يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الخلافة الافتراضية» للجماعات الراديكالية.. رحلة البحث عن مسار العودة

الخميس 19/يوليه/2018 - 09:32 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
محمود رشدي
طباعة
في الوقت الذي يؤكد فيه البعض انهيار ما يُسمى بـ«خلافة داعش» في سوريا والعراق، يعمل التنظيم على العودة مرة أخرى، من خلال تبديل برامجه، وتبني سياسة بعيدة عن الواقع الجغرافي؛ حيث الترصد الأمني والعسكري.

وبعد محاصرة التنظيمات الإرهابية في مناطق تمركزها، واشتداد العمليات العسكرية ضدها في أوروبا والشرق الأوسط، وخسارتها لعدد كبير من مجنديها ومصادر تمويلها؛ لجأت تلك التنظيمات إلى إعادة بناء الخلافة المزعومة عبر «الواقع الافتراضي»، وبناء شبكة من المواقع الإلكترونية.

كما أن التحديات الاجتماعية والسياسية الحالية، والطبيعة المتزايدة للتكنولوجيا في الحياة اليومية، تخلق جوًّا مناسبًا لخلافة افتراضية، وباقترانها مع السرد الديناميكي لـ«داعش»، يمكن لهذه البيئة أن تدفع تطور الخلافة من نطاق الأرض إلى مجتمع قائم على السحاب.

ويوفر «العالم الافتراضي» عدة مزايا يمكن أن تستفيد منها الجماعات الراديكالية لإعادة وجودها، ومنها: «صعوبة الملاحقات الأمنية، إلى جانب عدم احتياجها لأموال ضخمة لإنشاء شبكة عريضة من جماهير المتابعين والمؤيدين لها، إضافة إلى إمكانية نشر عدد لا بأس به من أدبياتهم المزيفة عن الخلافة الإسلامية تحت رايتهم، وسهولة التواصل مع المتعاطفين معهم».
«الخلافة الافتراضية»
الجهاد الافتراضي
تسعى التنظيمات الراديكالية للتحول نحو العالم الافتراضي، ليس لأجل استقطاب الشباب والمتعاطفين فقط، ولكن لإيجاد وطن بديل لها ولأفكارها، وهذا الأمر خلق معنى جديدًا لمفهوم «الجهاد التقليدي» (مقاتلة من يسمونهم بالتكفيريين والأنظمة المؤيدة للغرب)، وهو الجهاد عبر شبكات الإنترنت الذي يرتكز على استغلال الفضاء الإلكتروني لإنشاء قاعدة افتراضية تجمع أكبر عدد من المؤيدين، وربما الممولين لأفكارهم، ليترسخ معها مفهوم جديد في أدبيات الراديكالية، وهو «الجهاد الإلكتروني» أو «الجهاد السيبراني».

ورغم تضييق الخناق عليها إلكترونيًّا، وانتهاج الدول لأسلوب يفضي بإزالة المضامين الجهادية من وسائل الإنترنت، تعمل الجماعات الراديكالية على تطوير محتوى إلكتروني بتقنية عالية؛ من أجل الوصول لأكبر عدد من المتابعين.

وشهدت الآونة الأخيرة، لاسيما في عام 2018، ارتفاعًا ملحوظًا في مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للتنظيمات الراديكالية، وعلى رأسها «داعش»؛ وهو التنظيم الأكثر قدرة على استخدام التقنيات التكنولوجية للترويج لخلافته.

وهنا يُشار إلى أن توسع مفهوم الجهاد الإلكتروني، ينذر بخطر يهدد مصالح الدول الغربية في منطقة الشرق الأوسط، كما يسعى لإعادة تجنيد الشباب في أوروبا، والبحث عن طرق أخرى للتمويل بعد خسارة المصادر النفطية في المعارك على أرض الواقع.

وكانت أولى بوادر الخلافة الجديدة متمثلة في عمليات «الذئاب المنفردة»، التي استخدمها «داعش»؛ ليثبت أنه مازال قادرًا على توجيه هجماته للعالم الغربي، عبر آليات تنفيذ غير تقليدية.

و«الخلافة الافتراضية» ستظل مرحلة انتقالية للتنظيمات الراديكالية، يحافظ بها على قدراته المحدودة، وكذلك يستخدمها في البحث عن مستقطبين جدد، ومصادر تمويل جديدة، منتظرًا الفرصة لإيجاد بديل لخلافته السابقة في مناطق أخرى تكون خصبة لتجدد العمل المتطرف.
«الخلافة الافتراضية»
دوافع التوجه للخلافة الافتراضية
توفر الخلافة الافتراضية لـ«داعش» مواطنة خالية من القيود الأرضية، والتي يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، ويمكن للأفراد الساخطين الباحثين عن مجتمع آخر موازٍ لتطلعاتهم، أن يجدوا مجتمعًا مناسبًا لأحلامهم في العالم الافتراضي الذي تنشئه تلك الجماعات. 

وفي تلك الخلافة، لا يحتاج الأعضاء إلى ارتكاب أعمال عنف، أو الهجرة إلى أرض بعيدة للانضمام إلى الخلافة، لا يحتاجون إلا إلى تفضيل فكرة الدولة الإسلاموية التي تحكمها مبادئهم المتطرفة، والنقر على «إعجاب» للتعبير عن دعمهم والعضوية في الخلافة الافتراضية.
«الخلافة الافتراضية»
التحولات الاجتماعية والخلافة الافتراضية
استغل «داعش» البيئة الاجتماعية والسياسية، وهوس الشباب بالتكنولوجيا؛ لتأسيس مجتمع متنامٍ في منطقة الإنترنت غير الخاضعة للحكم، وبهذه الطريقة، ضَمِن التنظيم قدرته على مواصلة التنسيق وإلهام العنف.

وبغض النظر عن عدم القدرة على إضفاء الشرعية على تلك الخلافة الافتراضية البحتة، فإن قدرة المجموعة على استغلال العالم الافتراضي المتطور تتطلب استجابة شاملة تركز على العوامل المتعددة التي تُشكل عند التقائها الخلافة الافتراضية، على أن يتم تمكين الخلافة من خلال تنامي التحديات للهوية الوطنية والمواطنة في العالم الإسلامي.

وأنتجت السنوات الأخيرة من الصراعات المقترنة بالثورات وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، نزاعات تاريخية حول الحدود الدولية؛ حيث تنادي الدول الغربية، والحكومات الإقليمية، والميليشيات، والسكان العرقيون، بضرورة إعادة رسم الحدود وإقامة دول جديدة، لكنهم يفشلون في الاتفاق على نهج واحد لتحقيق ذلك، فضلًا عن أن عددًا غير مسبوق من اللاجئين -أكثر من 25.4 مليون- يضعون ضغطًا كبيرًا على المؤسسات الحكومية.

وفي الوقت نفسه، أدى تزايد النزعة الشعبوية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، إلى خلق بيئة صعبة لإنجاح عملية إدماج المسلمين في المجتمع، ونتيجة ذلك، ينشأ العديد من الشباب في مناطق لا تتمتع بسلطة حكومية واضحة الهوية، أو الشعور بأنهم أعضاء ذوو قيمة في مجتمع ما، وهذا يجعلهم أكثر عرضة للتجنيد من قِبل تنظيمات تعد بملء هذه الثغرات، من خلال تقديم شعور بالنظام، ومجتمع متماسك ملتزم بالإسلام، ودولة مسماة تتوق لمواطنتها.

الكلمات المفتاحية

"