يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الثورة في فكر التيارات الإسلاموية.. من سطو الإخوان إلى سيطرة الملالي

الإثنين 23/يوليه/2018 - 08:15 م
ثورة يوليو 1952
ثورة يوليو 1952
محمد الدابولي
طباعة
العلاقة بين ثورة يوليو 1952، والجماعات الإسلاموية، فتحت باب الحديث عن الفكر الثوري داخل الجماعات الإسلاموية، فالتأصيل الثوري داخل تلك الجماعات يختلف من واحدة لأخرى، فبعض منها يدعي المحافظة ورفض الفكر الثوري، ويصل بها الحد إلي تكفير الثورة، والآخر يتأصل الفكر الثوري في مناهجها وفكرها، وأخيرًا نجد نوعًا ثالثًا من تلك الجماعات، متأرجحة في مواقفها بين الثورية والمحافظة، كنوع من سياسة «إمساك العصا من المنتصف». 

ومازالت الجماعات الإسلاموية مختلفة ومنقسمة، حول الكيفية التي تتم بها أى ثورة، هل تكون إسلامية خالصة؟ أو من الممكن مشاركة تيارات سياسية أخري؟، فالأكثر تشددًا تري ضرورة أن تكون أى ثورة قائمة على المبدأ الإسلامي الخالص، في حين ترى بعض التيارات إمكانية المشاركة مع تيارات سياسية أخري ولكن من أجل الوصول إلى السلطة. 

الرئيس الراحل جمال
الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
الإخوان وسياسة القفز على الثورات
وفى حالة جماعة الإخوان، فلها سياسة خاصة بها في التعامل مع الثورات، ألا وهي «سياسة القفز على الثورات» واستغلالها لصالحها، فمثلًا عملت على تأييد ثورة يوليو 1952، بغرض إعادة إحياء الجماعة مرة أخرى، بعدما قام نظام الملك فاروق، بحلها على خلفية العديد من العمليات التي ارتكبتها الجماعة، واتبعت الجماعة أسلوب التقرب للسلطة الجديدة من أجل المشاركة والاستحواذ على السلطة السياسية الوليدة، وهو ما أدى إلى ما يعرف في التاريخ المصري بأحداث 1954، حين حاولت الجماعة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في «حادث المنشية» الشهير.
سيد قطب
سيد قطب
وعقب «حادث المنشية» عمل المنظر الإخواني «سيد قطب»( 1906 – 1966) علي التأصيل الفكري للثورة في الفكر الإخواني، فمن خلال كتاباته «معالم على الطريق» و«في ظلال القرآن»، قسم «سيد قطب» المجتمع لقسمين، قسم مؤمن بالله، وآخر غير مؤمن يتميز بالجاهلية الدينية، وبناء على هذا التأصيل الفكري «القطبي» للثورة حاول إعادة تنظيم جماعة الإخوان من جديد من أجل القيام بالثورة الإسلامية.

ويتضح أن الهدف الأول والأخير للثورة في الفكر الإخواني هو تحقيق التمكين السياسي للجماعة التي تعمل وفق فكر «سيد قطب»، على تطبيق الشريعة الإسلامية، وانتشال المجتمع من جاهليته والقضاء على «الطاغوت» وفق وصف «قطب»، وهنا نجد أن قيم الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية غائبة تمامًا عن الفكر الثوري الإخواني، فالجماعة لا تأبه بتحقيق العدالة الاجتماعية بقدر تحقيقها للتمكين السياسي.

أما فيما يخص مسألة المشاركة مع التيارات السياسية الأخرى في حالة ثورية ما، فتتلون الجماعة ولا ترى مانعًا في ذلك، بل قد تتخذ ذلك وسيلة للتسلق والصعود السياسي، مثلما حدث في ثورة 25 يناير 2011، حينما قامت بمشاركة التيارات السياسية الأخرى في الثورة، وبعد ذلك عملت الجماعة على سرقة ثمار الثورة وحدها، حتى بات من الجلي أن الجماعة اتخذت التيارات السياسية الأخرى، كوسيلة للصعود السياسي والسيطرة.
ثورة 23 يوليو 1952
ثورة 23 يوليو 1952
الثورة من الباب الخلفي
منذ عودة جماعة الإخوان للحياة السياسية في بداية عقد السبعينيات، لجأت إلى تصدير مفهوم «الثورة من الأبواب الخلفية»، ففي الوقت الذي كانت تدعي فيه الوسيطة ومحاربة التطرف والتقرب من النظام الحاكم، كانت تعمل على إنشاء التنظيمات المتطرفة وتدعمها في ما يسمى ثورتها الإسلامية، ولعل حادث «الفنية العسكرية» فى أبريل 1974، شاهدًا على ذلك، فكل الشواهد تؤكد وجود علاقة بين جماعة الإخوان وزعيم التنظيم الفلسطينى الأصل «صالح سرية» الذي قاد محاولة انقلابية ضد الرئيس السادات، باقتحام الكلية الفنية العسكرية، ومحاولة السيطرة على الأسلحة التي كان من الممكن استخدامها في الانقلاب على السادات، كما دعم الإخوان الثورة الإيرانية ونظام الخميني الذي عمل فيما بعد على تصدير مفاهيم الثورة الإسلامية إلى العديد من الدول العربية ومنها مصر. 
الرئيس الراحل «حافظ
الرئيس الراحل «حافظ الأسد»
الإخوان والثورة المواربة
من ضمن التكتيكات الأخرى للثورة التي اتبعتها جماعة الإخوان تكتيك «الثورة المواربة»، وتلجأ إليه في حال عدم ضمان نجاح الثورة، وهو ما حدث في سوريا إبان حكم الرئيس الراحل «حافظ الأسد»، فقد انسلخ تنظيم «الطليعة المقاتلة» من جماعة الإخوان في سوريا علي يد «مروان حديد»، إلا أن العلاقة بين الجانبين ظلت في ترابط (غير رسمي) حتي يمكن اعتبار أن «الطليعة» هي الذراع العسكرية لجماعة الإخوان في سوريا، وفي الوقت الذي أعلنت فيه «الطليعة» الثورة على النظام السوري، ظلت مواقف الجماعة في حالة اضطراب، ولا تبدي دعمها للطليعة المقاتلة.

ويعود تذبذب جماعة الإخوان في هذا الموقف إلى رغبتها في مراقبة الأوضاع من بعيد، فهي من ناحية لا تريد الانخراط في ثورة خشية فشلها، وبالتالي سيؤول ذلك بالخراب على الجماعة، لذا لجأت إلى تكتيك «الثورة المواربة» من خلال السماح لأعضائها بالمشاركة في تحركات «الطليعة المقاتلة»، دون أن يكون هناك موقف رسمي من الجماعة إزاء تلك التحركات، فإذا فشلت الثورة، فالطليعة حركة منشقة لا علاقة للجماعة بها، وإذا نجحت فتكون بفضل دعم الجماعة.

الزعيم السابق «معمر
الزعيم السابق «معمر القذافي»
المدخلية وتحريم الثورات
أما التيار السلفي المدخلي فيري تحريم الثورات، ويرفض تمامًا مسألة الثورة على الحاكم، ويؤكد ضرورة السمع والطاعة التامة للحاكم وولي الأمر، فمثلًا، محمد سعيد رسلان أحد رموز المدخلية المصرية، يرفض تمامًا مسألة الثورة ويؤكد أنها تهدف تمكين اليهود والحركة الماسونية العالمية، وأن ثورة 25 يناير كان هدفها تمكين القوى المعادية من أجل وقف عجلة التنمية في مصر.

وفي ليبيا رفض أبرز قيادات السلفية المدخلية الليبية «مجدي حفالة» المكنى بـ «أبو مصعب» الثورة على نظام الزعيم السابق «معمر القذافي»، فإذا يمكن استنتاج أن التيار المدخلي يرفض تمامًا مسألة الثورة شكلًا ومضمونًا.
الخميني
الخميني
الخمينية الثورية والتقارب مع الإخوان
وبالانتقال إلى فكر الملالي، نجد أن الثورة مشابهة إلى حد كبير بالثورة في الفكر الإخواني، فمثلما قسم سيد قطب العالم الإسلامي إلى قسمين أحدهما دار حق، من وجهة نظره، وآخر دار ظلم وطغيان يجب الثورة عليه، اتبع «آية الله الخميني» زعيم الثورة الإيرانية (1979) ذات التقسيم أيضًا، ومثلما أكد «قطب» أن الغاية من الثورة هو تحقيق الدولة الإسلامية، نجد «الخميني» أيضًا عمل علي إنشاء ما يسمي بــ«الدولة الإسلامية» وصبغ ثورته على نظام الشاه، بالطابع الإسلامي.

وسبق «الخميني» جماعة الإخوان، في استغلال الجماعات السياسية غير الإسلاموية، من أجل الوصول إلى السلطة والحكم، فمن المعروف أن الثورة الإيرانية لم تكن إسلامية وإن كان الإسلاميون أحد عناصرها، وكان الهدف الحقيقي منها تحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن الخميني ورفاقه نجحوا في صبغها بالطابع الإسلاموي.

ولهذا يتضح من العرض السابق أن الجماعات الإسلاموية، لا ولم تكن تهدف في الأساس من حركاتها الثورية إلى تطبيق مبادئ مثل «العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة للشعوب»، وإنما كانت تهدف فقط وفى الأساس إلى تحقيق التمكين السياسي تحت غطاء تطبيق الشريعة الإسلامية.
"