يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المتطرفون في ميزان الأزهر.. إنكار الفعل لا تكفير الفاعل

السبت 14/يوليو/2018 - 10:55 ص
المرجع
حور سامح
طباعة

في كتابه المهم «كيف تمسك بزمام القوى»، يقول روبرت جرين: «تبدو ممارسة لعبة السلطة- عن وعي مقصود- شريرة عند بعض الناس، فهم يرونها مضادة لقيم المجتمع، وينادي هؤلاء بالخروج عن هذه اللعبة بممارسة سلوك "أخلاقي"، واستخدام "الإخلاص" كوسيلة لاكتساب السلطة، حقًا إنها طريقة إقناع بشكل ذكي».

 

وفكرة "الإخلاص" هذه يحصرها الأصوليون والراديكاليون قديمًا- والإرهابيون والتكفيريون حديثًا- في الإخلاص لدولة الخلافة التي يسعون لتأسيسها على أنقاض أوطان قائمة بالفعل، وبدماء ضحايا يدينون بالإسلام.

فللدولة- كمفهوم- عند الجماعات الإرهابية، معنى خاص يجعلهم يرفعون السلاح في وجه كل من خالف مفهومهم هذا، مكفرين الحكام والمحكومين على حد السواء، ولعل هذا ما يفسر مطالبة بعض المتطرفين فكريًّا بتطبيق الشريعة وتأسيس دولة الخلافة، وفقًا لما يتخيلونه هم عن مفهوم الدولة.

المتطرفون في ميزان

مفهوم الدولة في الإسلام

تقوم الدولة في الإسلام على ثلاثة مبادئ أساسية وهى العدل والحرية والجهاد، فالعدل في الإسلام أساس الحكم حيث يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58). ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان} (النحل: 90). ويقول تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: من الآية8).

 

فلا يتصور الإسلام أبدًا دولته تحت حكم غيرها من الأمم، أو أن تكون أرضه تحت سلطان أجنبي عنها {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون: الآية 8) ولا يتصور الإسلام المواطنين في دولته أذلة تحت حكم مستبد قاهر يسومهم الخسف والهوان، وقد قال عمر الفاروق لعمرو بن العاص رضي الله عنهما: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". ويقول حسن البنا: "إننا ندعو الناس إلى الإسلام، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه".

 

وأما الجهاد: فهو من الأصول التي تقوم عليها الدولة الإسلامية؛ حيث يقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال: الآية 60) ولن تقوم دولة بغير كفاح، ولن تصان حرية بغير سلاح، ولن يتحقق الأمن القومي لبلد من البلاد دون جيش قوى على أتم الاستعداد وصناعة حربية تلبى كل الاحتياجات وقدرة على الحشد والتعبئة وروح معنوية عالية تمنع وتصد العدوان عليها، لا أن تعتدي هي وتحتل الآخرين.

 

وإذا تتبعنا مسار صعود الجماعات الإرهابية فى مصر، سنجد البداية المناداة بتطبيق الشريعة وإحياء الدين بعد اختفائه، ثم تكفير المجتمع، ثم التوجه للإرهاب، ثم استخدام القوة للانقلاب على السلطة لتطبيق شرع الله وحدود الدولة الإسلامية على حد ما تزخر به أدبياتهم.

وتتمسك تلك الجماعات- حال ضعفها- بفكرة الفرقة الناجية، التى تجعلها تكفر المجتمع وترى في نفسها الفرقة الناجية، التي ستعمل على تطبيق الشريعة وتأسيس دولة "الإسلام الحق"- على حد وصفهم- حال يمتلكون القوة اللازمة والكافية لتحقيق أمنيتهم.

الدكتور عبد الحليم
الدكتور عبد الحليم منصور

يقول الدكتور عبد الحليم منصور دكتور بكلية الشريعة والقانون: "إن الإسلام دين وسطية، ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت فشملت جميع الفئات والطوائف، وبالتالى لم تزَكِّ طائفة عن أخرى".

 

ويؤكد أن المشكلة الحقيقة فى تزكية هذه الجماعات نفسها على المسلمين كافة، وأن الدين رفض فكرة التزكية والعنصرية قال تعالى " {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [32: النجم]، وبالتالى كل الجماعات المتطرفة والتى تنسب الإسلام لها دون غيرها وتقوم على فكرة تكفير المجتمع، فهى فئات مضللة للدين ولا تؤسس للدين الصحيح الذى دعى له رسولنا الكريم.

وتابع منصور أن الجماعات التى تقوم على فرد واحد هذا الفرد رأيه يحتمل الصواب والخطأ، على عكس المؤسسة كمؤسسة الأزهر الذى يعمل على تقويم الخطأ وتصحيحه وتعديله باستمرار، كما أن المؤسسة لا تكفر هذه الجماعات حتى لا تتساوى بها، وتكتفى بالتصريح بأن هذه الجماعات مضللة للدين ولصحيح الإسلام.

 

كما يؤكد عبد الحليم أن الأزهر يبتعد عن تكفير تلك الجماعات حتى لا يتساوى معها، ويكتفي بقول إن تلك الجماعات متطرفة لا تطبق الدين، كما أن مفهومها عن الدين خاطئ وبالتالي سيكون مفهومها عن تطبيق الشريعة، والدولة الإسلامية التي يزعمون تأسيسها غير حقيقية ولا وجود لها في الإسلام أساسًا، ويستخدمون الدين غطاء لتحقيق أهدافهم السياسية.

 

في السياق ذاته يقول الدكتور إبراهيم حسنى عبد ربه، أستاذ علوم التفسير والقرآن بالأزهر، حينما نريد أن نقرأ في تفسير القرآن لابد أن نتبع الضوابط فإذا لم نلتزم بالضوابط ينحرف الفكر، ظهر ذلك الانحراف جليًّا في تفسيرات سيد قطب وغيره من التفسيرات التي لم يلتزم أصحابها بالضوابط، الانحراف في فهمنا للنص أدى لانحراف فكري نجم عنه انتشار الجماعات المتطرفة التي تعتمد على الفهم الخاطئ والتفسيرات الخاطئة.

"