يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التغيير والوصول إلى السلطة عند البنا وقطب والمودودي

السبت 14/يوليو/2018 - 11:05 ص
البنا وقطب والمودودي
البنا وقطب والمودودي
مصطفى حمزة
طباعة
ترفض جميع التيارات الإسلاموية في العصر الحديث، الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني الذي تعيشه مجتمعاتهم، وتسعى لتغييره بطرق شتى، واستبداله بما وصفوه كذبًا بـ«حكم الإسلام» أو «الحكم الإسلامي»، بدءًا من حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان ومرشدها الأول، مرورًا بـ«أبو الأعلى المودودي»، وانتهاءً بـ«سيد قطب»، واختلفوا في الوسائل التي تحقق هذا الهدف.

ففي رسالة المؤتمر الخامس، يبدأ تغيير العالم عند «البنا» (الذي يعتبر الحكومة ركنًا من أركان الإسلام) من الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة «البيت المسلم» التي هي نواة المجتمع (الشعب المسلم)، ثم الحكومة المسلمة، ثم الدولة التي تقود الدول الإسلامية (أستاذية العالم.. مثلما جاء في رسالة «مهمتنا» للبنا).


 مصطفى النحاس، رئيس
مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر الأسبق
نظام الحكم
ووصف «البنا»، جماعته في رسالة (المؤتمر الخامس) بأنها «هيئة سياسية»، معتقدًا أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، ولكنه قسم مراحل دعوته إلى 3 مراحل؛ الأولى: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير، والثانية: التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف، والثالثة: التنفيذ والعمل والإنتاج.

ولم يكن «البنا»، معارضًا للعملية السياسية أو مقاطعًا لها، بل سعى لخوض انتخابات مجلس الأمة عام 1942، كوسيلة من وسائل التغيير السلمية، إلا أن مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر الأسبق، رفض وأقنعه بالعدول عن قراره، ليعاود الترشح مرة أخرى نهاية عام 1944، بعد إقالة حكومة النحاس، وتولي حكومة أحمد ماهر، انتهاءً بمشاركة جماعته في برلمان 2012.

ولكنه كان رافضًا للأحزاب كوسيلة من وسائل التغيير السياسي، بل وقال إن «الإسلام لا يقر الحزبية»، مطالبًا الملك فاروق بحل جميع الأحزاب السياسية باعتبارها سبيل فرقة وليست سبيل تمكين، حتى تندمج جميعًا في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام، وذلك على حد قوله في «رسالة المؤتمر الخامس».

المفكر الباكستاني
المفكر الباكستاني أبوالأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في «لاهور»
التغيير بالعنف
ويُعد التغيير بالعنف؛ أحد أساليب إحداث التغيير السياسي عند الإخوان في عهد «البنا» الذي اختار لهذه المسألة بندًا أسماه: «الجهاد من أجل التغيير»، إضافة إلى استخدام القوة مع الخصوم السياسيين، مثل إلقاء القنابل على سيارة رئيس حزب الأحرار (هيكل باشا)، واغتيال رئيس محمود فهمي باشا النقراشي، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فاروق، وغيرها من العمليات التي تؤكد تعدد أساليب التغيير عند البنا وجماعته.

أما المفكر الباكستاني «أبوالأعلى المودودي»، مؤسس الجماعة الإسلامية في «لاهور»، فقد شرح رؤيته للتغيير في كتابه «منهاج الانقلاب الإسلامي»، بقوله: «إن الهدف الأسمى من وراء التغيير السياسي هو إقامة الدولة الإسلامية التي تطبق القانون الإلهي، وأن هذا التغيير هو من واجب المسلمين لإقامة تلك الدولة، ونشر الدعوة في العالم، وهذا التغيير السياسي تابع للتغير الاجتماعي؛ فالدولة الإسلامية هي حصيلة التغيير النفسي والاجتماعي، إذ أن ثمرة التغيير السياسي هي ثمرة حراك اجتماعي شامل تهدف لنشر قيم الإسلام، وتتم من خلال تشكيل حركة أو جماعة تدعو لهذه المبادئ شرط أن تتسم بشمولية نشاطها وينضم إليها كل مؤمن بفكرتها».

وكان لـ«المودودي»، خطابان، أحدهما لا يعترف فيه بالديمقراطية كوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية، باعتبارها ليست من الإسلام في شيء، وأنه لا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، كما رفض الفكرة القومية واعتبر السبيل القومي لإقامة دولة إسلامية غير صحيح، ثم عاد ليستخدم خطابًا ديمقراطيًا مغايرًا، إذ اعتمد منهج التغيير عنده على مستويين؛ الأول على مستوى السلطة، ويتمثل في دعوة النظام السياسي إلى الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الشريعة، وخاضت الجماعة الإسلامية كل الانتخابات، باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتغيير (حسبما جاء في كتابه: «نحو ثورة سلمية»)، كما خاطب الشباب قائلًا: «ألا تقوموا بعمل جمعيات سرية لتحقيق الأهداف، وأن تتحاشوا استخدام العنف والسلاح لتغيير الأوضاع؛ لأن هذا أيضًا نوع من الاستعجال الذي لا يجدي شيئًا ومحاولة للوصول إلى الهدف بأقصر طريق. إن هذه الطريقة هي أسوأ عاقبة وأكثر ضررًا من كل صورة أخرى»، والمستوى الثاني اهتم بالخدمات الاجتماعية والعمالية والتعليمية.
عبد المنعم أبو الفتوح
عبد المنعم أبو الفتوح
انقلاب جذري
وعلى عكس المنهج المتدرج الذي طالب به «البنا»، للوصول إلى ما أسماه «أستاذية العالم»، جاءت أفكار سيد قطب لتمثل انقلابًا جذريًّا على أفكار مؤسس جماعة الإخوان، ومنهجه في التغيير؛ إذ حث «قطب» على التغيير الثوري بالقوة والانقلابات، وقد خرج من رحم هذه الأفكار الجديدة على جماعة الإخوان في ذلك الوقت، تنظيم 1965 الذي يختلف كليًا عن منهج الجماعة، وأصبح المنهج الثوري الجديد هو الدستور الذي سارت عليه كل الحركات الإسلاموية التي تبنت العنف كمنهج للتغيير، واعتبروا «قطب» الأب الروحي لهم، بما في ذلك تنظيم «داعش».

وانقسم قادة الإخوان حول أفكار «قطب» الجديدة، بين مؤيد ومعارض إلى قسمين؛ أحدهما اعتبرها مختلفة عن أفكار «البنا»، وأنها تمثل نهجًا تكفيريًّا مغايرًا لما انتهجته الجماعة منذ تأسيسها، ومن هؤلاء عبدالمنعم أبوالفتوح، عضو مكتب الإرشاد السابق، ويوسف القرضاوي، الذي رفض هذه الأفكار ونسب تطرف الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد والتكفير والهجرة إلى كتابات «قطب»، وشاركه في ذلك المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي الذي ألف كتابًا أسماه «دعاة لا قضاة»، فند فيه منهج جماعته وزعم مغايرته لمنهج «قطب».
سيد قطب
سيد قطب
بينما دافع الكثير من قيادات الإخوان عن فكر سيد قطب، على رأسهم المنتمون لتنظيم 1965 وحاولوا تبرير مواقفه والتأكيد  أن أفكاره تعبر عن أفكار «البنا» وجماعته الأولى، وأنه عملية تجديد تتفق مع روح العصر، مثلما يقول القيادي الإخواني الراحل محمد الصراوي، مسؤول إخوان الجيزة سابقًا، الذي أكد أن أفكار «قطب» تأثرت بأحداث زمانه، إذ عاش فترة داخل سجون عبدالناصر رأى خلالها بعينيه تعذيب رفقائه وموت بعضهم، وكأنهم في ساحة معركة حربية غير متكافئة، مما انعكس على منهجه في التغيير، والذي بدا جليًّا في مصطلحاته التي تفرد بها مثل «جاهلية المجتمع، والحاكمية، ودار الحرب، والعزلة الشعورية، وغيرها»، بخلاف «البنا» الذي تأثر بالبيئة الدعوية المتمتعة بحرية التنقل بين ربوع مصر، والأقطار العربية، مؤسسًا جماعته، وناشرًا دعوته، وحاشدًا أنصاره.

وأشار «الصروي» إلى أن «التدرج» عند «البنا» يقابله «المرحلية» عند «قطب»، مشيرًا إلى أن المرشد لم يتوسع في شرح هذا التدرج، في الوقت الذي توسع فيه قطب في شرح «مرحلتيه»، مستخدمًا ألفاظًا ومصطلحات اجتهادية (حسب وصفه) لا توجد في أدبيات «الإخوان» مثل رسائل حسن البنا على الرغم من وجودها عند فقهاء الأمة في عصور الإسلام الأولى.
"