يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

قراءة في عملياته خلال عامين.. استهداف «داعش» أقباط المنيا لن يُنعش التنظيم

السبت 03/نوفمبر/2018 - 12:36 م
المرجع
رحاب عليوة
طباعة

أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، عقب ساعات من الهجوم على حافلة تقل أقباطًا عبر طريق عودتهم من دير الأنبا صموائيل في الطريق الرابط بين محافظتي المنيا- سوهاج في صعيد مصر مسؤوليته عن الهجوم، الذي أسفر عن سقوط 7 قتلى و13 مصابًا. 


وكان لافتًا أن الإعلان الداعشي جاء سريعًا فيما كانت أيامٌ تفصل عادة بين ارتكاب الهجوم وتبنيه، وأحيانًا يظل الهجوم دون تبنٍّ واضح لارتكابه، كما في هجوم عناصر التنظيم على مسجد «الروضة» في مدينة بئر العبد بشمال سيناء، والذي ارتُكب في نوفمبر من العام الماضي، مُخلفًا أكثر من 300 قتيل من أبناء القرية.


سرعة تبني الهجوم تتسق تمامًا مع المشهد العام؛ حيث محاولة التنظيم «إثبات وجوده» بالهجوم، عشية إطلاق منتدى عالمي في شرم الشيخ، يجمع شباب من جنسيات مختلفة، في مؤشر إضافي على تعافي الحالة الأمنية المصرية، وهنا حاول التنظيم الإشارة إلى عكس ذلك، عبر التدليل على أنه مازال موجودًا، وقادرًا على شنِّ عمليات ضد الأقباط، والذين هم ضمن مفهومه لـ«العدو القريب»، والذي يتضمن في الحالة المصرية «النظام وأجهزته والمسيحيين».

قراءة في عملياته

لكن في المقابل، إلى أي مدى يمكن أن تؤثر العملية الأخيرة في إنعاش التنظيم بمصر؟

الإجابة تَتَطَلّب النظر في  محاور عدة، أولها  النطاق الجغرافي، وثانيها طبيعة الهدف المستهدف في العملية، وأخيرًا المدى الزمني لعمليات التنظيم.


النطاق الجغرافي:

ارتكاب العملية في الظهير الصحراوي لمحافظة المنيا في صعيد مصر، يشير إلى تورط فلول جماعة «داعش الصعيد»، والتي يقودها الإرهابي الفار عمرو سعد عباس في الهجوم؛ ما يعكس قدرة تلك المجموعات الصغيرة، والتي يُرجح تمركزها في المدقات الجبلية على شنِّ مزيد من الهجمات، لكنها قدرة محدودة، مرتبطة بعناصر رخوة في مناطق وعرة يسهل اصطيادها والفرار بعدها، ويُرجح تلك القدرة المحدودة فشل التنظيم في اقتحام كنيسة مارمينا بحلوان في ديسمبر من العام 2017؛ حيث تمكنت قوات الأمن والمواطنون من شلِّ حركة المهاجم، علمًا بأن العملية كانت آخر عملية حاول «داعش الصعيد» تنفيذها قبل عملية أمس الجمعة؛ ما يعني أن 10 شهور تحتاج إليها تلك المجموعات لتنفيذ هجوم، في مؤشر إضافي على تراجع قدراتها المادية والحركية، في ظلِّ الاستنفار الأمني الذي تشهده البلاد.


في المقابل منح النطاق الجغرافي في هجوم أمس بعدًا آخر؛ حيث تحييد مكمن التنظيم الأول في مصر «سيناء» عن مسارح العمليات؛ ما يعكس النجاح الأمني الكبير في تقويض قدرات التنظيم، والقضاء على بنيته الأساسية في سيناء؛ بفعل العملية العسكرية الشاملة «سيناء 2018»، والتي انطلقت في 9 فبراير الماضي.


وكانت آخر عملية حاول التنظيم شنّها في سيناء عقب أسبوعين من إطلاق العملية الشاملة في 23 فبراير الماضي، بالهجوم على مقر الكتيبة 101 التابعة لسلاح حرس الحدود؛ حيث تمركز قادة العلمية العسكرية، لكن القوات المسلحة تمكنت من إحباط الهجوم؛ ما أسفر عن مقتل 4 من عناصر التنظيم.

قراءة في عملياته

الهدف :

تتبُّع عمليات التنظيم في عامي 2017 و2018 يكشف أولوية الأهداف الرخوة مقابل تراجع الأهداف العسكرية، والهدف الرخو هو الهدف الذي يسهل استهدافه كما في حافلة الأقباط، أمس، ومن قبله المصلون في مسجد الروضة في مدينة بئر العبد، وكذلك المدنيون في سيناء على نحو عام، على اعتبارهم متعاونين مع الأمن. 


والتركيز على الأهداف الرخوة يعكس تراجعًا في قدرات التنظيم التكتيكية والمادية؛ حيث إن استهدافها لن يحتاج إلى أكثر من تتبع الأهداف وتحديد ساعة الصفر، وسرعة الفرار عقب الهجوم، وتوفير مكمن آمن للاختباء، والكمون فترة؛ تجنبًا لحال الاستنفار الأمني التي تتبع الهجمات، لكن في المقابل، استهداف هدف عسكري للجيش أو الشرطة سواء متحركًا أو ثابتًا، يرتفع فيه هامش خسائر التنظيم، وسواء نجح التنظيم في هجومه أو أحبط بالكامل في الحالتين، فلديه هامش من الخسائر يتدرج وفق التعامل الأمني مع الهجوم.


وفي ظلِّ تراجع العناصر البشرية للتنظيم مع توقيف وقتل العشرات منهم أسبوعيًّا من قِبل قوات الجيش والشرطة، ومع تراجع الإمكانيات المادية بتدمير جزء كبير من البنية التحتية للتنظيم في سيناء، ومع تشديد الإجراءات الأمنية عبر المداخل الحدودية كافة برية وبحرية ومع قطاع غزة؛ ما أدى إلى انقطاع خطوط إمداد التنظيم، كل تلك العوامل أجبرت التنظيم على التركيز على الأهداف «الرخوة».


وتجدر الإشارة هنا إلى القدرات الأمنية العالية في صدِّ هجمات التنظيم، والتي كانت أحد أسباب تجنبه مواجهتها؛ حيث أحبط الجيش هجومًا للتنظيم على كمين كرم القواديس في أكتوبر 2017، وتحركت الطائرات سريعًا لقصف المهاجمين.

قراءة في عملياته

النطاق الزمني لعمليات التنظيم:

تباعدت النطاقات الزمنية لعمليات التنظيم على نحو لافت، كما تخلى التنظيم عن «مواسم للهجمات» دأب على شنِّ هجماته خلالها، وهي التي تتزامن مع مواسم دينية مثل شهر رمضان أو العشر الأوائل من ذي الحجة، أو مواسم وطنية مثل نصر أكتوبر، أو عيد تحرير سيناء، أو ذكرى ثورتي يناير ويونيو وهكذا.. وفي ذلك مؤشر على طبيعة المرحلة التي يحياها التنظيم، والتي لا تتضمن إمكانية إنعاشه مجددًا؛ ليعود إلى سابق عهده؛ حيث عمليات شبه أسبوعية في سيناء، وعمليات في العمق من وقت لآخر، ومحاولات لفتح جبهات خارج سيناء كـ«داعش الصعيد» و«داعش الجيزة» و«داعش القاهرة».


وبعدما كان التنظيم يحتاج إلى نحو 3 شهور لشنِّ هجمات كبيرة، كما حدث في نهاية العام 2016 بالهجوم على مقر الكاتدرائية المرقسية في العباسية، وأبريل من العام 2017؛ حيث الهجوم تزامنًا على كنيستين في الإسكندرية وطنطا، وكلا الهجومين خَلف عشرات الضحايا، واستدعى الهجوم الأخير إعلان حالة الطوارئ؛ بات التنظيم يحتاج إلى 10 شهور لارتكاب عمليات، وهي المدة الفاصلة بين الهجوم على كنيسة حلوان والهجوم على حافلة الأقباط أمس، مع الإشارة إلى اختلاف طبيعة الهدفين، فالهجوم على كنيسة يعد من الأهداف الأمنية في ظلِّ تأمين الكنائس بقوات أمنية، لكن الهجوم على حافلة أقباط في الصحراء هدف رخو لا يعكس تفوقًا للتنظيم بل تراجعًا.


ومن ثم فالهجوم على حافلة الأقباط منح مؤشرًا على خطورة خلية «داعش الصعيد»، والتي يتزعمها الفارّ عمرو سعد عباس، في مقابل تراجع قدرة التنظيم الأم في مصر؛ حيث تنظيم أنصار بيت المقدس (داعش سيناء)، فيما يتوقع أن تستنفر الأجهزة الأمنية كافة لتوقيف تلك الخلية، بعدما بات سعد الإرهابي المطلوب رقم (1) بعد سقوط عشماوي في ليبيا الشهر الماضي.

الكلمات المفتاحية

"