يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

3 أسباب تجبر إيران على عدم الاستمرار في معركة تصدير النفط

الجمعة 27/يوليه/2018 - 06:40 م
إيران ومعركة تصدير
إيران ومعركة تصدير النفط
علي عاطف حسان
طباعة
كان لزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الدول الأوروبية، في يوليو 2018، أثر كبير في بدء مرحلة جديدة من صراعات الشرق الأوسط، حيث كانت تهديدات روحاني بمنع تصدير نفط المنطقة حال إيقاف تصدير النفط الإيراني بداية فصل جديد لمرحلة ما بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني.


 اللواء قاسم سليماني،
اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني
ولقى تهديد روحاني إشادة من اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني-وحدة قوات خاصة للحرس الثوري الإيراني-، كما امتدحه أيضا المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، ما جعل الجميع يتوقعون أن تلك التصريحات والتهديدات ستأتي بنتائجها في المستقبل القريب. الأمر الذي تحقق فعليًّا بقيام الميليشيات الحوثية، المدعومة من إيران، باستهداف ناقلة نفط سعودية -مؤخرًا- في البحر الأحمر، غربي ميناء الحديدة، ما ينذر بإحداث خلل واضطراب في حركة النفط في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب. 

ومن ناحية أخرى، فإن الربط بين استهداف ناقلة النفط السعودية وبين تهديدات المسؤولين الإيرانيين التي تفيد بأن «البحر الأحمر لم يعد آمنًا»، يحتاج إلى بعض التدقيق والمراجعة، وفيما يلي يقدم «المرجع» تحليلًا للأسباب التي يمكنها أن تجبر إيران على عدم التوسع والاستمرار في تنفيذ تهديداتها وإحداث خلل في حركة الملاحة البحرية، خاصة المتعلقة بنقل النفط.
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
◄ الأهمية النفطية الاستراتيجية لمياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب:
يمثل مضيق باب المندب الواقع جنوبي البحر الأحمر أهمية كبيرة لحركة التجارة العالمية؛ إذ يمر من خلاله سنويًّا حوالي 25 ألف سفينة تجارية، أي بمعدل 75 سفينة يوميًّا، كما يربط المضيق ما بين البحر الأحمر والمحيط الهندي وخليج عدن، وكذلك ما بين قارتي أفريقيا وآسيا. ويمر عبر المضيق حوالي 7% من حجم الملاحة العالمية. 

أما من ناحية الأهمية النفطية، فيعبر من خلال المضيق حوالي 3.8 مليون برميل نفط يوميًّا، أي ما يعادل 30% من النفط العالمي. 
تصدير النفط
تصدير النفط
◄ لماذا التهديد بإيقاف تصدير النفط عبر مياه باب المندب؟ 
بسبب أهمية مضيق باب المندب التي سبق ذكرها، تحاول إيران اللعب سياسيًّا والمساومة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد خروج الأخيرة من الاتفاق النووي واقتراب فرض عقوبات نفطية على طهران في 4 أغسطس المقبل؛ لذا تريد طهران أن تسبق الأحداث وأن ترسل إلى الولايات المتحدة رسالة مفادها أنه «إذا فرضتم عقوبات نفطية علينا ومنعتم تصدير نفطنا، فإن النتيجة ستكون إيقاف تصدير نفط المنطقة من خلال مضيقي باب المندب وهرمز». 

ولا تريد طهران التهديد بإيقاف تصدير النفط عبر مضيق باب المندب فقط، لكنها تريد التهديد بإيقافه من خلال تحذيرها بإغلاق مضيق هرمز الواقع على حدودها، والذي يمثل هو الآخر أهمية كبرى في الحركة التجارية الدولية، خاصة تجارة النفط. 
 التجارة النفطية
التجارة النفطية
◄ قدرة إيران على منع تصدير النفط الدولي عبر باب المندب:
يمكن لإيران من الناحية العملية أن تقوم بإحداث خلل كبير في حركة التجارة النفطية في مياه البحر الأحمر، ومضيق هرمز، إلا أنه من الناحية السياسية والعسكرية الدولية، لن تستطيع إيران الاستمرار في ذلك التهديد للأسباب التالية: 
- الأهمية الحيوية التي تمثلها هذه المضايق نفطيًا: 
بما أن النفط هو عصب الحياة في كل أنحاء العالم، فإن الدول الشرق أوسطية والدول الغربية لن تصمت كثيرًا أمام محاولات إيقاف التجارة النفطية في البحر الأحمر أو مضيق هرمز.

1- خسارة التضامن الأوروبي: 
من الممكن أن تفقد إيران ما يمكن أن نطلق عليه «تضامن المصلحة الأوروبي» الذي تظهره بعض دول أوروبا حاليًا في تعاملها مع القضية النووية الإيرانية والإتفاق النووي الموقع عام 2015. 
إن ما تقوم به إيران لن يهدد فقط الولايات المتحدة الأمريكية، بل يهدد دولًا في الشرق الأوسط، منها مصر، التي يمثل لها باب المندب بوابة الدخول لقناة السويس الحيوية، كما سيعمل على تهديد الدول الأوروبية التي تحتاج إلى النفط. لذا فمن الممكن أن تتحول الدول الأوروبية إلى معاداة إيران؛ تحقيقًا للمصلحة العامة، ومن ثم تؤيد استخدام القوة ضد إيران.

2- سعي الولايات المتحدة الأمريكية للرد السريع:
ربما تلجأ واشنطن للرد السريع -من خلال التعاون مع الحلفاء- على محاولة إيران إيقاف تصدير النفط عبر مياه الخليج العربي أو البحر الأحمر. 

3- خشية النظام الإيراني نفسه من التوسع والاستمرار في هذه العمليات:
ومن المتوقع أن النظام الإيراني سيخشى من التوسع والاستمرار في هذه العمليات، لأنه بذلك يعطي مبررًا دوليًا لفرض المزيد من العقوبات الدولية والأممية عليه؛ حيث يمكن في هذه الحالة وضع التهديدات الإيرانية تحت بنود الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة في مواجهة التهديد، وهو ما تنتظره العديد من القوى.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إجمالًا إن إيران يمكنها أن تعمل على إحداث «مناوشات» حربية وتهديد نوعي للملاحة في البحر الأحمر، أو حتى الخليج العربي، إلا أنه لا يمكنها الاستمرار في ذلك أو التوسع فيه. لذا، فإن الجزم بأن هناك معركة إيرانية مع النفط يُعد أمرًا مبالغًا فيه؛ حيث أن إيران تعلم جيدًا حجم الأخطار التي يمكن أن تحدق بها من كل جانب إذا ما هددت بشكل كبير وفعلي المسارات النفطية في الشرق الأوسط. 
ترامب وإيران
ترامب وإيران
◄ رؤية مستقبلية للعلاقات الإيرانية الأمريكية: 
إذا نظرنا إلى المستقبل القريب للعلاقات الإيرانية الأمريكية، فإننا من الممكن أن نجد تشابهًا كبيرًا بين التجربة الأمريكية الكورية الشمالية، غير المكتملة حتى الآن، وما يحدث حاليًا من تطورات في العلاقات الأمريكية الإيرانية. فعندما تولّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئاسة، العام الماضي، كانت العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية تمر بمرحلة اضطراب وتوتر شديدين، مثلما تمر هي الآن العلاقات الإيرانية الأمريكية. إلا أن ترامب من الواضح أنه يتبع سياسة الضغط ثم اللين، بحيث يقوم بفرض ضغوطات كبيرة على الدولة ومحاصرتها سياسيًا واقتصاديًا من أجل الرضوخ في النهاية لطلب التسوية السياسية عبر التفاوض، ولكن من خلال وجهة النظر الأمريكية «غير المباشرة». 

هذا ما حدث بالفعل ما بين بيونج يانج وواشنطن، حيث قامت الأخيرة بفرض عقوبات جمّة على كوريا الشمالية، ثم ألمحت سياسيًا إلى ضرورة عقد لقاء مع بيونج يانج، وهو ما حدث بالفعل في 12 يونيو الماضي في سنغافورة.

وعليه، فإنه من الممكن للرئيس الأمريكي ترامب أن يقوم بتكرار هذه التجربة مع إيران، الأمر الذي تشير إليه تطورات الأحداث المتلاحقة. حيث إن الرئيس ترامب يعي كذلك أن محاولة إحداث حرب مع إيران، من الناحية العملية، ستضر كثيرًا بعملية الاستقرار في الشرق الأوسط، وستكون لها تداعيات واسعة وربما غير معلومة حتى الآن. وبناء على ذلك، فإن سياسة التفاوض ربما تكون هي الخيار الحالي أو الحل المؤقت للتعامل الأمريكي مع إيران.
"