يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الشيخ حسن العطار.. إمام المجددين ورائد النهضة في العصر الحديث

الخميس 28/يونيو/2018 - 01:56 م
الشيخ حسن العطار
الشيخ حسن العطار
محمود محمدي
طباعة
رأى أن الاجتهاد في العلوم الدينية «ضرورة»، من أجل إيجاد فقه معاصر يتواكب مع احتياجات الناس ومتطلباتهم في العصر الذي يعيشون فيه، ورفض الاكتفاء بالنقل عن السابقين، وهو ما جعل العلماء والمؤرخين يلقبونه بـ«إمام المجددين وقائد ركب المصلحين»، كما نادى بالانفتاح على العلوم العصرية، والبعد عن الجمود، وكانت الفتاوى التي أصدرها مشعل نور أضاء لأبناء مصر طريق النبوغ والتفوق في مختلف المجالات العلمية، وهو ما أهله ليصبح رائد النهضة في العصر الحديث؛ إنه الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر الشريف في الفترة من 1830 وحتى 1835.

نشأته وتعليمه
وُلِدَ الشيخ حسن بن محمد بن محمود العطار، بالقاهرة عام 1766 ميلادية، 1180 هجرية؛ لـ«أب» مغربي الأصل، كان فقيرًا ويعمل عطارًا وله إلمام بالعلم، وكان الغلام يساعد والده في بيع العطارة، ولما رأى منه الوالد شغفًا بالعلم وإقبالًا على التعلم شجعه على ذلك، فأخذ يتردد وهو في سن مبكرة على حلقات العلم بالأزهر الشريف، وأظهر منذ نعومة أظفاره نبوغًا في العلوم المتشعبة التي كان يتلقاها على أيدي أساتذته، مثل: التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، وعلم الكلام، وعلوم المنطق، والوضع والميقات.

لم يكتف «العطار»، خلال سنوات دراسته في الأزهر الشريف بتحصيل العلوم الشرعية من الحواشي والشروح كما كان يفعل أقرانه؛ بل حرص على الرجوع إلى المصادر الأصلية من أمهات الكتب لدراستها والتعلم منها، وعُرف منذ الصغر بدعوته إلى إحداث تواصل خلاق مع هذه المؤلفات القيمة بغية إحداث تواصل حضاري حقيقي ينفع الأمة.

مواهب متعددة
سرعان ما ظهر نبوغ الشيخ العطار، وتفرده عن أبناء عصره في تحصيل العلوم المختلفة، خاصة حين وجه اهتمامه إلى دراسة غرائب الفنون في ذلك الوقت، مثل: الطب والفلك والرياضيات، حيث عكف على التقاط فوائدها ونقلها إلى المجتمع المحيط به، ولم يكتف في تحصيله لهذه العلوم بالإطلاع على ما كُتب عنها في المؤلفات العربية، بل اتجه إلى الكتب التي ترجمت في أوائل عصر النهضة بالقرن التاسع عشر فقرأها واستفاد منها جامعًا بذلك بين ثقافتي الشرق والغرب.

هذه الهمة العالية في تحصيل العلوم بشقيها الديني والدنيوي، جعلت من الشيخ العطار، بمجرد إتمام دراسته بالأزهر الشريف عالمًا متعدد المواهب، فقد كان شاعرًا بارعًا في كتابة الشعر التعليمي والموشحات والوصف والرثاء والمدح والهجاء والغزل، ومحققًا للمخطوطات، ومؤلفًا للكتب، وتميز أسلوبه بالدقة والاستطراد من أجل الإحاطة بكل جوانب الموضوع، وإعمال فكره التنويري؛ خاصة عند تناوله أعمال من سبقه من المؤلفين.

ويرجع المؤرخون جانب الأصالة الفكرية والحرص على إعمال العقل عند الشيخ العطار، إلى اشتغاله بالتجارة في طفولته وهو ما رسخ في تكوينه النفسي ضرورة اليقظة واستخدام العقل وربط الأمور المختلفة ببعضها؛ إضافة إلى ملكاته الخاصة التي ولد بها، وما استفاده من شيوخه في الأزهر، وأخيرًا نقده المستمر للجو الثقافي في عصره.

الحملة الفرنسية
عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798 ميلادية؛ كان الشيخ العطار في ربيعه الثاني والثلاثين، ومثل كثير من العلماء في ذلك الحين فر إلى أسيوط خوفًا على نفسه من أذاهم، ومكث في الصعيد ما يقارب الثمانية عشر شهرًا؛ ثم عاد إلى القاهرة بعد استتباب الأمن، واشتغل بالتدريس في الأزهر الشريف، واستغل اصطحاب نابليون بونابرت، خلال حملته على مصر بعض علماء الطب والهندسة والفلك والرياضيات ومختلف العلوم الحديثة، فتعرف عليهم واطلع على كتبهم وتجاربهم وما معهم من آلات علمية وفلكية وهندسية، فأفاد منهم واطلع على أحدث ما وصلت إليه العلوم المدنية من تقدم في شتى مناحي العلم؛ كما أجاد من خلال مخالطته لهم اللغة الفرنسية إجادة تامة، وفي الوقت ذاته جعلهم يجيدون اللغة العربية التي كان يعلمها لهم بنفسه.

رحل الشيخ العطار (بعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر) إلى الحجاز، ومنها إلى تركيا، كما زار العديد من البلدان الأوروبية، وأقام مدة طويلة في بلدة تسمى «اشكو دره» تابعة لمنطقة «الأرناؤود» بألبانيا حيث تزوج هناك، وفي عام 1810 عاد إلى بلاد الشام واشتغل فيها بالتدريس لمدة 5 سنوات.

تطوير مصر
عام 1815، عاد مرة أخرى إلى مصر بعد أن استقرت الأمور بها وآلت ولايتها إلى محمد علي باشا، واشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر الشريف، ولما ذاع صيته قربه محمد علي إليه وجعله من أهل مشورته وخاصته المقربين، وقد كان الشيخ العطار، على قدر المسؤولية والثقة التي منحت له، فقد شرع في إصلاح التعليم بالبلاد كلها، وكان يردد في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي مقولته الشهيرة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها، ومن سَمَتْ همته به إلى الإطلاع على غرائب المؤلفات، وعجائب المصنفات، انكشفت له حقائق كثيرة من دقائق العلوم، وتنزهت فكرته إن كانت سليمة في رياض الفهوم».

وكان من ثمار هذه الدعوة الإصلاحية أن أنشئت المدارس الفنية العالية مثل: الهندسة والطب والصيدلة، والتي استحدثت في نظام التعليم المصري استجابة لدعوته وتطلعاته ومناداته المتكررة بضرورة التغيير وتأكيده بأن العلم هو السبيل الوحيد لنهضة مصر وتبؤها مكانة عُليا في مصاف الدول المتقدمة.

ولم تكن مئات المؤلفات في الطب والهندسة والفلك والرياضة والأدب وشتى التخصصات العلمية، التي سطرها علماء الغرب بلغاتهم المختلفة وترجمت إلى العربية في عصر محمد علي باشا، سوى نزول على مطالبات الشيخ العطار، الذي رأى ضرورة الإستفادة مما وصل إليه الغرب من تقدم علمي لإحداث طفرة في المجتمع المصري، ولعل هذه الجهود وغيرها جعلته أحد المشاركين الأساسيين في نهضة مصر الحديثة.

البعثات العلمية
بالإضافة إلى ما سبق كان الشيخ العطار، مؤمنًا بضرورة تلاقي الحضارات لإحداث تبادل ثقافي وعلمي يعود نفعه على شعوب العالم أجمع، ولذلك طلب من محمد علي باشا، إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا للإطلاع على أحدث ما توصل إليه العلم هناك، وبالفعل تحمس والي مصر للفكرة ووافق عليها، فاشترط «العطار» أن يكون تلميذه رفاعة الطهطاوي، إمامًا لأعضاء البعثة التي كانت وجهتها العاصمة الفرنسية باريس.

وقبل أن تغادر البعثة إلى باريس، أوصى الشيخ حسن العطار تلميذه رفاعة الطهطاوي، بأن يفتح عينيه وعقله، وأن يحرص على تدوين يوميات عن رحلته، وقد عمل «الطهطاوي» بنصيحة أستاذه ودون كل ما شاهده في بلاد الغرب، وهو ما نشره بعد عودته إلى مصر في كتاب سماه: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».

إصلاح الأزهر
كما يُعد الشيخ العطار، أول صوت نادى بإصلاح الأزهر الشريف، عن طريق تدريس مختلف التخصصات العلمية فيه، وعدم اقتصار الدراسة على العلوم الشرعية فقط، وكذلك ضرورة الاجتهاد في العلوم الدينية لإيجاد فقه معاصر يتواكب مع احتياجات الناس في عصره وعدم الاكتفاء بالنقل عن السابقين، وهو ما جعل العلماء والمؤرخين يلقبونه بـ«إمام المجددين وقائد ركب المصلحين».

وقد لخص الشيخ العطار، مطالباته بإصلاح الأزهر وضرورة الاجتهاد في العلوم الدينية لإيجاد فقه معاصر، بقوله: «من تأمل ما سطرناه وما ذكرناه من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام؛ عرف أنهم مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع على غيرها من العلوم، حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع، وقد انتهى الحال في زمن وقعنا فيه من تقليد ونقل علوم، فوجدنا أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم، فإن قصارى جهدنا هو النقل عنهم دون أن نخترع شيئًا من عند أنفسنا، وليتنا نصل إلى هذه المرتبة، بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة».

وقد أثمرت دعوات الشيخ العطار، ومناداته بضرورة الانفتاح على العلوم العصرية، والبعد عن الجمود، خيرًا كثيرًا ارتفع بالأزهر الشريف من مجرد جامع كان منغلقًا على تدريس العلوم الشرعية إلى جامعة ينهل منها العالم أجمع شتى صنوف التخصصات العلمية، فكان الإمام الراحل وبلا منافس رائد النهضة في العصر الحديث.

العمل بالصحافة
ويعد الشيخ العطار، بجانب تفرده في العلوم الدينية والدنيوية ودعواته الإصلاحية وريادته في حمل راية التجديد؛ أول صحفي في تاريخ مصر، فقد كان محمد علي باشا، من المعجبين بجمال أسلوب الإمام الراحل في الكتابة، ولذلك عهد إليه تأسيس أول صحيفة مصرية وعربية وهي جريدة «الوقائع الرسمية» عام 1828.

وفي عام 1830 م، 1246 هـ، عينه محمد علي باشا شيخًا للأزهر الشريف، وكان في الخامسة والستين من عمره، ليصبح الشيخ السادس عشر للجامع الأزهر، وأول شيخ يتولى المشيخة من أصل غير مصري حيث كان مغربى الأصل كما ذكرنا، وقد ظل في منصبه حتى وفاته بعد هذا التاريخ بخمس سنوات.

وخلال سنوات توليه المشيخة، حاول أحد الطلاب المتشددين أن يقتل الطبيب الفرنسي «انطوان براثيليمي» المعروف بـ«كلوت بك»، أثناء تشريحه جثة في مشرحة مدرسة الطب بأبي زعبل، ولكن تلاميذه دافعوا عنه وحافظوا على حياته؛ فما كان من الشيخ العطار، إلا أن ذهب إلى مدرسة الطب أثناء أداء الطلاب الامتحانات وأفتى أمامهم بأن الدين يبيح بل ويشجع على تعلم وتعليم الطب، وأخذ يشيد بفائدة هذا العلم في تقدم الإنسانية؛ فكانت هذه الفتوى مشعل نور أضاء لأبناء مصر طريق النبوغ والتفوق في هذا المجال.

تراث زاخر
ترك الشيخ حسن العطار، تراثًا زاخرًا من المؤلفات والكتب تزيد على 30 مؤلفًا، منها كتاب في الصيدلة ألفه ردًا على «تذكرة داود الأنطاكي»، ولا يزال هذا الكتاب محفوظًا في مكتبة رواق المغاربة بالجامع الأزهر الشريف حتى الآن؛ بالإضافة إلى مجموعة من الرسائل العلمية في قواعد الإعراب والنحو والمنطق والاستعارة والبلاغة وآداب البحث والطب والتشريح والهندسة وكيفية عمل الإسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط (آلات فلكية كانت تستخدم في قياس دوائر الكرة وارتفاع الكواكب ومعرفة حركتها وتعيين مواضعها) وإتقان رسم المزاول الليلية والنهارية بيديه.

وللشيخ العطار، بجانب ما سبق من المؤلفات والكتب والرسائل العلمية، العديد من التصانيف في العلوم الشرعية والعربية والأدبية والطبية والرياضية والفلكية، منها على سبيل المثال وليس الحصر: حاشية على شرح الأزهرية في النحو، وحاشية على شرح إيساغوجي في المنطق، وحاشية على مقولات الشيخ السجاعي، وشرح تفسير البيضاوي، وحاشية العطار على الجواهر المنتظمات في عقود المقولات، وحاشية العطار على التهذيب للإمام الخبيصي، وحاشية العطار على جمع الجوامع في أصول الفقه، وحاشية العطار على شرح الآجرومية والسمرقندية، وديوان العطار وهو يجمع مئات القصائد التي نظمها الإمام الراحل، ونبذة في علم الجراحة والطب.

أبرز تلاميذه
تتلمذ على يد الإمام الراحل المئات من الطلاب، وكان أبرزهم: رفاعة رافع الطهطاوي، والشيخ حسن قويدر، والشيخ محمد عياد الطنطاوي، والشاعر المصري الشيخ محمد شهاب الدين، والذي كان مساعدًا له في تحرير الوقائع المصرية وخلفه في إدارتها.

نهاية المسيرة
بعد خمسة وستين عامًا قضاها في خدمة الإسلام والمسلمين والبشرية جمعاء، حاملًا مشاعل التنوير والإصلاح والتجديد، تاركًا أمة متفوقة في شتى مناحي العلوم الدينية والدنيوية وقف لها العالم إجلالًا وتقديرًا كلما ذكر اسمها؛ أسلم الشيخ حسن العطار في الثاني والعشرين من مارس عام 1835 م، 1250 هـ، روحه إلى بارئها بعد أن أدى مهمته على أكمل وجه.
"