يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

من مدريد إلى برشلونة.. استراتيجية جديدة للتطرف في إسبانيا

الأربعاء 01/أغسطس/2018 - 12:12 م
هجمات برشلونة
هجمات برشلونة
مصطفى صلاح
طباعة
تُعدُّ إسبانيا من الدول المحورية القريبة من العالم العربي، والتي يمكن من خلالها للجماعات المتطرفة التوغل في بقية الدول الأوروبية، وتصنف على أنها «دولة معبر» الإرهابيين، وليست ضمن حواضن التنظيمات المتطرفة، وعلى ذلك يُمكن اعتبار هذه العمليات من المفاتيح المهمة لفهم حركة الجماعات الإرهابية وربطها بالبعد المكاني، خاصة أن إسبانيا كانت في زمن ما مركزًا للحكم الإسلامي في الأندلس. 

من مدريد إلى برشلونة..
ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها السلطات الأمنية، في مواجهة العديد من الهجمات الإرهابية المحتملة منذ أحداث مدريد عام 2004، فإن الجماعات المتطرفة استطاعت الوصول إلى هناك، بعد تنفيذ هجمات «برشلونة» في 17 من أغسطس 2017، وذلك على خلفية عملية دهس جماعي قام بها المغربي، «يونس أبويعقوب» (22 عامًا)، ما أسفر عن سقوط 13 قتيلًا على الأقل وإصابة 80 آخرين.

الجدير بالذكر أن «الحسيني» شقيق «يونس» ومعه الأَخَوَان «محمد وعمر هشامي»، إضافة إلى ثلاثة آخرين، قتلتهم الشرطة في اليوم التالي في مدينة «كامبريلس» الساحلية جنوب برشلونة.

تهديد قادم

لم يكن الهجوم الإرهابي في «برشلونة» إلا مؤشرًا على قدرة التنظيمات الإرهابية، على اختراق إجراءات الأمن المشددة، والقيام بعمليات غير متوقعة، خاصة فى إطار تنوع الآليات والتكتيكات، التي تستخدمها تلك التنظيمات مثل عمليات الدهس والطعن، إضافة إلى «الذئاب المنفردة».

هذه العمليات تتسم بسهولة تنفيذها، فهي لا تتطلب قدرات خاصة وإمكانيات ضخمة أو مهارات قتالية، هذه الهجمات توقع العديد من الضحايا بأقل الموارد، كما أن هذه العمليات يصعب أن تتوقعها السلطات الأمنية.

كما شهدت بلدة «ألكانار» جنوب «كتالونيا» انفجارين، تسببا في مقتل شخص وإصابة العشرات خلال محاولة إرهابيين لصنع عبوات ناسفة، ومنهم «عبدالباقي السعدي» العقل المدبر للاعتداء المزدوج؛ حيث انفجرت قبل وقت قليل من هجومي «برشلونة» و«كامبريلس»، وتسببت في مقتل اثنين من أعضاء الخلية الإرهابية.

وعلى ذلك، وجه الاتهام إلى «الإمام عبدالباقي الساتي» (42 عاما)، والذي تعتبره سلطات التحقيق الإسبانية العقل المدبر للهجمات، التي ضربت «كاتالونيا» في أغسطس 2017، كان «الساتي» إمام مسجد مدينة «ريبول» القريبة من حدود فرنسا، والذي يعيش هناك منذ عام 2015، ولم يكن معروفًا لدى السلطات، وهناك كَوَّن خلية إرهابية من 12 فردًا، نفذت الهجمات في «برشلونة»، ولقي «الساتي» مصرعه داخل بيت في بلدة «ألكانار»، كان يحضّر فيه نحو 120 أسطوانة غاز لتنفيذ هجمات إرهابية.
 
وفي اليوم ذاته، حاولت 5 عناصر إرهابية تكرار سيناريو هجوم «برشلونة»، لكن هذه المرة فى بلدة «كامبريس» جنوب العاصمة الكتالونية، لكن الشرطة تمكنت من قتل المهاجمين، ثم أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن هذه الهجمات، وفقًا لوكالة «أعماق» التابعة له.
وزير الداخلية الإسباني
وزير الداخلية الإسباني خورخي فرنانديز دياز
المواجهة
الجدير بالذكر، أن المؤسسات الأمنية الإسبانية أحبطت العديد من الهجمات، وفككت العديد من الخلايا الإرهابية في 2017، إضافة إلى القبض على أكثر من 180 من العناصر الإرهابية منذ عام 2015، إلا أن هذه السياسات الأمنية المشددة لم تمنع من تنفيذ العديد من الهجمات الإرهابية.

كانت السلطات الإسبانية قد بدأت، في مارس 2016، تعزيز أمن مطاراتها، إثر الاعتداءات الدامية في «بروكسل»، فقال وزير الداخلية الإسباني، «خورخي فرنانديز دياز»: «ستعتمد سلسلة من الإجراءات بهدف تعزيز الأمن في المطارات»، مضيفًا: 
«اسمحوا لي ألا أقدم المزيد من التفاصيل عن الإجراءات لأسباب بديهية»، بحسب فرانس 24، وتبقى إسبانيا على درجة الإنذار الأمني في المستوى الرابع من 5 مستويات، وذلك بعد توصية بالإجماع لخبراء وطنيين.

إضافة إلى ذلك، أعلن وزراء داخلية كل من، فرنسا والبرتغال وإسبانيا والمغرب، في أبريل 2015، التزامهم بتعزيز تعاون بلدانهم في مجال مكافحة الإرهاب، خصوصًا لمنع تنقل المقاتلين (الجهاديين)، وجاء في بيان مشترك في ختام اجتماعهم، الذي عقد في ضواحي لشبونة، أن الدول الأربع «تعتبر أن من المهم جدًّا تجفيف مصادر التطرف العنيف، عبر مواجهة المشكلة في إطار مقاربة شاملة».

وأكد البيان أن «هذه الاستراتيجية يجب أن تستند إلى مكافحة التشدد خصوصًا عبر الإنترنت، وتعزيز السبل الهادفة إلى منع تنقل المقاتلين الأجانب، ورصد عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، أو إلى أماكن إقامتهم».

مراقبة المساجد
يرجع استهداف التنظيمات الإرهابية للمناطق السياحية، إلى السعي لتأكيد عالمية الهجمات من خلال إسقاط ضحايا، ينتمون لعدد كبير من دول العالم، التي بلغ عددها نحو 34 في هجمات «برشلونة»، بينها فرنسا وألمانيا والأرجنتين وأستراليا وبلجيكا ورومانيا ومصر والكويت وباكستان، كما استهدفت الهجمات نشر شعور عالمي بعدم الأمان، والتأثير سلبًا على اقتصاديات السياحة العالمية.

وعلى ذلك، سادت حالة من الجدل بين الحكومة الإسبانية، والعديد من القيادات الإسلامية، خاصة بعد حادث «برشلونة» في أغسطس 2017، حيث فرضت الحكومة شروطًا معينة لاختيار أئمة المساجد، وإجراءات متعلقة بإخضاعهم للتدريب، والتحقق من هويتهم.

ورغم الحرفية العالية، التي واجهت بها القوات الأمنية الإسبانية الخلية الإرهابية، ما أدى إلى تفكيكها، وتصفية 8 من عناصرها واعتقال 4 آخرين، وفتح التحقيق معهم، والقبض على إمام مسجد النور بمدينة «ريبوي» باعتباره القائد الفعلي للخلية، فإن تداعيات كثيرة انعكست على الساحة السياسية، في ظرف حساس مع اقتراب يوم الاستفتاء على انفصال إقليم «كتالونيا».

ووفقًا لصحيفة «لابانجورديا» الإسبانية، فإن اللجنة الإسلامية هناك، بدأت في تعداد المساجد والأئمة؛ حيث يوجد 14 مسجدًا مسجلًا، مثل «المركزي في تيتوان» و«إم 30»، إلا أن هناك 1600 مسجد غير مسجل، أما الأئمة فلا توجد أعداد رسمية لهم.

وكان رئيس الاتحاد الإسباني للكيانات الإسلامية، «منير بن جلون»، في 24 من أغسطس 2017، قد أعلن أن المساجد لا تحصل على المعاملة ذاتها التي تحظى بها الكنيسة الكاثوليكية، فلا تتلقى إعانات من الدولة، كما لا توجد مراقبة عليها، في إشارة إلى مشكلة التمويل التي تواجهها المساجد في إسبانيا.

وعلى ذلك، نفذت الشرطة الإسبانية في 3 من نوفمبر 2017 عمليات لمكافحة الإرهاب على نطاق واسع، تتضمن توقيفًا ومداهمة على مشارف «برشلونة» شمال شرق البلاد، وأوضحت الشرطة أن السلطات كانت تجري نحو 12 عملية مداهمة في «برشلونة»، و5 مناطق تابعة لها.

أبو محمد العدناني
أبو محمد العدناني
دلالات الهجوم
هذه الرسالة موجهة للدول والمجتمعات الغربية؛ لتعلمهم بقدرة التنظيم على تنفيذ عمليات في مناطق متباعدة وبصورة غير متوقعة، وأيضًا لمؤيدي التنظيم والمتعاطفين معه -من جانب آخر- خاصة الرسائل المتعلقة بعدم تأثر التنظيم بفقدانه مناطق واسعة من تلك الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا، وأنه لايزال قادرًا على تنفيذ عمليات داخل الدول الأوروبية، وهي رسائل قد تدفع آخرين من المتعاطفين مع التنظيم، إلى تنفيذ عمليات مماثلة في مناطق متباعدة من العالم.

في رسالة صوتية للقيادي بتنظيم داعش، «أبومحمد العدناني» في مايو 2016، طالب عناصر التنظيم وأتباعه والمتعاطفين، معه باستخدام كل الوسائل المتاحة لتنفيذ الهجمات الإرهابية، مثل الطعن، القذف بالحجارة، الدهس بالسيارة، وذلك في حالة ضعف خبراتهم القتالية، وعدم قدرتهم على الحصول على متفجرات أو أسلحة؛ بسبب الإجراءات الأمنية المشددة.

ومن المرجح أن تتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في الدول الأوروبية، مع إحكام حصار المعاقل الرئيسية لـــ«داعش»، واستماتة التنظيم في بث رسائل تطمين وثقة للمتعاطفين معه، بأنه لايزال قادرًا على البقاء.
"