي على خطابه الأجوف من حيث الادعاء بتماسك الاقتصاد التركي وزيادة الإنتاج والنمو المطرد، واستقلالية قرارات أنقرة، مفسرًا تدهو بلاده الاقتصادي بأسباب خارجية وسياسية، خاصة شريحة مصالح الفائدة المصرفية، ووكالات التصنيف المالية، ومضاربي العملة، وهو ما دفعه لاتخاذ إجراءات غير مدروسة، مثل: سحب الاحتياطي من المصارف الأمريكية للتخلص من ضغط سعر العملات، وكذلك استخدام الذهب ضد الدولار الذي تجلّى بسحب تركيا سنداتها المالية من الخزينة الأمريكية، ما سوف يعقد الأزمة، ويعمق من آثار الانهيار الاقتصادي التركي الأخير.

هذا الانهيار المالي غير المسبوق ألقى بظلاله -بشكل كبير- على الجماعات الإسلاموية الهاربة من مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013 إلى تركيا، وأهمها جماعة الإخوان، حيث تدعم تلك الجماعات تركيا بكل أشكال الدعم، ومن أهمها الاقتصادي والأمني، ويرجع ذلك إلى المصالح المشتركة ما بين الدولة التركية والجماعات الإسلاموية فيها، وتستخدم أجهزة الاستخبارات التركية الإخوان لتنفيذ أهدافها، وفيما يتعلق بدعم الإخوان لتركيا ولأزمتها الاقتصادية الحالية فذلك للحفاظ على أنفسهم؛ حيث إن بقاء النظام التركي هو الضمان الوحيد لبقاء تلك الجماعات آمنة في ملاذاتها، وأي انهيار لحزب العدالة والتنمية الحاكم، سيطلق رصاصة الرحمة على جسد الجماعات المتصدع ودفنهم في معسكر إيران الشيعي، وهو ما يحاول الإسلامويون تجنبه بشتى الطرق.
«الإخوان» وتركيا..
وفي إطار تعامل الجماعات الإسلاموية مع الأزمة التركية، فقد اتبعت استراتيجيات مختلفة؛ تهدف إلى دعم الدولة التركية، حيث تعتبر أن ارتباك وتراجع الاقتصاد التركي بمثابة تراجع وانهيار للدين الإسلامي ذاته، حيث دعت إلى ضرورة شراء المسلمين من خارج تركيا للبضائع والمنتجات التركية لدعم الشركات التركية المملوكة للمسلمين.

من جانبها، تؤيد قطر موقف الدولة التركية وتدعم رئيسها، فبالنسبة لقطر نجد أنه على المستوى الشعبي القطري توجه كثير من القطريين لمحال الصرافة لشراء الليرة التركية بعشرات الملايين من الدولارات، وذلك بهدف دعم وإنعاش العملة التركية، وذلك لأن تركيا تعد حليفًا استراتيجيًّا لدولة قطر، وعلى المستوى الرسمي فقد ضخت الحكومة القطرية ملياري دولار في البنك المركزي التركي كوديعة دعمًا لتركيا.

أما إيران، فيمكن القول بأنها ستدعم الدولة التركية في أزمتها، وذلك على الرغم من التنافس التقليدي الإقليمي بين طهران وأنقرة، لبسط السيطرة وتمدد النفوذ في المنطقة، ويمكن تفسير ذلك الدعم بأن كلتا الدولتين تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية خصمًا مشتركًا لهما، تناصبه العداء والمصالح المتعارضة، فإيران تواجه احتجاجات عارمة على أراضيها؛ بسبب فرض واشنطن عقوبات اقتصادية عليها نتيجة التوسع في برنامجها النووي، أما فيما يتعلق بتركيا فمستقبل علاقاتها مع أمريكا على المحك، في تهديد صريح بفرض عقوبات اقتصادية عليها نتيجة الأزمة السياسية القائمة بينها والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى صفقة الصواريخ الروسية التي يسعى أردوغان لإتمامها مع موسكو، وذلك إلى جانب رفض أردوغان المشاركة في تطبيق العقوبات الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأمريكى ضد إيران.
«الإخوان» وتركيا..
من العرض السابق، يتضح أن تفاقم الأزمة التركية سيؤثر على وجود الإخوان فيها وفقًا لسيناريوهين كما يلي:
السيناريو الأول: يتمثل في زيادة الدعم والمساندة من قبل الإخوان، والسعي للحفاظ علي بقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم، وكذلك استخدام كل الإمكانيات المتاحة لاستمرارها، وذلك لأن بقاء أردوغان يضمن بالضرورة بقاء الإخوان، وكذلك استمرارهم كفصيل تدعمه تركيا وتستخدمه مخابراتها في نشر الإرهاب في مناطق مختلفة من العالم.

السيناريو الثاني: تخلي الإخوان عن مساندة الدولة التركية، والقفز من سفينتها الغارقة في بحر الأزمات والانهيارات، وذلك في حالة تفاقم الأزمة التركية بشكل بالغ يؤدي لتدمير بنية الدولة، واستمرار أردوغان في اتباع نفس السياسات، وفشل إجراءات البنك المركزي التركي في تحقيق صعود لقيمة الليرة التركية، وذلك في حالة فرض الولايات المتحدة الأمريكية عليها عقوبات اقتصادية بالغة.

وبالتالي يمكن القول إن ترجيح أحد السيناريوهين يتوقف على مدى نجاح السياسات المتخبطة التي تنتهجها أنقرة للخروج من أزمتها الحالية، ومدى صمودها في مواجهة الانهيار الأخير، وكذلك قدرتها على تعبئة الدول المتعاطفة، وضمها لصفها في مواجهة ضغوطات الولايات المتحدة الأمريكية.
"