يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل تصبح إيطاليا الهدف القادم لهجمات «داعش» في أوروبا؟

الأربعاء 11/يوليو/2018 - 07:54 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
أحمد لملوم
طباعة
لعب الموقع الجغرافي لـ«إيطاليا» دورًا مهمًا على مر العصور، فقد أثر هذا الموقع على الوضع السياسي في الدولة التي كانت يومًا ما القلب النابض لـ«الإمبراطورية الرومانية»، ومع اضمحلال تلك الإمبراطورية التي حكمت مناطق شاسعة من قارات العالم القديم (أوروبا وأفريقيا وآسيا)، تحولت إيطاليا إلى رمز يمثل الحضارة الأوروبية، كما أصبحت رمزًا دينيًا بعد تأسيس دولة الفاتيكان على أراضيها عام 1929، حيث مقر إقامة رأس الكنيسة الكاثوليكية التي ينتمي إليها أغلب مسيحي أوروبا.


 رئيس الوزراء الإيطالي
رئيس الوزراء الإيطالي السابق، ماتيو رينزي
قوارب التغيير
وعلى عكس مميزات الماضي؛ فقد أصبحت الحكومة الإيطالية الحالية ترى موقعها الجغرافي نقمة وليس نعمة، والسبب في هذه الرؤية أن الموقع المتميز تسبب في وصول اليمين المتطرف لسدة الحكم؛ فمع اشتداد الصراعات المسلحة في دول الشرق الأوسط عقب أحداث ثورات الربيع العربي عام 2011، توافدت قوارب اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين على السواحل الإيطالية بحثًا عن ملاذ آمن من ويلات الحروب وحياة أفضل.

في البداية تحملت الحكومة الإيطالية مسؤوليتها تجاه هؤلاء القادمين الجدد، الذين كان عدد كبير منهم يتخذ إيطاليا كدولة يعبرون من خلالها إلى دول أوروبية أخرى كألمانيا وبريطانيا، ومع عدم حدوث انفراجة في النزاعات أو حسمها لصالح أحد الأطراف، واستمرار توافد الآلاف عبر البحر المتوسط، اتخذت بعض الدول الأوروبية إجراءات قاسية لعرقلة وصول اللاجئين إليها تدرجت حتى إغلاق الحدود.

لكن هذا لم يمنع اللاجئين من عبور البحر المتوسط؛ فبالنسبة لبعضهم كانت إيطاليا (المثقلة بالديون، والتي يعاني سوق العمل فيها من نسب بطالة مرتفعة) هي الجنة، مقارنة مع ما وصلت إليه الأحوال في بلادهم، وحاول رئيس الوزراء الإيطالي السابق، ماتيو رينزي، بذل الجهود في توفير موارد مالية للإنفاق على اللاجئين من الدول الأوروبية، لكن أحزاب اليمين المتطرف، التي تكن عداء شديدًا لمواطني الدول ذات الأغلبية الإسلامية أو أصحاب البشرة السمراء، كانت تعمل على خطة مختلفة.

وكانت جماعات اليمين المتطرف، تستغل كل فشل لـ«حكومة رينزي»، في التعامل مع أزمة اللاجئين، لجذب الناخبين الإيطاليين إليها وضم أعضاء جدد، كما استغلت العمليات الإرهابية التي نفذتها الجماعات الإرهابية في أوروبا، خاصة تنظيم داعش الإرهابي الناشط في العراق وسوريا، لترهيب الإيطاليين.

وعكست نتيجة الانتخابات التشريعية التي جرت مارس الماضي، نجاح أحزاب اليمين المتطرف في تحقيق تقدم على الأحزاب التقليدية في إيطاليا، إذ حصد تحالف لأحزاب يمينية متطرفة يقوده حزب «رابطة الشمال»، نسبة 37 في المائة من الأصوات، بينما حصدت حركة «خمس نجوم» 32.6 في المئة من أصوات الناخبين.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة، التي يرأسها «جوزيبي كونتي» (أستاذ الحقوق والمحامي البالغ من العمر 53 عاما والذي لم يكن معروفا في الأوساط السياسية)، تم تعيين كل من: «لويجي دي مايو»، زعيم حركة خمس نجوم، و«ماتيو سالفيني»، زعيم حزب رابطة الشمال، نائبين لرئيس الحكومة، وتولى الأول وزارة التنمية الاقتصادية والعمل، والثاني وزارة الداخلية.
ماتيو سالفيني وزير
ماتيو سالفيني وزير الداخلية الإيطالي
التعامل مع المتشددين
ومع «تولي ماتيو سالفيني»، منصب وزير الداخلية الإيطالية، المعروف بكراهيته لوجود المسلمين في أوروبا، يخشى الكثيرون من تحول إيطاليا من دولة عبور يصل من خلالها الإرهابيون إلى دول أخرى لتنفيذ عملياتهم، إلى أن تصبح دولة مستهدفة من قبلِ الجماعات الإرهابية.

ويدعو «سالفيني»، صراحة إلى حظر بناء المساجد في إيطاليا وهدم بعضها، ويعتبر أنه «لا مجال للتوفيق بين التشريعات المدنية الإيطالية وأحكام الشريعة الإسلامية»؛ كما يدعو أيضًا إلى «إعادة النظر في صيغة التعايش مع المعتقدات الدينية الأخرى في المجتمع الإيطالي».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، ألقت الشرطة الإيطالية القبض على شخصين ينتميان لخلية تتبع تنظيم داعش الإرهابي، وقالت الشرطة إن عضوي الخلية نجحا في دخول إيطاليا بصفة لاجئين عام 2017، قادمين من ليبيا؛ حيث تدربا على تصنيع القنابل واستخدام الأسلحة النارية.

وفي أحدث تقرير صادر عن مجتمع الاستخبارات الإيطالي نشر في فبراير 2018، أفاد بأن خطر الإرهاب حاضرًا وحقيقيًّا، لوجود عدد من المتشددين على الأراضي الإيطالية.

وعلى عكس معظم جيرانها الأوروبيين، لم تشهد إيطاليا هجومًا إرهابيًّا كبيرًا منذ الثمانينيات، والفضل يعود لسياسات مكافحة الإرهاب في البلاد، التي تكونت من محصلة الخبرات التي اكتسبتها الشرطة الإيطالية سواء من تعاملها ومواجهتها لعصابات المافيا، أو من فترة العنف السياسي الدامي التي عانت منها البلاد في سبعينيات القرن الماضي.

وعرفت تلك الفترة باسم «سنوات الرصاص»، واستمر الاضطراب السياسي في إيطاليا من أواخر الستينات إلى أوائل الثمانينات، واتسمت هذه الفترة بالعمليات الإرهابية التي قام بها أعضاء في الأحزاب السياسية المتناحرة، ونفذ خلال تلك السنوات ما يقرب من 1500 جريمة قتل، إضافة إلى العنف السياسي في شكل تفجيرات واغتيالات وحرب شوارع.

وتعتمد الشرطة الإيطالية على مراقبة المتشددين المسلمين، ويتواصل أفراد الشرطة مع هؤلاء المتشددين بشكل أسبوعي، سواء من خلال زيارات منزلية أو استدعاء لمركز الشرطة، ويستغرق ذلك عدد كبير من أفراد الشرطة حتى لا يتم إغفال أي تحرك يقوم به أي أحد من هؤلاء المتشددين، وهو ما يتطلب توفير موارد مالية ضخمة.

وينتظر المراقبون للوضع في إيطاليا تطبيق السياسات التي سوف يتبعها «سالفيني»، كوزير للداخلية في هذا الملف، وهل سيلك نفس مسار من سبقوه في المنصب أم سيتخذ إجراءات تحول إيطاليا لدولة مستهدفة من قبلِ الجماعات الإرهابية.
"