يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

نظرية «شغور الزمان» ودورها في تجنيد الشباب للتنظيمات الإرهابية

الإثنين 23/يوليو/2018 - 03:40 م
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
مصطفى حمزة
طباعة
تمثل نظرية «شغور الزمان» عن الإمام، وخلوه من «ولي الأمر»؛ أو «الخليفة المسلم»، جوهرًا ومرتكزًا لدى العديد من الجماعات الإسلاموية، التي بنت منهجها السياسي على تلك النظرية، إلى جانب نظريات أخرى خرجت من رحمها مثل «الحاكمية»، التي ابتدعها الخوارج قديمًا وصاغها في العصر الحديث الإخواني المصري سيد قطب (9 أكتوبر 1906م - 29 أغسطس 1966م) وأبوالأعلى المودودي ( 25 سبتمبر 1903م - 22 سبتمبر 1979).
أبو المعالي الجويني
أبو المعالي الجويني
ويعد أبو المعالي الجويني (17 فبراير 1028 - 20 أغسطس 1085) صاحب هذه النظرية، لأنه أول من تحدث عنها في كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»، وبناها على فرضية تخيلية جدلية تفترض خلو الزمان من حاكم مسلم، أو سلطة حاكمة، وعلى الرغم من أنه أمر غير محتمل الحدوث –حسب اعتراف الجويني نفسه في صـ 172 من كتابه المذكور- إلا في حالات نادرة، وفي أوقات محدودة كفترات الصراع على الحكم والنزاعات، عقب انهيار السلطة المركزية بشكل كامل، لكن الجماعات الإسلاموية أسقطت نظرية «الجويني» على واقعهم المعاصر، بعد أن غيرت تفسير «شغور الزمان» بما يتفق مع أهدافها.

ويُقصَدُ بهذه النظرية، وفق «الجويني»، افتراض خلو الزمان عن السلطان الذي يقوم بمهام وواجبات الحكم المختلفة في البلاد، وأنه في حال تحقق هذا الفرض التخيلي الجدلي فيكون على سكان كل بلدة وقرية أن يختاروا مِن حكمائهم مَن يقوم مقام الحاكم في رعاية شؤون الناس، حرصًا على مصالحهم وحياتهم.

واتخذت الجماعات الإسلاموية نظرية «شغور الزمان» ذريعة لقيامها وتعددها، بعد تفسير الشغور تفسيرًا خاطئًا، بافتراض خلو الزمان عن الإمام، الذي يطبق شريعة الإسلام ويقيم حدوده، بدلًا من تطبيق القوانين الوضعية (التي تشرعها المجالس التشريعية داخل البرلمانات)، وافترضوا حدوث هذا الشغور في حالتين؛ الأولى: إذا مات الإمام (الحاكم) أو عُزِلَ أو أُسِرَ، ما يحتم مبايعة واختيار غيره، بواسطة عدد من المواطنين يطلق عليهم أهل الحل والعقد (مصطلح تراثي إسلامي يطلق على أهل الاجتهاد من العلماء البارزين وقادة المجتمع الذين يمثلون شرائحه المختلفة)، على اعتبار أن اختيار الحاكم عند هذه الجماعات الإسلاموية ليس مهمة جميع المواطنين مثلما هو الحال في الديمقراطيات المعاصرة.
أما الحالة الثانية: فتكون بردة الإمام (الحاكم) عن الإسلام، أو تطبيق القوانين الوضعية بدلًا من أحكام الإسلام وشريعته، مع ما يترتب على ذلك من أحكام عند هذه الجماعات الإسلاموية، والتي من أخطرها سقوط بيعة هذا الحاكم، وعدم السمع والطاعة الواجبة له، وسقوط شرعية الأنظمة الحاكمة، وهو ما يمهد للخروج على حكامها والسعي لعزلهم بعد ذلك، إذا استطاع أعضاء الجماعات الإسلاموية، مع لجوئهم لتكوين جماعات مختلفة تمثل من وجهة نظرهم المجتمع المسلم، ليختاروا من بينهم أميرًا، يكون بمثابة «الخليفة»، وله السمع والطاعة.

وبعض هذه الجماعات يوجب مبايعة خليفة أو أمير بدلًا من مبايعة حكام الدول، لاعتقاد القيادات الإسلاموية بأن من مات وهو غير مبايع لخليفة فميتته جاهلية، استنادًا لحديث نبوي يقول فيه النبي (صلى الله عليه وسلم): «من مات وليس في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية»، مما يدفع الشباب المتحمس إلى الانضمام للخلافات المزعومة مثل «داعش» وغيره، ومبايعة أدعياء الخلافة أمثال «أبوبكر البغدادي»، أو «أسامة بن لادن»، خوفًا من العقوبة الواردة في الحديث، دون أن يفقهه، أو أن يراعي الضوابط الشرعية والمصالح والمفاسد في التعامل مع الحكام، وفق التغيرات العصرية، وترتب على ذلك وجود التنظيمات التكفيرية الإرهابية التي ظهرت وما زالت تظهر في شتى الدول، وتستقطب الشباب إلى الخلافة المزعومة.
 ياسر برهامي
ياسر برهامي
ويرى ياسر برهامي، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية بمصر، في وثيقة له بعنوان «العمل الجماعي بين الإفراط والتفريط» -تعود لعام 2006م- أن حكام الدول قد ضيعوا واجباتهم -جزئيًّا أو كليًّا- سواءً في البلاد التي يتولى حكامها زمام الأمور باسم الإسلام أو في البلاد التي يتولى حكامها الأمور باسم القانون والدستور، ويقسمون على احترامه وحمايته، معتبرًا أن العقد بينهم وبين ممثلي الأمة لم يتم على إقامة الدين، لذا لا يعتبر حكام الدول العربية والإسلامية ولاة أمرٍ شرعيين، بل هم في نظره مفروضون على الناس بحكم الأمر الواقع.

وطالب «برهامي» بقيام الجماعات الإسلاموية وتعددها في البلد الواحد، على أن يكون لهم قيادة وطاعة وجندية، بحجة القيام بالواجبات التي ضيعها الحكام –حسب زعمه- على أن تكون هذه الجماعات مرحلة متوسطة بين مرحلتي شغور الزمان وعودة الخلافة، ولكن واقع هذه الجماعات يؤكد أن كلًا منها تزعم أنها جماعة المسلمين التي من فارقها مات ميتة جاهلية.

و«برهامي» لا يعتبر الرؤساء السابقين ولا الرئيس الحالي ولي أمر شرعي، ويعلن هذا على الملأ، ما دفع عددًا من أنصاره للانضمام إلى تنظيم القاعدة في السابق، خاصة أن أسامة بن لادن (زعيم تنظيم القاعدة السابق) كان يثني على المدرسة السلفية بالإسكندرية، ويقول عنهم: «إخواننا في الإسكندرية على ثغر من الثغور»، ولما مات نعته قيادات الدعوة قاطبة بكلمات رثاء كان من أبرزها كلمة «برهامي». كما بايع عدد من عناصر الدعوة أيضًا تنظيم «داعش» بعد دعوة «برهامي» للجهاد ضد نظام بشار في سوريا، وكان من بين هذه العناصر إسلام يكن، الذي قتل أثناء المعارك.

وموقف «برهامي» لا يختلف عن موقف غيره من قيادات السلفية من المدارس الأخرى، مثل مصطفى العدوي، الذي تساءل في مقطع صوتي له، قائلًا: «أين الخليفة الآن؟!» لأنه لا يرى وجود ولي أمر شرعي، والأمر نفسه أعلنه أبو إسحاق الحويني، في منتصف الجزء الأول من مقطع بعنوان «نداء الغرباء»: «لا يوجد سلطان يحمي حدود الله في الأرض».

أما أسامة عبدالعظيم حمزة، الذي يعمل أستاذًا متفرغًا لأصول الفقه ورئيس قسم الشريعة الإسلامية الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، فيقول: إن حديث البيعة لا ينطبق على حكام هذا الزمان وإنما على الخليفة القرشي المعين بالطريق الصحيح -يقصد بيعة أهل الحل والعقد له- ويسمى اختيار الحاكم عن طريق الشعوب بصناديق الاقتراع من عبث الديمقراطية، ولكنه يحرم الخروج عليه.

ونفى «حمزة» الولاية عن حكام هذا الزمان بشبهتين؛ الأولى: أنه ليس قرشيًا، والثانية: طريقة اختياره بالانتخابات، على الرغم من وجود نصوص تؤكد إمكانية تولي الخلافة لغير القرشيين وتكون ولايتهم صحيحة حتى ولو كان عبدًا حبشيًا، بالإضافة إلى صحة ولاية الحاكم المتغلب الذي وصل للحكم بالقوة وهو ليس قرشيًا، كما أن شرط القرشية يمكن اعتباره عند الاختيار وليس عند الإجبار.

كذلك أحمد النقيب، الداعية السلفي بمحافظة الدقهلية، يرى أن الرئيس الذي يأتي عن طريق الديمقراطية ليس وليًا شرعيًا، لأن الولي الشرعي عنده هو الذي يقيم الشريعة الإسلامية وحينها تجب بيعته وطاعته، حتى وإن ظلم وبغى، دون توضيح المقصود بإقامة الشريعة، إلا أنه أوجب طاعة هذا الحاكم غير الشرعي من أجل المصلحة فقط.
محمد حسين يعقوب
محمد حسين يعقوب
أما الداعية محمد حسين يعقوب، الذى والى الإخوان أثناء فترة حكمهم، فقد صرَّح -في شريط له بعنوان «التزام الغشاشين»- بخلو الزمان من الإمام الذي تلتف حوله قلوب الناس، وررد الكلام نفسه في كاتب سمّاه «الجدية في الالتزام» صـ 128، 129، وفي محاضرة له بعنوان «العلم والعلماء» ضمن سلسلة أصول الالتزام قال إن زماننا اليوم ليس فيه خليفة ولا إمام!.

ومع كل هذه الآراء التي تبنت نظرية «شغور الزمان» إلا أن الواقع يؤكد أن تنصيب خليفة للمسلمين في كل أنحاء الأرض اليوم أمر شبه مستحيل، والدليل على ذلك أن اختيار حاكم لدولة واحدة يشهد صراعات وانتخابات، وربما رشاوى انتخابية واقتتال في بعض الأحيان، فكيف يكون الحال عند اختيار حاكم لكل مسلمي العالم؟!.
"