يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مملكة الطرق الصوفية مهددة بفقد المُريدين

الثلاثاء 03/يوليه/2018 - 01:18 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة
ليلة الثالث من شعبان، نهاية أبريل العام الماضي، ألقت زينب (40 عامًا) شالًا ربيعيًّا خفيفًا على كتفها، لتترك وراءها حشدًا صوفيًّا جاء إلى مقام الإمام الحسين، بوسط القاهرة للاحتفال بذكرى ميلاده.
مقام الحسين
مقام الحسين
وداخل سيارة صديقة شابة حديثة التصوف، أسلمت زينب جسدها المثقل بالسنين، لتنقلها بعد ربع الساعة إلى مسجد يتبع الطريقة الصوفية، في منطقة «قايتباي» بالقاهرة القديمة.

هناك بدأ شيخ صوفي اعتاد الظهور على الفضائيات في الحديث عن سيرة الإمام الحسين، وفضل حب آل بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بدا الأمر في أوله غريبًا؛ فما الشيء الذي يقنع متصوفة بتفضيل درس علم يقام أسبوعيًّا في مسجد بعيد، على احتفال ديني يقطع من أجله المُريدون مسافات لإحيائه مرة واحدة في العام.

هذه الغرابة تبددت منذ تحدثت زينب عن تجربتها من «تصوف الموالد إلى تصوف الدروس العلمية»، إذا صح التعبير، فتقول إنها التحقت بالطريقة الإدريسية ببلدتها في أسوان قبل 10 سنوات، وتعلمت فيها أن التصوف هو حب الله وأوليائه والتعلق بمقاماتهم.

واستمرت «زينب» على هذا الفهم، إلى أن ساقها قدرها إلى درس علمي صوفي «استمعت فيه إلى تصوف غير هذا الذي تعلمته»، وتوضح: «ترددت على دروس العلم الصوفية، وتعلق قلبي بمشايخ أزاهرة يقدمون التصوف بشكل آخر، فلم يعد التصوف بالنسبة لي مولدًا ومقامًا، بل أصبح علمًا أجتهدُ في التعرف عليه».

انسحاب السيدة الإدريسية من المولد إلى درس علمي، يمكن فهمه في سياق صوفي جديد تعرفه الصوفية المصرية، ويُسمى «التصوف العلمي»، أو «التصوف المتشرّع»، وهي موجة صوفية جديدة نشأت إلى جوار التصوف الطرقي (معبر عنه بـ77 طريقة)، على يد مشايخ صوفيين جاء أغلبهم من خلفيات أزهرية، ويقدمون التصوف بصورة علمية لا تختصره في الموالد والمقامات.

ولا يهتم التصوف العلمي بوجود طرق صوفية، لكنه في الوقت نفسه لا يرفضها، معتبرها كيانات إدارية تم استحداثها بمقتضى قانون 118 لسنة 1976 لتنظيم أوضاع الصوفية في طرق، لذلك فالتصوف العلمي هو تصوف ما قبل الطرق، عندما كانت الصوفية مجسدة في شيخ ينقل علمه إلى مُريديه، دون الحاجة لتدوين أسمائهم في جداول رسمية لطريقة صوفية.
مملكة الطرق الصوفية
هذا الوجه الآخر للصوفية يبدو أنه مزعج لمشايخ الطرق الذين عبّروا عن تخوفهم من تقديم تصوف غير طرقي لا يشترط وجودهم، لكنهم في الوقت نفسه شددوا على متانة العلاقة بين المُريد والشيخ، ومن بينهم كان عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، شيخ الطريقة العزمية، علاء أبوالعزائم، الذي قال لـ«المرجع»: «يستحيل أن يتخلى المُريد عن شيخه، فالعلاقة بينهما قائمة على حب عميق وتقدير».

وتُشبّه الصوفية العلاقة بين المُريد والشيخ، بالميت بين يدي مُغَسِّله، في إشارة إلى الطاعة التامة دون رد، ويبرر هذه العلاقة احتواء يوفره الشيخ لمريديه؛ ليقنعهم بحقه في الطاعة، وعن وجود هذا الاحتواء حاليًّا، قال شيخ «العزمية»: إن الطرق الصوفية تخلّت عن دورها في التربية، وهذا الاحتواء لم يعد قائمًا، مضيفًا: «لم تعد الطرق تمتلك المربيّن الذين كانوا يتابعون المريدين ويرشدونهم»، موضحًا أن الشيخ لم يعد متواصلًا بشكل مباشر مع المريدين، كما كان يحدث من قبل، ومن ثم فالعلاقة بينهم قائمة الآن على احترام جرت العادة عليه لمنصب الشيخ.

العم ياقوت، الستيني المنتمي إلى إحدى الطرق الأحمدية، يعتبر نموذجًا للاحتواء المفقود بين الشيخ والمُريد، فيقول لـ«المرجع»: إن «شيخ طريقته شاب صغير لا يعرف عن التصوف الكثير، ولم توفر لهم الطريقة مربين على درجة عالية من الكفاءة»؛ ما جعله يجتهد في فهم التصوف بنفسه.

ويختصر «ياقوت» تجربته الذاتية في الصوفية في أن التصوف هو حب الله وآل البيت وحب الخير للآخرين، قائلًا: إنه توصل لأشياء تمكنه من إقامة طريقة خاصة به لكنه لا يرغب.

تقصير طريقة العم ياقوت الذي دفعه للاجتهاد والوصول إلى أشياء لا يعلم ما إذا كانت صحيحة أم لا، يفسرها شيخ الطريقة البرهامية الدسوقية، عضو المجلس الأعلى للصوفية، محمد علي عاشور، قائلًا: «بشكل عام هناك فقر صوفي يعانيه مشايخ الطرق، تحديدًا الشباب منهم، ما جعلهم غير قادرين على نصيحة مريديهم».

ويتابع: إن الشيخ منهم غير عارف بالتصوف، فكيف سيعلم المُريد، ولهذا الشيء كشف عن أن المجلس الأعلى للصوفية يفكر في تدشين دورة تعليمية لمشايخ الطرق، تحديدًا الشباب؛ لمساعدتهم على فهم التصوف، ومن ثم يتمكنون من إدارة طرقهم التي تولى مشيختها بالوراثة.

واستبعد «عاشور»، أن يأخذ التصوف العلمي المُريدين من الطرق، قائلًا: «حتى لو أن مشايخ الطرق يعانون ضعفًا، فهؤلاء تربطهم علاقة مقدسة بالمُريدين».

بدوره، اتفق الباحث في الجماعات الإسلامية، مصطفى زهران، على إمكانية أن يهدد التصوف العلمي مشايخ الطرق الصوفية، فيقول لـ«المرجع»: «إنه يمثّل خطوة باتجاه تنقية التصوف الطرقي من الشوائب التي لحقت به على مدار نصف قرن».

وأوضح أن التصوف العلمي يُسهم في إعادة الصوفية إلى سيرتها الأولى، بآليات وخطاب علمي وأسس منهجية وفلسفية، قادرة على تقديم تصوف يستطيع مواجهة «التصوف الطرقي».
"