يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

من كهوف «التكفير والهجرة» إلى سراديب «قم» (1-2)

السبت 18/أغسطس/2018 - 12:54 م
الدكتور الشيخ محمد
الدكتور الشيخ محمد عطية
صلاح الدين حسن
طباعة
لم أسعَ إليه، فلم أكن أعرفه من قبل ولا سمعت عنه، ولا عن ما يدعو إليه وجماعته.. إلا أنه في ذات يوم هاتفني حراس الجريدة، يخبرونني بأن ثمة شخصًا ملتحيًا يحمل حقائب بلاستيكية مملوءة بالكتب، يطلب لقائي، يُدعى الدكتور الشيخ محمد عطية.


لم تكن من عاداتي رفض الراغبين في اللقاء، أيًّا كان انتماؤهم وأهدافهم، فكم أخبرت التجارب بأن قليلًا من هؤلاء قد يحملون الكنوز في باطنهم، وما عليَّ إلا نبشها واستخراج ما فيها.

ما إن ألقى السلام، حتى بانت لكنته العراقية، فبادرته بالسؤال: هل أنت عراقي، فأجاب بالنفي: «لا؛ أنا مصري».. لكن تبدو لهجتك عراقية، فهل كنت مقيمًا في العراق؟ أجاب: «كنت في قم، وهذه اللهجة هي من ابتلاءات الله عليَّ، فالجميع يقولون لي إني لست بمصري حتى أخرج لهم هويتي، الأمر وما فيه أن لكنة العربية في إيران «عراقية»، ثم إن معظم أصدقائي هناك كانوا من العراقيين».. كان يتحدث بالفصحى المخلوطة بلكنة عراقية واضحة.

أخرج من جيبه كتيبًا، وأهداني إياه ثم قال: هذه وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، التي نص فيها على أول الخلفاء المهديين من بعدهم، واسمه السيد أحمد الحسن اليماني، وقد ظهر في العراق، وأنا من المؤمنين به، وقد جئت اليوم لأبلغ رسالته.

لم يكن يبدو على الرجل أثر جنون، ولم يكن يَدَّعي المهدوية لنفسه.. تحسست مسجلي ثم ضغطت على الزر.. يبدو أننا على موعد جديد مع «مؤمن صادق»، على حد تعبير إيريك هوفر.

من أنتم؟
بعد هزيمة يونيو (حزيران)، بدأ الشعور الديني في التزايد لدى الشعب المصري، وفي بداية السبعينيات من القرن ذاته، بدأت تنبت بذرة التيار الإسلامي في الجامعات المصرية، وسرعان ما بدأت تنتشر حتى طغت الأيديولوجيا الإسلامية على بقية الأيديولوجيات الأخرى.

يبدأ معنا الرجل حكايته من هذه الحقبة، فهو المولود في محافظة المنوفية، شمال القاهرة، تفوق في دراسته حتى ألتحق بكلية الصيدلة في جامعة الإسكندرية، فبدأ التأثر بأفكار السلفية التكفيرية.

يقول: كنت أبحث عن الفرقة الناجية، أكفر بالطاغوت وأؤمن بالله، حتى وجدت نفسي في السجن بتهمة الانتماء لتنظيم «التكفير والهجرة»، ووجدت نفسي قابعًا بجوار شكري مصطفى، زعيم التنظيم، ودارت بيني وبينهم حوارات صاخبة في الزنزانة.

يتذكر قبل القبض عليه بأسبوع واحد، عندما دخل على أستاذه في كلية الصيدلة، وكان عميدها في هذا الوقت فيقول: كان شعر رأسي مسترسلًا، ولحيتي أيضًا، فباغتني الدكتور قائلًا: إن رجالات المنوفية لا يطلقون شعورهم هكذا كالنساء.. فقلت له: الإسلام ليس بالشعر ولا باللحية إنه بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فقال مستنكرًا: «التابوت!».

يعترض: كانت كلمة «الطاغوت» حينها غير معروفة لكثير من الناس، ويستطرد: قلت له كيف تكون مسلمًا وأنت لم تقرأ قوله تعالى: (ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) فقال لي: ما الطاغوت يا بني؟ قلت: هو الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله، قال: تقصد أنور السادات، قلت: نعم، فذهبت بعدها لقريتي وكان إطلاق اللحية في هذا الوقت شيئًا مستغربًا عند الناس، خاصة في الأرياف، كان هذا في العام 1977م.

زُج به في السجن، وحوكم عسكريًّا، ثم حصل على البراءة، بعدما قضى 7 أشهر خلف القضبان.. يقول: خرجت من السجن وأنا مؤمن أن كل من يقول إنه مسلم لا يُمثل الإسلام في صورته الصحيحة، فالإسلام هو الإسلام، مَنْ يحمله بصورة صحيحة فهو مسلم، ومَنْ لا يحمل بصورة غير صحيحة فهو كما هو.

وظللت على هذا الحال إلى عام 1987م، فشاء الله أن تنحرف مجموعة منا عن مسار الطريق الذي كنا نسلكه، ويدخلون في طريق استحلال أموال النساء ودمائهم، فشكلوا خلية، وحصلوا على أموال بطريقة غير شرعية، ثم حاولوا اغتيال حسن أبو باشا «وزير الداخلية المصري الأسبق».

البحث عن الفرقة الناجية
أُلقي به في السجن مرة أخرى، لكنه يقول: لم أكن متفقًا في هذا الوقت مع ما حدث على يد جماعة منا، والتي أطلق عليها وقتها «الناجون من النار»، مع أني كنت مؤمنًا بأفكار سيد قطب، وأبوالأعلى المودودي، ومحمد بن عبدالوهاب.

يقول: كنا جماعة ملتقية على فكر معين، ولم يكن لنا انتماء لتنظيم الجهاد، كنا نحسب أنفسنا مسلمين نتلمس طريق الفرقة الناجية، وموقفنا كان فكريًّا فقط، ضد من لا يحكمون بما أنزل الله.

وفي خضم مناقشات السجون، سمعت أحد الأشخاص، متحدثًا عن الفرقة الناجية، فاستدل بحديث (إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله، وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا).

توقف عند الحديث وسأل: هل هذا حديث صحيح؟ أجيب بنعم.. وبعدما أفرج عنه طار على إيران للدراسة في «قم».

كانت الفرقة الناجية لـ«عطية» كما «النداهة» في الأمثال الشعبية المصرية، عندما تنادي ليلًا على أحد، تجذبه إلى حيث هي، ثم يدخل بعد ذلك في التيه الكبير، الذي لا أمل في الرجعة منه.

لم يكن جلسته معي ليسمعني ما سبق، أو حتى ليجري مجرد حوار للنشر، إنها كانت جلسة دعوة، إلى الاقتناع بما يؤمن، إنه لديه شعور عظيم بصدقية ما يؤمن، كأنه لديه سر يريد أن يبوح به للجميع، يُشبه داعية في عصور خلت.

بين الملالي
في قم التحق بالحوزة، حتى اجتاز كل مراحلها العلمية.. هنا يتوقف ليعرج على الحياة هناك قليلًا فيقول: كان المراجع يعطون الطلبة رواتب، تضمن لهم حياة كريمة، إلا أنهم كانوا يقصدون في الواقع شراء هؤلاء الطلبة، حتى يُكثروا من أتباعهم، ونظير هذا الشراء، يغدقون عليهم الأموال.

يكمل: بات طلبة الحوزة مشتتين بين هؤلاء وأولئك، يرجون لقمة العيش، والحياة التي تليق بهم، لكنهم لم يستطيعوا شرائي، فحافظت على استقلاليتي، فأنا ذهبت إلى هناك من أجل الإمام المهدي، لا من أجل المال.

فكيف كان يعيش هناك طيلة 20 عامًا مضت، يجيب: كنت أصوم وأصلي بالأجرة عن الذين ماتوا وفاتهم ذلك، كما كنت أقرأ القرآن بالأجرة، فكنت أقضي معظم وقتي صائمًا أو قائمًا أو قارئًا للقرآن.

بعدما آمن بأن أحمد الحسن، هو أول المهديين الاثني عشر، وأنه أعلن عن نفسه في العراق، وصرح بمعتقده الجديد في قم، فتعرض للمحاكمة الداخلية أولًا، مشيرا إلى أنه «لم يكن لديه عائق يمنعه».

يحكي عن تلك المرحلة فيقول: بعدما أصررت على اعتقادي، تعرضت للحصار، فقد أفتوا بعد إلقاء السلام عليّ، وأجمعوا على مقاطعتي، لكن ذلك لم يصرفني عن عزمي.

إنه أسلوب يُشبه العقاب الذي تعرضه التنظيمات الدينية السنية، لأتباعها، عندما يرون منهم أي إرهاصات للانشقاق والتمرد.

بعدما تأكد لهم عدم خضوعي، أمروا الحكومة الإيرانية بالقبض عليّ، وهو ما حدث، وتعرضت للمحاكمة بتهمة إيماني بأحمد الحسن اليماني.. وفي المحاكمة تمسكت بعقيدتي.
 
يسترسل: في نهاية المحاكمة قال القاضي: «أنت رجل مؤمن صالح.. أسألك أن تدعو الله لي»، ثم حكم عليّ.

بسنة ونصف مع الحرمان من كل حقوق الحوزة، وجردت بعدها الزي الروحاني.. قضى في سجون الملالي 7 أشهر أيضًا، ثم رحلوه إلى القاهرة، ليتحول إلى المسؤول الأول عن الحركة المهدوية في مصر.
 
الوصية الكبرى
يقول إنه يملك الآن كتاب وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أملاه على عليّ بن أبي طالب، في ليلة وفاته.. يمسك بالكتاب طيلة الوقت، ويتلو منه من آنٍ لآخر: (إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إمامًا واثنا عشر مهديًّا، فعليُّ هو أول إمام وسمَّاه الله عليًّا المرتضى) ينتهي الرجل من ذكرهم، ويبدأ في تلاوة أسماء وصفات الاثني عشر الآخرين.

يقول: ثم يقوم من بعدهم اثنا عشر مهديًّا، فإذا حضرته الوفاة، فليسلمها لابنه أول المقربين، وفي مصادر أول المهديين، له اسمه عبدالله أحمد، يجب على الأمة الإيمان به.

إذا كان قد ظهر فأين هو الآن؟ يجيب: أعلن عن نفسه في النجف، وأقام على مراجعها الحجة، إلا أنهم أهدروا دمه، هؤلاء الذين يعيشون بإذن أبيه محمد بن الحسن العسكري، الذين يأخذون الخمس من شيعته، ويحتكرونه لأنفسهم، مع أن الإمام أباح الخمس في زمن الغيبة الصغرى للمسلمين جميعهم.

ولماذا جحدوه طالما أقام عليهم الحجة يجيب: هم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن وجدوا أن الإيمان به سيزيل الامتيازات المعنوية والمادية عنهم، فآثروا الدنيا على الآخرة، فأمروا نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، بالقضاء على أحمد الحسن، والآن هو يدفع الثمن.

قام المالكي، مدعومًا بالطيران الأمريكي، بالهجوم على أنصار أحمد الحسن، فقتل منهم من قتل، وقامت ثورة فكرية عقائدية لم يستطيعوا مواجهتها أو الرد عليها، ولذا فإن اسم «أحمد» في الروايات هو الشريد الطريد، ومازال أنصاره إلى اليوم في السجن، هناك 50 شخصًا محكوم عليهم ما بين المؤبد والإعدام.

بأي تهمة؟: إنهم يصفونه بالفكر الهدَّام الذي جاء يهدم الفكر الشيعي، وهي التهم نفسها التي اتهم بها اليهود عيسى بن مريم، واتهمت بها قريش محمد صلي الله عليه وسلم، لكن لن يمكنهم الله منه، فهو معصوم، وفي مكان غير معلوم إلا للخاصة من أصحابه، وهو يدير حركة الدعوة المهدوية في كل العالم، الآن، هي دعوة عالمية منتشرة في كل العالم، ليست لدين معين أو دولة معينة، بل هي العالم أجمعين، وعلى كل إنسان أن يأخذ موقفًا منها، إما معها وإما ضدها.. هكذا قال نصًّا: «معنا أو ضدنا».
"