يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الأطفال».. الكنز الاستراتيجي للتنظيمات الإرهابية

السبت 10/نوفمبر/2018 - 08:42 م
المرجع
شيماء حسن
طباعة

تُعتبر الأطفالُ بمثابةِ كنزٍ استراتيجي للتنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش»، فدائمًا ما تسعى إلى فكرة الاستمرار، ومن ثم فهي في حاجة دائمة للعنصر البشري الذي يلتزم بعقيدته، كما أن عملية تجنيد الأطفال سهلة؛ حيث يتم أدلجتهم وتدريبهم منذ نعومة أظافرهم على فكر وعقيدة التنظيم.[1]


«الأطفال».. الكنز
اعتمدت ظاهرة تجنيد الأطفال داخل صفوف «داعش»، على غرس فكرة رئيسية داخل عقولهم، وهي أنَّ قائد التنظيم «أبو بكر البغدادي» هو مولاهم، وأنَّهم من دون طاعته والانصياع لأوامره يكونون ضمن الفئة المرتدة الكافرة، ومنذ إعلان «البغدادي» ما يُسمى بـ«الخلافة» في الموصل عام 2014، تزايد عدد المُهاجرين الأجانب الذين تركوا بلدانهم الأصلية، وذهبوا إلى تركيا ومنها إلى معاقل التنظيم في العراق وسوريا.


وبناءً عليه، اتبع التنظيم استراتيجية سداسية للتعامل مع النشء الجديد؛ حيث أصدر دليلًا إرشاديًّا يشرح للأمهات الجهاديات كيفية تنشئة أطفالهن تنشئة متطرفة من خلال عرض المواقع الجهادية على الأطفال، وقراءة قصصٍ عن الجهاد عندما يخلدون للنوم، ويشدد الدليل على ضرورة أن تبدأ الأم بتدريب أطفالها في مرحلة الرضاعة؛ لأن «الانتظار حتى يصبحوا أطفالًا قادرين على المشي قد يكون مرحلة متأخرة جدًا»، كما أوضح الدليل أن «المتعة لا تعني ممارسة الرقص والموسيقى، مثلما تصورها برامج الأطفال الغربية»، وينبغي منع الصغار من مشاهدة التلفزيون تمامًا؛ لأنه يعلّم في أغلب الوقت المجون والفوضى وممارسة العنف العشوائي.[2]


ولقد جاءت الخطوة الأولى في استراتيجية داعش لتجنيد الأطفال، وهي «التنشئة الاجتماعية»، التي يستغل فيها التنظيم المناسبات العامة وتوزيع الحلوى ولعب الأطفال لجذب انتباه الأطفال إليه، مرورًا باستراتيجيته في التعليم والتلقين والتدجين، وهي المرحلة التي يتم فيها إدخال النشء الجديد فصول تعليمية يتلقوا فيها دروسًا حول أنواع الأسلحة، وأصناف الفقه، والفكر المتشدد، ويتم تجميعهم ليروا مشاهد قطع الرؤوس وإعدامات ينفذها جلادون صغار لا تزيد أعمارهم عن 12 عامًا.


وفي تلك المدارس يُعزل الأطفال عن ذويهم، وتطلق عليهم كُنى يحملها الكبار على غرار (البغدادي، المقدسي، المصري)، وبعد ذلك يتم توزيعهم على 3 مستويات من التعليم والتدريب، فالمستوى الأول «ديني»، وفيه يتم تكريس مفهوم «السمع والطاعة» وبرمجتهم عليها، ويكون ذلك من خلال إدخال الأطفال معسكرات، وخلال 15 يومًا فقط يتعلم الطفل معارف شرعية؛ كالصلاة، وكيفية الوضوء، ودراسة بعض آيات القرآن المتصلة بالجهاد وفقًا للمنظور الداعشي؛ إضافةً إلى دورات لتعلم القراءة والكتابة، وتتم بالمعسكرات التي تقع في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.


والمستوى الثاني «عملي بدني قاسي» وخلال 40 يومًا فقط، يتعلم الطفل فنون القتال وتلقي تدريبات عسكرية القاسية، والمستوى الثالث «نفسي» لتهيئة الطفل نفسيًّا على مشاهد القتل وعمليات الصَلب، والرجم، وقطع الرؤوس، وفي مرحلة تالية ينتقلون من رؤية عمليات الإعدام إلى مرافقة السجناء نحو موتهم الفعلي[3].


يُشار إلى أن المنهج الموضوع والموزع على المستويات والمراحل السالفة الذكر، يُعتبر في إطار مرحلة التأهيل الفكري بغرض غسل الأدمغة للصغار، ويرمي لتصوير المجتمعات غير المؤمنة بقيم ومعتقدات التنظيم بصورة الكفار الواجب قتالهم والتنكيل بهم أينما وجدوا، وأيًّا كان حالُهم ومعتقدهم، ومن ثم إقناعهم بأن ما يقومون به هو في إطار الحرب المقدسة الدينية من أجل بقاء واستمرار دولة الخلافة الإسلامية المزعومة. [4]


وتأتي مرحلة التخصص والتمركز، كمرحلة أخيرة، ويتم فيها توزيع المهام على أشبال الخلافة؛ حيث إن التخصص سمة يمتاز بها أطفال داعش، ومن أهم المهام هي الوقوف في نقاط التفتيش، أو القيام بمهام إقامة الحدود الشرعية، أو أداء مهام الحراسة الشخصية، أو القيام بالأعمال الانتحارية وارتداء الأحزمة الناسفة، وبحسب الطفل السوري «ماجد» أحد الناجين من التنظيم: «أحيانًا يتطوع المقاتلون، وأحيانًا يقول «القادة»: لقد اختارك الله»[5]، كما أن التنظيم يقوم بعملية فرز يستطيع من خلالها استكشاف مهارات الأطفال لإعدادهم كقيادات تتشرب الفكر التكفيري وتدعو به وهي مهام الدعوة لعقيدة التنظيم .[6]


ويتبع التنظيم في إطار عملية تجنيد الأطفال العديد من الأساليب، التي تعتمد على سياسة التجويع تارة، وإغراء الأهالي بإرسال أطفالهم مقابل المال تارةً أخرى، فضلًا عن إغراء الأطفال أنفسهم، فعلى سبيل المثال، استغلت حركة الشباب الصومالية -على غرار تنظيم داعش- فكرة استقطاب وإغراء الأطفال بالهدايا، ومن خلال تنظيم مسابقات يتنافس فيها الأطفال لحفظ القرآن الكريم ومن ثم الفائز بالمركز الأول يحصل على «آر بي جي»، وهو ما يعادل 700 دولار، بينما الفائزون بالمركز الثاني يحصلون على «بندقية كلاشنكوف»، وما يعادل 500 دولار، أما الجائزة الثالثة فكانت عبارة عن «قنبلتين يدويتين» وما قيمته 400 دولار، وصرح مسئول حركة الشباب –آنذاك - «مختار ربو» في احتفال توزيع الجوائز: «على الأطفال أن يستخدموا يدًا للتعليم والأخرى لحمل السلاح للدفاع عن الإسلام».[7]


ولقد كانت من بين أكثر الطرق وحشيَّة استخدمها التنظيم الإرهابي لتنفيذ مخططاته الإجرامية باستخدام الأطفال، تتمثل في مقايضة الأطفال أنفسهم بقتلهم أو الالتحاق عنوة بمعسكرات القتال، ويذكر أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال يخيرون الالتحاق بالتنظيم خوفًا من القتل أو الذبح في حالة الرفض، وهو ما حدث فعلًا، فقد ارتكبت جرائم إبادة في حق أطفال لم يتجاوز الثلاث عشرة سنة في بعض المناطق بسوريا؛ حيث رفض الأطفال وأهاليهم الالتحاق بمعسكرات الإرهابيين فذبحوا في ساحات عامة.[8]


وبحسب «عمر حسين» أو «أبو سعيد البريطاني»، -مسئول عن تجنيد عناصر جديدة- فإن التنظيم يُجبر الأطفال المُجندين على تنفيذ عمليات القتل؛ حتى لا يكونوا جُبناء، وذلك على حد قوله، ويعترف القيادي نفسه بأن الكثيرين منهم لا يستطيعون تحمُّل رؤية عمليات القتل بشكل مباشر ويتعرضون للإغماء.[9]


وأكد على ذلك الطفل «إبراهيم نجم النزاع»، من محافظة حلب السورية؛ حيث قال: «تنظيم داعش الإرهابي احتجزني كباقي أهالي دير حافر لأكثر من 3 سنوات، وقام خلالها بتعذيب الأطفال؛ حيث كانوا يدفعونهم في السيارات المفخخة لتفجيرها»، مضيفًا: «كل من يتجرأ على مخالفة تعليمات الإرهابيين وأوامرهم اللاإنسانية يكون مصيره الذبح أو قطع الرأس أمام مرأى ومسمع الناس كلهم بما فيهم الأطفال، إلى أن دخل الجيش العربي السوري للمنطقة وتم تخلصينا من قبضتهم وحمانا وأخرجنا من ظلمهم».[10]

«الأطفال».. الكنز
إحصائيات مرعبة


في الواقع، تنقسم نوعية أطفال «داعش» إلى فئات عدة، وهم: «الأطفال الذين ولدوا لمقاتلين أجانب أو مهاجرين، الأطفال الذين ولدوا لمقاتلين محليين، الأطفال الذين تم التخلي عنهم ووجدوا طريقهم إلى دار الأيتام التي يسيطر عليها داعش، الأطفال الذين أُخذوا قسرًا من والديهم، وأخيرًا الأطفال الذين انضموا طواعية إلى التنظيم».


وطبقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فإن التنظيم قد جند نحو 5 آلاف طفل، ويشكل الأطفال المخطوفون نحو 800- 900 طفل، خُطفوا من الموصل لتعزيز صفوف مقاتلي داعش، كما أشار التقرير لتضاعُف عدد الأطفال الذين شاركوا في معارك التنظيم والذين تضاعفوا ثلاث مرات خلال عام واحد منذ إعلان الخلافة 2014 وحتى نهاية عام 2015، وخلال العام نفسه أيضًا انضم نحو 1800 على الأقل؛ حيث كان غالبيتهم من السوريين، وقد توفى منهم ما لا يقل عن 350 طفلًا، وقام 48 آخرون على الأقل بعمليات انتحارية داخل عربات مفخخة، أو عن طريق ارتداء أحزمة ناسفة.


وخلال عام 2016 تزايدت نسبة تجنيد الأطفال داخل صفوف التنظيم، فبحسب تقرير صادر عن مجلة «سي تي سي سنتينيل» الصادرة عن «مركز مكافحة الإرهاب»، أنه خلال المدة من 1 يناير 2015، إلى 31 يناير 2016 نعى تنظيم داعش نحو 89 طفلًا، وذكر أن 51% منهم لقوا حتفهم في العراق، في حين قُتل 36% منهم في سوريا. [11]


ويوثق تقرير آخر صادر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن العام 2017 شهد تخريج دفعة جديدة من «أشبال الخلافة»، بلغ عددهم 175 طفلًا مقاتلًا على الأقل، إذ تم إرسالهم إلى جبهات القتال فى كل من ريف الرقة وريف حلب.[12]


ممارسات وحشية

ورغم نهي الدين الإسلامي الحنيف بعدم قتل صغار السن، حيث نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) نهيًا صريحًا عنه أثناء الحروب، قائلًا: «ما بال أقوام بلغ بهم القتل إلى أن قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا ذرية، ألا لا تقتلوا ذرية»، قيل: يا رسول الله، أو ليس هم أولاد المشركين؟ قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين».


وهذا الأمر أكده حديث آخر، فقد أخرج أبو داود عن النبي (صلى  الله عليه وسلم) أنه قال: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأة»، إلا أن التنظيمات الإرهابية مثل داعش تستخدم الأطفال ولا سيما المعاقين ذهنيًّا كانتحاريين وكدروع بشرية، كما أن بعض متشددي هذه التنظيمات يبيعون الأطفال المختطفين، خاصة المنتمين للأقليات، فضلًا عن استخدامهم في الاستعباد الجنسي، والتخلص منهم بعد ذلك إما عن طريق الصلب، أو الدفن على قيد الحياة. [13]


تجدر الإشارة إلى أن «داعش» في العراق دأب على استخدام الأطفال منذ وجود «أبو مصعب الزرقاوي»، فبحسب أحد شهود العيان العراقيين: أن التحاق الأطفال بالجماعات الإرهابية ليس شيئًا جديدًا في العراق، فهذا التقليد كان سائدًا في زمن «الزرقاوي»، زعيم القاعدة في العراق، المنظمة الأم التي انبثق منها «داعش»".


وبحسب منير أديب، الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، فإن التنظيم قد شدد على فكرة استخدام فئة «الأطفال الأيتام»، والذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم أثناء القتال وضمهم ليصبحوا مقاتلين شرسين ضمن صفوفه وولاؤهم الأول له، مستغلًا بذلك حالة المظلومية التي انتابت هؤلاء الأطفال، ومن ثم ضمان إخلاصه للتنظيم الذي أصبح بمثابة الأم والأب له.


وبحسب  مرصد الفتاوى والتكفير التابع لدار الإفتاء المصرية، فإن "استخدام التنظيم الأطفال الأيتام في تنفيذ أعماله القتالية يُعد مخالفًا لتعاليم الإسلام ومخالفًا للفطرة الإنسانية السوية التي جبل عليها هؤلاء الأطفال الأبرياء، وأن التنظيم تجاهل وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بإحاطة اليتيم بالرحمة والرأفة وحمايته من كل ما يضره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبَّابة والوسطى» (رواه البخاري).[14]


ولقد كانت من أبرز الممارسات الوحشية لدى الأطفال، هو قيام أعضاء التنظيم بالدفع بأولادهم أو بناتهم للقيام بعمليات انتحارية، فوفقًا لضابط عراقي يروي واقعة ضبطه لطفل انتحاري في كركوك: بأن الطفل ظل يصرخ مرددًا «ابتعدوا عني سأنفجر» كما تداولت وسائل الإعلام فيديو يظهر التدريبات التي تلقاها لستة أشهر.


وفي واقعة أخرى، ذهب الطفل «أسيد برهو» ليسلم نفسه للشرطة قبل تنفيذ عملية انتحارية، ويبدو أن براءة الطفل قد تغلبت على ما حاول التنظيم برمجته عليه، خاصة أن الطفل كان يرتعش أثناء تفكيك الحزام الناسف عن جسده، ومرددًا: «دربونا على أن الذبح يجب أن يكون من أسفل الحنجرة»[15].


وفي السياق ذاته، أقدم التنظيم على تفجير مركز شرطة الميدان في دمشق مستخدمًا طفلة لم يتجاوز عمرها الـ9 سنوات، وألبسها حزامًا ناسفًا، وهو ما يعكس حجم الجرائم الوحشية التي ارتكبها التنظيم بحق الأطفال.[16]


ولم تتوان التنظيمات الإرهابية عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق أطفال أبرياء؛ حيث اعتادت جماعة «بوكو حرام» النيجيرية على تخدير الأطفال قبل قيامهم بالعمليات الانتحارية، وهو ما أكده تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف»؛ حيث إن الجماعة اعتمدت على الأطفال بشكل أساسي في تنفيذ هجماتها الإرهابية، وأن نحو 80% من هؤلاء الأطفال من البنات المخطوفات، واللاتي يتم تفخيخهن والزجّ بهن في الأماكن العامة، والكمائن، والمعسكرات التابعة للجيش النيجيري، وبحسب التقرير أيضًا نفّذت ما يقرب من 117 تفجيرًا انتحاريًا باستخدام الأطفال، منذ عام 2014.[17]


وفي الواقع، لم تقتصر فظائع داعش على استخدام الأطفال، لتنفيذ العمليات الانتحارية أو القتال فحسب، بل جعلهم التنظيم أيضًا جلادين، فلقد أوضح تقرير للأمم المتحدة، الاستخدام الممنهج من قبل داعش للأطفال ما دون الـ18 كجلادين، متحدثًا عن المقاتل الذي يبلغ عمره 16 عامًا الذي نفذ عملية قطع رأس جنديين، كان التنظيم قد اختطفهما في أواخر أغسطس عام 2014، كما أظهر شريط فيديو آخر طفلًا لا يتعدى عمره 8 سنوات يقوم بإعدام رجلين اتهمهما التنظيم بأنهم جواسيس لروسيا.[18]


وعلى سبيل احتفاء التنظيم بأشبال الخلافة، نشرت مواقع إلكترونية تابعة لداعش صورًا لأصغر طفل مقاتل أجنبي يخوض المعارك مع التنظيم وهو «عيسى دير»، البريطاني الجنسية، والذي لم يكن يتعدى سنه العاشرة من العمر؛ حيث أطلق عليه مناصرو التنظيم «أصغر شهيد» في الوقت الذي اعتبرته حكومة ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا أصغر إرهابي، وهو ما دفعه بالتصريح بأن «إطلاق التنظيم الإرهابي لفيديو مماثل في هذا الوقت، سببه شعورهم بالضغط، واحتياجهم لدعاية سياسية في هذه الفترة».[19]


داعش والحرب الإلكترونية

ويرجع حرص التنظيم على فكرة التجنيد «التقني الالكتروني» أكثر من «التقليدي» لعدة أسباب، وهي سهولة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعة نشر وتداول المعلومات والمواد الدعائية الخاصة بالتنظيم، ما يسهل عملية القيام بالترويج والدعوة للعنف، فضلًا عن انخفاض التكلفة المالية لشبكات الإنترنت، وأخيرًا سهولة التخفي حيث إن المجند عبر شبكة الإنترنت لديه القدرة على إخفاء هويته .[20]


وتعتبر الحرب الإلكترونية من أهم أنواع الحروب التي يحرص تنظيم داعش على خوضها، كما يعد مفهوم «الجهاد الإلكتروني»، من أبرز أنواع الجهاد الذي يمارسه التنظيم؛ نظرًا للتضييق عليه وخسارة معاقله في الرقة والموصل، أي أن التنظيم يعتبر عمليات الهاكرز والقرصنة التي تقوم بها عناصره نوعًا من «الجهاد» الشرعي، لذلك استحدث التنظيم كتيبة «دابق» المتخصصة في اختراق الحسابات الإلكترونية والصفحات على «فيس بوك» و«تويتر» المناهضة للتنظيم، إضافة إلى كتيبة «عمر الفاروق التقنية»، والمختصة بعمليات التدريب والتأهيل لأنصار التنظيم على الهروب من الملاحقة الإلكترونية وتعليم طرق التخفي الإلكتروني.[21]


وتعد وحدة الدعاية والإعلان بالتنظيم من أنشط الجهات الفاعلة التي يعتمد عليها التنظيم بشكل كبير؛ نظرًا لحرص التنظيم على مواكبة العصر واستخدام التكنولوجيا الحديثة لاستقطاب وتجنيد الأطفال، ومن ثم استحدثت وحدة الدعاية والإعلام تطبيقات إلكترونية على غرار تطبيق «حروف» بهدف تعليم الأطفال الحروف الأبجدية العربية باستخدام كلمات تتعلق بالحروب والأسلحة مثل «ب» لتنطق «بندقية» و«س» لتنطق «سيف» وهكذا.


وبحسب مرصد الفتاوى والتكفير التابع لدار الإفتاء المصرية، «أن التطبيق يسعى إلى تلقين الأطفال معاني العنف والقتال من بوابة تعلم الحروف الأبجدية، ومن ثم فهو يسعى لخلق جيل جديد من الأطفال الانتحاريين يتخذون من فكر التنظيم ومنهجه الضال عقيدة ومنهجًا»، كما يحرص التنظيم على جذب انتباه الأطفال من خلال تقديم الدروس والأناشيد في شكل ألعاب مصحوبة بصور جذابة وألوان زاهية، ملحقًا به «علم الخلافة» الأسود الخاص بالتنظيم، وصور لأطفال يرتدون أقنعة داعش السوداء، بما تحمله هذه الصور من معانٍ تُشجع الأطفال على مُمارسة العنف، والإقبال عليه، وترسيخ صورة مُقاتلي التنظيم، باعتبارهم نماذج يُحتذى بهم.[22]


وفي الواقع، لم تكن المحاولة السابقة هي الوحيدة التي قام بها التنظيم، فمنذ إعلان البغدادي الخلافة من الموصل، وعلى سبيل الدعاية الإعلامية للتنظيم وفي أعقاب2014 كما أصدر التنظيم فيديو بعنوان «لهيب الحرب»، استخدم فيه أعلى التقنيات الحديثة، كما عمد التنظيم إلى تطوير لعبة «arma»، والتي تمكن الأطفال من اختيار الزي العسكري الذي يلعب به، والمكان والأراضي الجغرافية، وكأنه ضمن التنظيم.


كما أصدر التنظيم تطبيقًا جديدًا يحاكي لعبة  «grand theft auto»، وأطلق عليها اسم «صليل الصوارم»، وقال إن هذه اللعبة يتم تطبيقها على أرض الواقع وتتيح لمستخدميها تنفيذ عمليات تفجير وقنص واقتحامات، والأبطال فيها عناصر داعش، فيما العدو هم الجيوش العربية وقوات التحالف الدولي[23].


وعلى أي حال، وبحسب دراسات علمية كثيرة، فإن هناك علاقة ارتباطية وثيقة بين السلوك العنيف ومشاهدة الألعاب العنيفة، والتي قد تفضي بالنهاية لصناعة طفلٍ مجرمٍ في المستقبل.[24]


ومن دون شك، فإن ظاهرة «الأطفال الجنود» المشاركين في الأعمال القتالية يعني إيجاد فئة في المجتمع تعرف جيدًا معنى الجريمة، وتدربت على حمل السلاح، وتشربت أفكارًا مغلوطًة في سن صغيرة، ومن ثم فهي تشكل قوة سلبية وهدامة للمجتمع، وهو ما يستوجب إيجاد الحلول الكفيلة بإعادة دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع مرة أخرى وإتاحة الفرصة لهم لممارسة حياتهم الطبيعية والنمطية وإشراكهم في نشاطات متنوعة بهدف إعادة تأهيلهم بإشراف كوادر مدربة من الأخصائيين من علماء الدين والتربية والنفس.


وأخيرًا، فإن إصرار التنظيمات الإرهابية على تجنيد الأطفال يكشف عن إفلاس تنظيمي وفكري، ويستهدف تجييش الموجودين في مناطق الصراع، وإرسال رسالة زائفة مفادها أن دعوة التنظيم تجد تأييدًا واسعًا يصل إلى حد إيمان الأطفال بهم، وبالطبع يشكل ذلك جريمة من جرائم الإرهاب ضد الإنسانية، وهو ما يستوجب مكافحتها من خلال تفعيل القوانين الدولية المتعلقة بحماية الأطفال، وبث الوعي بمخاطر هذه الانتهاكات، والتي تهدد مستقبل الأمة، كذلك الحث على التدخل الفوري لتحرير الأطفال من البيئات التي يتم فيها استغلالهم .

المراجع:


[1]"إفتاء-مصر-تكشف-بالتفاصيل-كيف-يجند-داعش-الأطفال؟"، موقع العربية الإخباري، تاريخ الاضطلاع 21 أكتوبر 2018، متاح على الرابط الآتي:https://www.alarabiya.net/pdfServlet/pdf/f144b4c2-6365-4f5b-b907-8f2171a02fe3


[2]" ماذا قَرَأ الدواعش ؟ كتب داعش: المرجعيات والإصدارات"، موقع السكينة، بتاريخ 16 نوفمبر 2017، متاح على الرابط الآتي:

https://www.assakina.com/center/files/108592.html

[3]عمار على حسن، مرجع سبق ذكره، ص 135.

[4] الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية -مرصد الفتاوى والتكفير على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، بتاريخ 7 نوفمبر 2018، متاح على الرابط الآتي: https://www.facebook.com/AlazharObserver/posts/1553359214704725


[5]"سوريا – الجماعات المسلحة تدفع بالأطفال في المعارك"، الموقع الرسمي لمنظمة حقوق الإنسان، تاريخ الاضطلاع 11 نوفمبر 2018، متاح على الرابط الآتي:

https://www.hrw.org/ar/news/2014/06/22/254221


[6] أشبال الخلافة.. دور الأطفال داخل تنظيم داعش"، مركز الروابط للدراسات والأبحاث، بتاريخ 24 يوليو 2015، متاح على الرابط الآتي:http://rawabetcenter.com/archives/10035https://www.akhbaralaan.net/news/exclusive/2016/10/3/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84



[7] الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية-مرصد الفتاوى والتكفير على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، تاريخ الاضطلاع 7 نوفمبر 2018، متاح على الرابط الآتي:https://www.facebook.com/AlazharObserver/posts/2131687200205254


[8] "تجنيد الأطفال سلاح فتاك بأيدي جماعات الإسلام السياسي"، جريدة العرب، بتاريخ 1 ديسمبر  2014، متاح على الرابط الآتي:

https://alarab.co.uk/%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D9%81%D8%AA%D8%A7%D9%83-%D8%A8%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A


[9] الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية-مرصد الفتاوى والتكفير على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، تاريخ الاضطلاع 7 نوفمبر 2018، متاح على الرابط الآتي:https://www.facebook.com/AlazharObserver/photos/a.1083786531661998/1390361047671210/?type=3&theater


[10] "التنظيمات الإرهابية تجند الأطفال.. طفلان من حلب يتحدثان عن جرائم داعش"، وكالة سانا الإخبارية، بتاريخ 27 فبراير 2018، متاح على الرابط الآتي:https://www.sana.sy/?p=718177


[11] "تجنيد الأطفال".. استراتيجية "داعش" لتعويض خسائره"، موقع البوابة نيوز، بتاريخ 20 يوليو 2018، متاح على الرابط الآتي:

https://www.albawabhnews.com/3201891


[12] المرجع السابق.


[13] "تجنيد الأطفال في الحروب: رؤية شرعية"، الموقع  الإلكتروني "لا لداعش"، بتاريخ 8 أكتوبر 2018، متاح على الرابط الآتي:

https://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache%3AZBZN0o59prUJ%3Asaynotoisis.org%2Far%2Farticles%2Fmilitarizing-children-islam-49%20&cd=18&hl=ar&ct=clnk&gl=eg&fbclid=IwAR03-6Am8n1PRAe9jDNfS2wrpiDk1goFNDQNGuPlpCzIN5JBL9-Ft3zEKps


[14] الصفحة الرسمية الخاصه بدار الإفتاء المصرية –مرصد الفتاوى والتكفير على موقع فيس بوك، تاريخ الاضطلاع 7 نوفمبر 2018، متاح على الرابط الآتي: https://www.facebook.com/InfedilizingFatwas/posts/1710264132522802

[15] عمار علي حسن، سبق ذكره.

[16] "استغلال الأطفال ركن أساسي في استراتيجية التنظيمات الإرهابية"، الموقع الإلكتروني لقناة الميادين، بتاريخ 16 ديسمبر 2016، متاح على الرابط الآتي":http://www.almayadeen.net/reports/686944/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%B1%D9%83%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9


[17] "مرصد الأزهر: تفخيخ الأطفال بعد تخديرهم استراتيجية جديدة وتحوّل خطير في جرائم بوكو حرام اللاإنسانية"، مرصد الأزهر، بتاريخ 16 أبريل 2017،متاح على الرابط الآتي:http://www.azhar.eg/observer/details/%D9%85%D8%B1%D8%B5%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1-%D8%AA%D9%81%D8%AE%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D9%87%D9%85-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%91%D9%84-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%A8%D9%88%D9%83%D9%88-%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR2xb_FYB1g-lVa_KTwIuz-vmel2qM_4FBlYP41ugYqvdaFS_2sxEeub3g8


[18] "أطفال داعش.. جواسيس وجلادون وسيافون"، ميدل ايست أونلاين، بتاريخ 4 أكتوبر 2017، متاح على الرابط الآتي:

https://middle-east-online.com/%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D9%88%D8%AC%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%81%D9%88%D9%86


[19] كارثة تجنيد «داعش» للأطفال"،جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 9 مارس 2015، متاح على الرابط الآتي:

https://aawsat.com/home/article/307311/%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF-%C2%AB%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%C2%BB-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84

[20]محمد العبدولي، "التجنيد الالكتروني"، السعودية، متاح على الرابط الآتي: https://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:bjW-FCCFluwJ:https://www.saaid.net/PowerPoint/1801.ppsx+&cd=3&hl=ar&ct=clnk&gl=eg


[21] "إفتاء مصر تكشف كيفية استخدام داعش للتكنولوجيا في حروبه"،موقع قناة العربية، 8 يناير 2016، متاح على الرابط الآتي:

https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2016/01/08/%D8%A5%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%87.html

[22] "داعش.. يطلق تطبيقًا إلكترونيًا يهدف إلى استقطاب الأطفال وتجنيدهم"، جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 17 مايو 2016، متاح على الرابط الآتي:https://aawsat.com/home/article/642236/%C2%AB%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4%C2%BB-%D9%8A%D8%B7%D9%84%D9%82-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%8B%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D9%8A%D9%87%D8%AF%D9%81-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF%D9%87%D9%85


[23] "الألعاب الإلكترونية.. تجنيد الأطفال في الإرهاب"، ميدل ايست اونلاين، بتاريخ 9 أكتوبر 2017، متاح على الرابط الآتي:

https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8


[24] محمد العبدولي، "التجنيد الإلكتروني"، مرجع سبق ذكره.

"