يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أسباب الاعتراض الأوروبي على العقوبات الأمريكية ضد طهران

الثلاثاء 20/نوفمبر/2018 - 05:42 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على طهران بعد انسحاب الأولى من اتفاق لوزان النووي في مايو 2018 – تم توقيع الاتفاق بين مجموعة 5+1 التي تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، وقد كان ذلك في 2015، بمقتضى هذا الاتفاق، تخلت إيران عن طموحاتها النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها، وإعادة دمجها في النظام العالمي بشقيه السياسي والاقتصادي.
الاتحاد الأوروبي
الاتحاد الأوروبي
المؤيدون استندوا في دعمهم بأن الاتفاق يصب في صالح السلام العالمي، بينما المعارضون رأوا فيه وسيلة جديدة لتمدد إيران في المنطقة، خاصة أن الاتفاق سوف يُسهم في إنعاش النظام الإيراني بأمواله التي جمدت في الولايات المتحدة، فضلًا عن إعادة تلميع النظام في المحافل الدولية، ومنحه فرصة تكوين تحالفات دولية سوف تُسهم في تعزيز قوة النظام الإيراني المهدد للأمن الإقليمي والعالمي من خلال ميليشياته وصواريخه البالستية.

وبين هذين الرأيين المتناقضين، وقف الاتحاد الأوروبي داعمًا للاتفاق مع إيران ورفض إجراءات الولايات المتحدة العقابية بحق النظام الإيراني، بل وتعهد بمنح تسهيلات لشركاته من أجل العمل في إيران، خاصة في مجالي النفط والغاز.

يمكننا أن نرجع الموقف الأوروبي للعديد من المسببات، لعل أهمها، السعي الأوروبي لتأمين احتياجاته من قطاع الطاقة بعيدًا عن الغاز الروسي، الذي يمنح روسيا ميزة اقتصادية نسبية تمكنها من الضغط على أوروبا في أي وقت، بعبارة أخرى، ترى أوروبا أن استيرادها للغاز الروسي يمثل نقطة سلبية على استقلالية قرارها الخارجي، وقد ظهر ذلك جليًّا عندما فرضت أوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا بعد ضم الأخيرة لشبه جزيرة القرم في 2014؛ حيث هددت روسيا بإيقاف تصدير الغاز إلى أوروبا، الأمر الذي يعني أن أوروبا لن يكون بمقدرتها مواجهة التمدد الروسي على حدودها الشرقية إلا بتأمين مصادر جديدة من الطاقة.

وترى أوروبا في الغاز الإيراني بديلا عن الغاز الروسي، ولو لفترة محدودة، مع فارق أن إيران لن ترغب في إيقاف تصدير الغاز لأوروبا حتى في حالات الخلاف السياسي بسبب تعطش السوق الإيرانية لموارد مالية من العملة الصعبة؛ بهدف رفع ثقة المستثمرين الأوروبيين فيه.

على صعيد متصل، لعب الخلاف الأمريكي مع أوروبا دورًا في دعم الاتحاد الأوروبي للاتفاق مع إيران، خاصة أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق تم بشكل منفرد متجاهلًا التخوفات الأوروبية التي ترى في تبني سياسة الاحتواء الوسيلة الأفضل للسيطرة على مشاريع إيران التمددية في الشرق الأوسط، بالمقابل من ذلك ترى الولايات المتحدة أن الإجراءات العقابية هي الطريقة المثلي لإيقاف تمدد إيران وإجبارها على تغيير أنشطتها العدوانية وتمويلها للإرهاب.
سلاح نووي
سلاح نووي
حاولت الولايات المتحدة إجبار أوروبا على الامتثال لها والانسحاب من الاتفاق النووي، فرفضت طلبًا أوروبيًّا بإعفاء الشركات الأوروبية العاملة في إيران من العقوبات الأمريكية، خاصة أن كبرى الشركات الأوروبية لديها أعمال استثمارية في الولايات المتحدة، ما يتيح للأخيرة فرض عقوبات مالية بسهولة على الشركات التي لا تمتثل لقرارتها الخارجية، وتعتقد أوروبا أن رفض طلبها الاستثنائي يصبُّ في صالح تجحيم دورها الخارجي المستقل عن الولايات المتحدة، فضلًا عن محاولة الولايات المتحدة إجبار الشركات الأوروبية الخاصة على تبني مواقف مغايرة لتوجهات الحكومات القومية، بهدف إعادة عزل إيران مرة أخرى.

وتعتقد أوروبا أن تضمين شركاتها في العقوبات الأمريكية يمس سيادتها الاقتصادية ويظهرها كتابع للولايات المتحدة، وقد انعكس ذلك في تصريح الرئيس الفرنسي أثناء القمة الأوروبية في العاصمة البلغارية، في مايو 2018، أن الشركات الأوروبية يجب أن تتمتع بحرية الاختيار فيما يتعلق باستمرار أنشطتها الاقتصادية في إيران.

على صعيد متصل، تعتقد أوروبا أن أسباب انسحاب الولايات المتحدة غير كافية، خاصة أن الهدف الرئيسي من الاتفاق النووي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى المواقع الإيرانية، وقد التزمت إيران بفحوى الاتفاق من وجهة نظر أوروبية؛ ما جعل الأوروبيين يعتقدون أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مغامرة غير محسومة قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع من خلال عودة إيران إلى مساعيها النووية ولكن بوتيرة أسرع، فضلًا عن تراجع معدلات الثقة البينية فيما يتعلق باحتمالية عقد أي اتفاق مستقبلي.

من الأهمية هنا أن نشير إلى أن إدارة ترامب ترى في الاتفاق النووي ميزة نسبية لإيران، ولم تعارض إجراء تفاوض مع إيران من أجل عقد اتفاق، على أن يتضمن الاتفاق الجديد برنامج إيران للصواريخ البالستية، وقد رفضت إيران هذا الأمر.

على النقيض من موقف الإدارة الأمريكية، تتخوف من المشروع البالستي الإيراني، وترى فيه تهديدًا لأمنها القومي، إلا أنها لم تعتقد أنه سبب كافٍ للانسحاب من الاتفاق النووي كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية، وفي خضم الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة بخصوص نسبة الدعم من الداخل القومي الموجهة لحلف الناتو، خرج الرئيس الفرنسي ودعا إلى إنشاء جيش أوروبي موحد بهدف مواجهة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ ما يؤشر أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق لوزان النووي أشعر الأوروبيين بضرورة الاعتماد على ذاتهم في مواجهة تحدياتهم الأمنية والاقتصادية.
"