يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل هناك فرق بين الكيانات السلفية؟

الجمعة 21/سبتمبر/2018 - 03:04 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

يتوزع المعسكر السلفي إلى العديد من الاتجاهات، يصل الاختلاف بينها إلى حد التناقض، لكن رغم ذلك فإن ملامح خطابهم واحدة، وخطورتهم أنهم كتلة سائلة تعمل فى إطار واحد، لكنهم ينتقلون فجأة من دائرة إلى أخرى حسب الظروف، وهذه هي الخطورة.

هل هناك فرق بين الكيانات

على سبيل المثال، فإن جماعة «أنصار السنة المحمدية»، ترى أن النظام الديمقراطي «نظامًا كافرًا»، لكن الانتخابات بالترشيح ومزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرهم «جائزة»، وترى شرعية العمل الجماعي، ولا تقر التحزب لغير السُّنة والجماعة، ومثلها الجمعية الشرعية، التي يصل أتباعها مئات الآلاف.


وهذه «سلفية علمية» تؤمن بالعمل الجماعي التنظيمي، ولكنها ترفض العمل من داخل مؤسسات الدولة التي تعتبرها غير إسلامية؛ ولذا أنشأت تنظيمًا كاملًا، له فروع ومسؤولون، وذا آلية ونظام صارم، بقيادة محمد عبدالفتاح أبو إدريس (قيّم الدعوة السلفية)، وسعيد عبدالعظيم (المشرف على المجلس التنفيذي للدعوة السلفية)، وكل مشايخ الفضائيات المصرية يتبعون هذا التيار.


والأخطر -بحسب المراقبين- هم «السلفيون الحركيون»، الذين يرفضون تكوين جماعة خاصة، لكنهم يشجعون أتباعهم على التعاون مع جميع الجماعات العاملة حتى تنظيم «القاعدة»، حتى إن كل المجموعات المسلحة التي قبض عليهم في مصر اعترفوا في التحقيقات أنهم كانوا من تلاميذ محمد عبدالمقصود وفوزي السعيد شيخي هذا الفصيل، الذي يدعو إلى الانقلاب على أنظمة الحكم.

أسامة القوصي
أسامة القوصي
وهناك تيار آخر قد يتناقض مع الجميع، وهو «التيار المدخلي»، بقيادة أسامة القوصي، ومحمود عامر، الذي كان قد أفتى بجواز قتل الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث يرى بعدم الخروج على الحاكم المسلم، وإن كان فاسقًا، ولكن الغريب أن «القوصي» بعد 25 يناير أجاز المظاهرات واعتذر لـ«شباب الثورة»، والداعية السلفي «محمود لطفي عامر»، قرر ترشيح نفسه للرئاسة.

عقب الثورة انقلب الوضع إلى سلفيات كثيرة أعدادهم بمئات الآلاف (لا توجد إحصائيات دقيقة لهم باعتبارهم جماعات غير مشروعة قانونيًّا)، منها من يتحالف مع الأنظمة، وهي السلفية التقليدية والمدخلية، وأخرى ترفضها، بل ربما تكفرها، وهي «السلفية الجهادية»، وكذلك مواقفها من الأمور السياسية ليست على نهج واحد، لكنه لا فرق كبيرٌ بين التيارات السلفية، لا في الملامح ولا في الخطاب.

هل هناك فرق بين الكيانات

التيار الثالث

ونشأ عقب 25 يناير، ما يُسمى بـ«التيار الثالث»، وهو الذي تتآلف تحت مظلته حركات فرعية، هي: «الجبهة السلفية، وحركة طلاب الشريعة، وتيار الإسلام الجديد»، فيما تتوحد هذه الحركات بينها على ما تصفه بـ «التصدي لبراجماتية الإخوان والسلفيين».


من ناحية البنيوية الفكرية، نشأت «السلفية التقليدية» وهي التي تهتم بالدعوة والتربية دون خوض غمار العمل السياسي، و«السلفية الإصلاحية» التي أجازت العمل السياسي، وقبلت بالعملية الديمقراطية، ثم «السلفية الجهادية» التي تؤمن بجواز الخروج على الحكام.


السلفيون بهذه التقسيمات شكلوا دوائر عدّة، الأولى تقليدية، والثانية جهادية، والثالثة سياسية، والدوائر الثلاث تتحرك كلها باتجاه بعضها، فيمكن أن يتحول السلفي التقليدي إلى جهادي، والعكس، وعلى هذا فإن التيار السلفي يمتاز بالحيوية الشديدة التي رجحت مجموعة من التحولات والتغيرات التي أصابت كل التيار وكياناته.


من ناحية المواقف السياسية والاختلاف حول الرؤى، سنجد أن الخريطة السلفية المصرية انقسمت إلى السلفية الاجتماعية المؤسساتية التي مثلتها «جماعة أنصار السنة المحمدية» (من أهم مشايخها جمال المراكبي، وعبدالله شاكر)، و«الجمعية الشرعية» (من أهم مشايخها محمد مختار المهدي).


كما انقسمت إلى «السلفية العلمية» التي تؤمن بالتصفية والتربية والعلم، ومثلتها «المدرسة السلفية بالإسكندرية» وهي أكبر السلفيات، وانبثق منها في الآونة الأخيرة «حزب النور».


استنادًا إلى أن الرؤى في غالبيتها تغيِّر في الموقف من بعض «الثوابت الخاصة»، ظهرت «السلفية الحركية»، أو «القطبيون» أو «السروريون» أو «السلفيون الجهاديون»، وهم مجموعات ترتكز في «شبرا» بوسط القاهرة، ومحافظة البحيرة، ثم الاتجاه الرابع وهم «سلفية التزكية والتربية» التي لا تهتم بالعمل السياسي، ويمثلها الدكتور أسامة عبدالعظيم، وأخيرًا السلفية «الجامية أو المدخلية»، التي يمثلها «محمود عامر، وأسامة القوصي»، والتي تؤمن بالسمع والطاعة للسلطان.

هل هناك فرق بين الكيانات

«سلفيو ما بعد الثورة»

قبل ثورة 25 يناير، كانت الكيانات السلفية تتمثل في كيانات مؤسساتية، مثل «الجمعية الشرعية»، وهي كيان يهتم بالعمل الاجتماعي، و«جماعة أنصار السنة المحمدية»، التي تهتم بالدعوة وتنقية العقيدة من الشوائب، و«الدعوة السلفية بالإسكندرية» وهي التي تحوز النصيب الأكبر من قطاع السلفيين.


وتؤمن «الدعوة السلفية بالإسكندرية» بالعمل التنظيمي؛ حيث إن لها قادة، وتنظيم، وأفرادها مؤطرون تنظيميًّا، وكانت تؤجل السياسة إلى حين، حتى تسارعوا ناحية السياسة وشكلوا بعد الثورة حزب «النور» في 13 يونيو 2011، وتبعتهم مجموعة سلفية أخرى بتشكيل حزب «الفضيلة»، الذي انشق إلى حزبين منفصلين ثانيهما هو «الأصالة».


وشكلت الجماعة الإسلامية حزب «البناء والتنمية»، ودخلت الانتخابات فلم تحصل سوى على عدد قليل من المقاعد، واتجه الجهاديون لتشكيل حزب «السلامة والتنمية» لكنهم لم يوفقوا، بعكس السلفيين التقليديين والمدخليين الذين اكتفوا بمراقبة ما يحصل، واستمروا في سياستهم القديمة.

للمزيد.. خبايا «السلفية الجهادية» في أفريقيا.. «بوكو حرام» نموذجًا


المهم أن «التيار الثالث» أجرى اتصالات مكثفة مع عدد من الحركات الإسلامية، منها: «أهل السنة والجماعة» (قطبيون)، ومع عدد من كبار العلماء المرموقين والقادرين على التأثير في الوجدان الشعبي، حتى تمتد أفكارهم وتخرج من حدود الإسكندرية إلى كل محافظات مصر.


كما نشأ «الإسلاميون الثوريون»، وهي (حركة أغلب أفرادها من التنظيمات الجهادية القديمة «الوعد – العريش – تنظيم الغردقة»)، ونشأت حركة «حازمون» التي تنتمى إلى المرشح السابق للرئاسة، «حازم صلاح أبوإسماعيل»، والتي سبقها مجموعة من الكيانات الجديدة، أولها «الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات»، التي حددت أهدافها في إيجاد مرجعية شرعية والعمل على وحدة الصف، و«الجبهة السلفية»، وهي رابطة تضم رموزًا عدّة إسلامية وسلفية مستقلة.


كما تشكل «ائتلاف شباب مصر الإسلامي» -ائتلاف أغلب أفراده من التيار السروري- ثم تشكّل «ائتلاف دعم المسلمين الجدد» الذي اهتم بالقضايا الطائفية بشكل خاص، وقبلهم نشأ «سلفيو كوستا»، وهم مجموعة من الشباب السلفيين الذين ظهروا في أبريل عام 2011 عقب الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وأعلنوا أن أهم أهدافهم هو التقريب بين التيارات بشكل عصري.

هل هناك فرق بين الكيانات
السلفية السائلة
ولو لاحظنا سنجد أن الكيانات الجديدة تميزت في نشأتها بغياب المرجعيات القديمة لها، إضافة إلى عدم اعتمادها على المساجد في الانتشار، كما أنها قامت دون تخطيط مسبق، وهذا كله يؤكد أننا من الممكن أن نتوقع رؤية كيانات مشابهة في الأيام المقبلة.

التيارات الجديدة خرجت عن سياق القديمة، كالدعوة السلفية، والجماعة الإسلامية، وجماعة الإخوان، ففي الوقت الذي كانت فيه التيارات القديمة تؤيد المجلس العسكري، كما في أحداث مجلس الوزراء، ومحمد محمود، أعلنت الجديدة تأييدها للثوار وشاركت في التظاهرات بالميادين؛ من أجل تطبيق الشريعة، واستكمال مطالب الثورة، حسب تعبير أفرادها.


ما سبق يعتبر نقلةً موضوعيةً وتاريخيةً للحركة السلفية، وتحولها من مجال الجماعات التي يديرها بعض رموز السلفية إلى ترتيبات حزبية ذات طبيعة دعوية وأيديولوجية وسياسية، تتغير كل فترة مع حالة السيولة القائمة على الصعيد السياسي، وهذا يؤكد لنا، أن خطورة السلفية أنها كتلة سائلة تعمل فى إطار واحد، لكنها تنتقل فجأة من دائرة إلى أخرى حسب الظروف، وهنا تكمن الخطورة.

"