يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

في ذكري الانقلاب الأخير .. أردوغان الديكتاتور الشرعي لتركيا

الأحد 15/يوليو/2018 - 11:38 ص
أردوغان
أردوغان
مصطفى صلاح
طباعة
شهدت تركيا العديد من الانقلابات العسكرية منذ بداية عام 1960، وصولا إلى انقلاب 2016؛ حيث عاصرت تركيا ستة انقلابات عسكرية، بيد أن الأخير يختلف عن سابقيه في المآلات التي أفضت إليه من ممارسات ممنهجة كان من تداعياتها أن تصبح تركيا دولة الرجل الواحد وأصبح أردوغان بمثابة نصف إله في الحكم.

تأتي أهمية هذا العرض كونه يكشف النقاب عن السياسات التركية الأخيرة المتعلقة بتأميم المجال العام وغياب حكم القانون وإعلان الطوارئ، فبعد محاولة الانقلاب المزعومة مباشرة، عملت الحكومة التركية بقيادة الرئيس أردوغان علي تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات الرئيس. 

ولم تكتف الحكومة بذلك؛ بل أعلن أردوغان في الثامن عشر من أبريل 2018، عن تقديم موعد الانتخابات التركية إلى الرابع والعشرين من شهر يونيو 2018، والمقرر لها الانعقاد في 3 نوفمبر 2019.

وبعد فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية وفوز حزبه في الانتخابات البرلمانية أضحت تركيا الأن أكثر تأميمًا من ذي قبل، ولعل هذه الأهمية تتشكل هذه المرة كونها الأولى التي سوف تسمح لحزب العدالة والتنمية بأن يعيد هيكلة وتشكيل الحياة العامة، والهوية التركية والخيارات الاستراتيجية المستقبلية.

تأميم الصحافة والإعلام

تتعرض تركيا لانتقادات واسعة بخصوص حرية الصحافة بسبب الإحصائيات المتعلقة بالإجراءات المتخذة ضد وسائل الإعلام والصحفيين؛ حيث كشفت اللجنة التنفيذية لجمعية الصحفيين بتركيا في تقريرها الصحفي لعام 2016، أن 780 بطاقة صحفية ألغيت في العام 2016، كما وجهت تُهم لـ 839 صحفيًا بسبب الأخبار التي نشروها، في حين تعرض 189 صحفيًا لاعتداء جسدي ولفظي، كما يقبع 143 صحفيًّا في السجون، في حين تجاوز عدد العاطلين عن العمل 10 آلاف شخص.

وأصدرت السلطات التركية 89 مذكرة توقيف بحق صحفيين اتهمتهم السلطات بالارتباط بشبكة فتح الله جولن (الداعية الإسلامي والمتهم بمحاولة الانقلاب)، وأشارت الجريدة الرسمية التركية في 27 يوليو 2016، إلى قرار بإغلاق 3 وكالات أنباء و45 صحيفة و16 قناة تلفزيونية، بالإضافة إلى 23 إذاعة و15 مجلة و29 دارًا للنشر إثر محاولة الانقلاب المزعومة. 

كما نشر مركز «فريدوم هاوس»، ومقره واشنطن، تقريرًا جاء فيه أن «تركيا انتقلت من بين الدول (نصف الحرة) في مجال حرية الصحافة، إلى قائمة الدول (غير الحرة)، بمعنى أن حرية الصحافة لم تعد موجودة في تركيا».

وبذلك أصبحت تركيا وفق تلك الانتهاكات إلى جحيم للصحفيين والإعلام، فحاليًا تُصنف تركيا (باللون الأحمر) ضمن الدول التي تُوصف فيها أوضاع حرية الصحافة بـ«الصعبة» من طرف منظمة مراسلون بلا حدود (مقرها باريس) وفي الأثناء، لا يستبعد البعض أن تلتحق قريبًا بالبلدان الملونة بالأسود على الخارطة التي تعتبر الأوضاع فيها «خطيرة جدا»، أكد ذلك تصنيف تركيا في مؤشرات حرية الصحافة والإعلام؛ حيث جاء ترتيبها في المرتبة 151 من أصل 180 دولة في ترتيب عام 2016؛ حيث تتذيل قائمة الدول في مجال حرية الصحافة.

«أردوغان».. وتصفية المعارضة

استغل «أردوغان» حالة السيطرة تلك، وقام بتوظيفها؛ حيث عمل على تغيير النظام السياسي بما يخدم مصالحه، كما أعلن حالة الطوارئ وسجن واعتقل العديد من المواطنين وتقديم اتهامات ليس لها أي دلائل والمتعلقة بالانضمام لحركة الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة «جولن»؛ حيث تم إجراء استفتاء على تعديلات دستورية في 17 أبريل 2017، والتي تضمنت 18 مادة أبرزها: تولي الرئيس صلاحيات السلطة التنفيذية كاملة وقيادة الجيش وإلغاء منصب رئيس الوزراء، كما يحق للرئيس عدم قطع صلته بحزبه، ورفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 نائبًا.

وبعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في 24 يونيو 2018، التي فاز بها الرئيس الحالي «أردوغان» بفترة رئاسية جديدة مدتها 5 سنوات، عوضًا عن فوز تحالفه (تحالف الشعب) مع الحزب القومي بالأغلبية البرلمانية، بات لدى «أردوغان» العديد من الصلاحيات الواسعة تمكنه من تعيين هيئته المساعدة ووزراءه، عوضًا عن تعيين القضاة وقادة الجيش، فضلًا عن كونه رئيس الحكومة.

الجدير بالذكر أن «أردوغان» أعلن حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب المزعوم مباشرة؛ حيث يتضمن قانون الطوارئ سحب بعض الصلاحيات من السلطات التشريعية والقضائية وإسنادها إلى السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) مما يمنحه صلاحيات واسعة، كما أن إعلان الطوارئ يعني أيضًا مراقبة سائر أنواع المراسلات ووسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمرئية والمسموعة ودور العرض وما في حكمها وشبكات وسائط المعلومات والاتصالات والمؤلفات والنشرات ومختلف وسائل التعبير والدعاية والإعلان ومنعها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق مقارها وأماكن طباعتها.

وما لبثت أن بدأت حملة اعتقالات بحق العديد من المواطنين والمسئولين بدعوى المشاركة في الانقلاب، حيث تم اعتقال حوالى ثلاثة آلاف عسكري من بينهم رتب رفيعة، كما تم إصدار مذكرة توقيف بحق قائد اللواء 55 مشاة الجنرال «بكر كوجاك»، وأقيل خمسة جنرالات و34 ضابطًا رفيعًا من وزارة الداخلية بأمر من الوزير «أفكان على». كما أعلنت وسائل إعلام تركية أن أجهزة القضاء عزلت 2745 قاضيًا، بينما تم اعتقال نحو مائة عسكري بقاعدة جوية بديار بكر على خلفية المحاولة الانقلابية المزعومة.

كما تخضع تركيا منذ المحاولة الانقلابية المزعومة لحالة طوارئ، وتم تجديدها سبع مرات ومن المقرر أن تنتهي الفترة الأخيرة منها رسميًا في 19 يوليو2018، وعليه قام «أردوغان» بالعديد من الإجراءات التي من شأنها تأميم المجال العام وتصفية معارضيه؛ حيث أصدر مرسومًا يوم 8 يوليو 2018، بفصل أكثر من 18 ألف موظف في الدولة، بينهم العديد من عناصر الجيش وقوات الأمن ومدرسون وأساتذة جامعيون، بموجب مرسوم له قوة القانون نشر في الجريدة الرسمية.

وورد في المرسوم أسماء 18632 شخصًا، بينهم أكثر من 9 آلاف موظف في الشرطة و6 آلاف عنصر من القوات المسلحة، بينهم نحو 3 آلاف من أفراد الجيش، وألفان من أفراد سلاح الجو وأكثر من ألف فرد من البحرية، وذلك للاشتباه في صلاتهم بمنظمات إرهابية ومجموعات تعمل ضد الأمن القومي، عوضًا عن إصدار 34 مرسومًا من قبل في هذا الشأن بموجب حالة الطوارئ.

في حين أغلقت السلطات التركية 12 جمعية من بينها جمعية الفرقان للعلوم والخدمات وثلاث صحف وقناة تلفزيونية، بموجب مرسوم القرار الصادر ضمن حالة الطوارئ المعلنة في البلاد منذ عامين.

ونص مرسوم القانون الصادر في ظل حالة الطوارئ على غلق عدد من المؤسسات بزعم قيامها بنشاط داعم للتنظيمات الإرهابية أو أنها تمثل تهديدًا للأمن القومي وفقًا لمجلس الأمن القومي التركي.(6)

ومن بين المؤسسات المغلقة، جمعية خريجي مراكز دروس تقوية FEM في مدينة أديامان، جمعية العلم والخدمات في أنقرة، وجمعية Suffem للتضامن والتعليم بأنقرة، وجمعية فرقان للعلم والخدمات في غازي عنتاب، وجمعية أوزار للحقوق والرأي في كهرمان مرعش، والجمعية الطلاب الدوليين في كهرمان مرعش، وجمعية خريجي وحفظة القرآن بثانوية الأئمة والخطباء في كيليس، وجمعية الزنبق الأبيض للتعليم والتضامن الاجتماعي في مدينة كوجالي، وجمعية الفرقان للعلوم والتضامن في ملاطيا، وجمعية الشباب الحر في سامسون، وجمعية رجال الأعمال في شانلي أورفا.

كما صدر القرار بغلق عدد من الصحف والقنوات التلفزيونية بموجب مراسيم حالة الطوارئ، من بينها صحف نبض الشعب ومقرها إسطنبول، والديمقراطية الحرة، وجريدة «ويلات» في ديار بكر، بالإضافة إلى قناة AVANTAJ التليفزيونية.

بالإضافة إلى مصادرة كل ممتلكات ومنقولات ومستحقات المؤسسات المصادرة لصالح خزانة الدولة. وتم تعديل سندات ملكية العقارات وغير الملكيات إلى خزانة الدولة لدى السجلات وجهات القيد الرسمية، وكانت السلطات التركية أغلقت عشرات الصحف من بينها صحيفة زمان بنسختها التركية ضمن مراسيم حالة الطوارئ.

كما اعتقلت السلطات التركية 573 شخصًا بسبب تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي واحتجاجات تنتقد العملية العسكرية في عفرين السورية، من خلال الشكوى التي تقدمت بها وزارة الداخلية ضد اتحاد أطباء تركيا بعد نشره بيانًا ينتقد بشكل ضمني التدخل العسكري التركي في سورية، كما وبدأت الحكومة التركية موجة من التحقيقات الجنائية، والاعتقالات، والفصل لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات في ما يبدو وكأنها أكبر حملة على الأكاديميين منذ عقود؛ حيث قضت محكمة في إسطنبول بسجن ثلاثة أساتذة للاشتباه بهم بالترويج لـ«دعاية إرهابية».

إدانة دولية

وعلى ذلك تزايدت الانتقادات مع اتساع نطاق الاعتقالات، ويقول معارضون إن الحملة استخدمت لسحق جميع المعارضين للرئيس «أردوغان»؛ ووفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 20 مارس 2018، أفاد بأن تمديد حالة الطوارئ في تركيا أدى إلى وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد مئات آلاف الأشخاص ممن تعرضوا للحرمان التعسفي من الحق في العمل وحرية الحركة، والتعذيب، والاعتقالات التعسفية، والتعدي على الحق في تكوين الجمعيات والتعبير، وأن العدد الكبير من «مراسيم الطوارئ» وتكرارها وغياب العلاقة بينها وبين أي تهديد وطني، كل ذلك يشير إلى استخدام قوة الطوارئ لتضييق الخناق على أي انتقاد أو معارضة.

وذكر مفوض حقوق الإنسان «زيد رعد الحسين»، أن «الأرقام هائلة، إذ اعتقل ما يقرب من 160 ألف شخص خلال فترة حالة الطوارئ التي امتدت 18 شهرًا، وعزل 152 ألف موظف مدني من وظائفهم، الكثير منهم تعسفيًا. كما عزل أو حوكم مدرسون وقضاة ومحامون، وألقي القبض على صحفيين، وأُغلقت مواقع على الإنترنت أو حُجبت».

كما دعا الحكومة التركية، مرة أخرى، إلى السماح لمكتبه بزيارة تركيا بشكل كامل وبدون قيود لتقييم أوضاع حقوق الإنسان في جنوب شرق البلاد، بشكل مباشر ومستقل ومحايد.

وعن الخطوات التي اتخذها الحزب الحاكم لتقليص نفوذ الجيش، ذكر تقرير لصحيفة «حرييت» التركية، فى 25 يوليو 2017، عدة إجراءات، أبرزها إلغاء القوانين التي كانت تجيز للجيش الاستيلاء على السلطة في حال رأى أن أمن البلاد في خطر، كما تم وضع الصناعات التي تقوم بها القوات المسلحة التركية تحت المساءلة، وكذلك ما يتعلق برواتب موظفيها. أيضًا، وفق الصحيفة، تم تجريد مجلس الأمن القومي من صلاحياته التنفيذية، وإدخال عدد كبير من المدنيين وسط أعضائه، كما أن النفقات العسكرية التي لم تكن تخضع لأى رقابة ولا حتى للسلطة التشريعية، خضعت لـ«ديوان المحاسبة» في عهد حكومة «العدالة والتنمية».

ومن خلال هذه الإجراءات يتضح العديد من المؤشرات أهمها:
1) استغل أردوغان الأوضاع السياسية التي حدثت لتمرير التعديلات الدستورية في أبريل 2017، لتوسيع صلاحياته وتغيير النظام السياسي من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي ليعظم مكاسبه السياسية.

2) بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في 24 يونيو 2018، التي كان من المقرر لها الانعقاد في نوفمبر 2019، ونتج عنها فوز «أردوغان» وتحالفه في الانتخابات، مما يؤشر على توظيف أردوغان بدعوته المبكرة للانتخابات في محاولة لتمرير صلاحياته الواسعة خاصة في ظل تراجع أسهمه في الداخل التركي وهو ما تؤشر عليه نتيجتي الاستفتاء الدستوري والانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

3) على الرغم من تراجع سعر الليرة التركية مؤخرًا أمام الدولار، فإن أردوغان لم يتراجع عن سياسته الاقصائية تجاه المعارضة خاصة أن حساسية سوق العملات ترتبط بالأوضاع السياسية، لذلك نجد الليرة تتحرك صعودًا مع الاستقرار السياسي، وهبوطًا في ظل وجود أي توترات سياسية، ولعل الفترة الأخيرة تشهد تركيا حالة من الانقسام المجتمعي على خلفية الاعتقالات السياسية والتضييق في مساحات التعبير بعد محاولة الانقلاب الأخيرة.

الكلمات المفتاحية

"