يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تضخيم الذات والسياسات المعصومة.. الاستمالات العقلية والعاطفية في خطاب خامنئي

الإثنين 13/يونيو/2022 - 02:08 م
المرجع
محمد شعت
طباعة
جاءت فرصة الذكرى الثالثة والثلاثين لرحيل قائد الثورة الإيرانية مواتية للمرشد الإيراني علي الخامنئي، ليلقي خطابا يرد من خلاله على عدد من الأزمات التي تواجه نظامه داخليًّا وخارجيًّا، وبدا من خلال الخطاب الارتباك الذي تواجهه الإدارة الإيرانية والقلق من موجات الغضب المتابعة، خاصة في ظل عجز النظام عن احتواء هذا الغضب بإزالة أسبابه، ومن هنا لجأ الخطاب الأخير للمرشد على الخامنئي - الذي ألقاه السبت الماضي ٤ يونيو ٢٠٢٢ في حرم الإمام الخميني- إلى العديد من الاستراتيجيات لاحتواء هذا الغضب.

ظروف إنتاج الخطاب

تُعَدُّ الظروف المحيطة والقائمة سببا مهما في إنتاج الخطاب، وتحيّن الفرصة لإلقائه، كما أن فهمها يساعد كثيرًا في تحليل الخطاب "Discourse analysis" وفهم رسائله وفك شفراته، والوصول إلى أهدافه، وموقف منتج الخطاب من هذه الأزمات ومدى قدرته على التعاطي معها، وهل هو قادر على إنجاز فعل سياسي لتغيير هذا الواقع، أم سيستعيض عن ذلك بالفعل الكلامي للتغطية على العجز السياسي، واللجوء لسلطة اللغة حال ضعف خطاب السلطة.

وجاء الخطاب الأخير لخامنئي وسط أزمات عديدة داخليًّا وخارجيًّا، فعلى الصعيد الداخلي يواجه النظام احتجاجات مستمرة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن مظاهرات القوميات غير الفارسية التي تعاني من التهميش، إضافة إلى سلسلة الاغتيالات التي يتعرض لها رموز في الحرس الثوري وسط ظروف غامضة، والأخطر من ذلك كله هو تصريحات نجل شاه إيران رضا بهلوي، والتي أكد خلالها أن الشعب أصبح الآن أكثر جهوزية للتغيير أكثر من أي وقت مضى، والنظام الإيراني عاجز عن توفير الخبز، وهو مشرف على الزوال.

وخارجيا، بدت أزمات جديدة أولها الانهيار الوشيك لمفاوضات فيينا، إضافة إلى الأزمة المرتقبة في مجلس محافظي الوكالة الذرية بسبب تقرير الوكالة عن عدم تعاون إيران فيما يتعلق بالعثور على بقايا يورانيوم في أماكن غير معلنة والمخاوف من الإحالة لمجلس الأمن، والغضب الغربي بعد احتجاز الحرس الثوري، احتجاز ناقلتي نفط تملكهما اليونان في مياه الخليج العربي، فضلًا عن إشارات التغيير في السياسة الأمريكية التي انتهجتها إدارة بايدن والتي سعت إلى تفعيل مبدأ الدبلوماسية، بعد الفشل الإيراني في التعاطي مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة.

كل هذه الظروف والأزمات شكّلت الخطاب الأخير لخامنئي، والذي لجأ خلاله إلى العديد من الرسائل التي استخدم فيها العديد من مهاراته الخطابية واستراتيجيات الإقناع والتأثير والاستمالات العقلية والعاطفية وحتى التخويفية، كما لجأ إلى الرسائل المباشرة في بعض المواضع التي لا تحتمل التأويل، والتي أراد أن تصل إلى المتلقي كما يريد نظرًا لخطورة هذه القضايا التي تهدد بقاء النظام، إضافة إلى المزاوجة بين العاطفة والسلطة، واستهداف النخبة والجمهور، وتضخيم الذات، والفتوى السياسية.

تضخيم الذات
"تضخيم الذات" يُعَدُّ من الاستراتيجيات المهمة في الخطاب السياسي، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، من خلال أساليب متعددة، وهو مالجأ إليه الخامنئي في خطابه، من خلال تقديس شخصية الإمام الراحل الخميني، وتقديمه باعتباره شخصية استثنائية، وذلك من خلال العديد من العبارات والجمل في مدح الخميني، والتي كان منها : الخميني هو «روحُ الجمهورية الإسلامية وشخصية استثنائية وإمام الشعب الإيراني في الأمس واليوم والغد.

الحديث عن شخصية الخميني، ينسحب بطبيعة الحال على الخامنئي، الذي يخلفه في المنصب ويسير على خطاه، وإذا كان الخميني هو مفجر الثورة وقائدها، فالخامنئي هو من يحافظ على مبادئها، ولذلك لم يفت الخامنئي الحديث عن الثورة وتمجيدها، حيث قال: الثورة الإسلامية هي «أعظم ثورة في تاريخ الثورات»، وقارن بينها وبين الثورتين الفرنسية والسوفييتية. قائلا: «أغفلوا الروحانية في هاتين الثورتين فانحرفتا بعد ذلك في وقت قصير، كما جرت تنحية الناس الذين أدّوا إلى انتصارهما، فعادوا عمليًّا إلى الماضي، ولكن الثورة الإسلامية تابعت تقدّمها بعد الانتصار بالانتخابات المتتالية والاعتماد المتواصل على الناس والاهتمام المتزامن بالجوانب المادية والروحية للإنسان، وهذه الحقائق هي من أبرز الأسباب لتفوّق الثورة الإسلامية على الثورات كافة في التاريخ، وتُظهر عظمة قيادة الإمام».

كل الأوصاف التي خلعها الخامنئي على الخميني والثورة الإيرانية إنما يخلعها في الأساس على ذاته، باعتباره امتداد للخميني، وحارس الثورة والمحافظ على مسيرتها ونهجها، وبالتالي يجب على جموع الشعب الانقياد له والاستماع إليه وتنفيذ أوامره، وهو ماعبر عنه هنا صراحة في قوله: «الجيل الشاب والذكي اليوم بحاجة إلى دروس الإمام وكلامه وسلوكه من أجل إدارة البلاد وإيصالها إلى القمم المجيدة»، والحديث عن الشباب تحديدًا يرجع إلى القلق من الفجوة الحالية بين هذا الجيل وجيل الثورة وانصرافه عنها وعن مبادئها، والغضب المتنامي وسط الحركات الطلابية التي باتت ناقمة على الوضع الحالي.

السياسة المعصومة وتوظيف الدين
استراتيجية التضفير الخطابي حاضرة في الخطاب السياسي، وهي شبه دائمة خاصة في خطاب الأنظمة الدينية أو خطاب الجماعات الدينية، ومن هنا تستند الخطابة السياسية في قوتها الإقناعية على النصوص التي تتفاعل معها كالنصوص القرآنية والحديثية والأمثال والشعر، وذلك في إطار علاقات "التناص" إذ يلجأ صاحب الخطاب لإكساب خطابه مشروعية دينية تثبت أحقيته فيما يقول. 

واعتمد الخامنئي على هذه الاستراتيجية ليخلع نوعًا من القداسة والعصمة على السياسة التي وضع مبادئها الإمام الراحل الخميني وواصلها هو، إذ يقول: «البنية التحيتة لمدرسة الإمام، سواء خلال مرحلة النضال أو الثورة، كانت القيام لله، وهذه البنية لها أساس قرآني»، ليستكمل الحديث على لسانه هو ليؤكد أن الهدف من القيام لله في المراحل كلها هو «إقامة الحق وإقامة العدل والقسط وترويج المعنوية»، مضيفًا: «كان الإمام مناضلاً حقيقيًّا وله حضور دائم في ميدان القيام لله».

ويستمر الخامنئي في توظيف الدين، ليؤكد أن السياسة التي تتبعها الجمهورية الإسلامية ليست سياسة بشرية، ولكنها سياسة مأخوذة من مبدأ الإسلام، وهو ما يشير ضمنًا إلى أن أي نقد لهذه السياسة إنما هو نقد في الأساس لمبادئ الإسلام ومنهجه، ثم يستدعي التاريخ ليحكي مرحلة إنشاء الجمهورية الإسلامية وجهود الإمام، فيقول: إذ «كان أهم الهواجس وخريطة الطريق للإمام خلال تلك المرحلة إيجاد مسافة بين مشروع الجمهورية الإسلامية، والثقافة والقاموس الغربيين، فأصرّ الإمام على أن الجمهورية الإسلامية   ليست مستعارة من "الجمهورية" و"السيادة الشعبية" الغربية، بل مأخذوة من مبدأ الإسلام».

ويواصل الخامنئي أن الأحكام التي تصدرها الجمهورية الإسلامية إنما في هي الأساس أحكام إلهية، إذا يقول: «يوجد في النموذج والنظام السياسي الجديد الذي قدمه الإمام كلّ من الروحانية ورأي الناس، وكل من تنفيذ الأحكام الإلهية ومراعاة المقتضيات والمصالح العامة، وكل من الإصرار على العدالة الاقتصادية ومراعاة حال الضعفاء وأيضًا الإصرار على إنتاج الثروة، وكل من رفض الظلم ورفض الخضوع للظلم، وكل من تعزيز العلم والاقتصاد وتقوية البنية الدفاعية للبلاد، وكل من الانسجام والوحدة الوطنية وقبول تنوّع الآراء والتوجهات السياسية المختلفة، وكل من تأكيد تقوى المسؤولين وطهارتهم وأيضًا الخبرة والكفاءة لديهم».

وحاول خامنئي إعادة الشعب الإيراني إلى رجال الدين، خاصة في ظل الفجوة التي تتسع بين الطرفين، وتراجع تأثير رجال الدين في الاحتواء الشعبي، حيث ألمح إلى أن رجال الدين لايزالون حاضرين، حيث قال: إن «التشييع المليوني لجثمان الشهيد سليماني، أو تشييع الجثامين وتعبير الناس عن مشاعرهم خلال وفاة المراجع والفقهاء ذوي المقام العالي»، لا يمكن مقارنته بإحياء ذكرى أي شخصية سياسية وفنية أخرى في البلاد، «وهذا يظهر اعتقاد الناس بعلماء الدين وبالدين وبالجهاد وبالمقاومة».

الاستمالة العقلية والعاطفية
يعتمد الخطاب السياسي على الاستمالة العقلية أو العاطفية، فالعقلية تخلق لدى المتلقي نظام المعتقدات الذي يقوده إلى تغيير اتجاهاته أو سلوكايته، وتتوقف فاعليتها على مدى ثقة القائم بالاتصال وأسلوبه في ترتيب وتقديم الأدلة، وبمدى معرفة الجمهور المستهدف بها مسبقًا، من أهم آلياتها استخدام الإحصاءات البيانات الدراسات والتجارب والخبرات، أما العاطفية فهي تهتم بالرسائل العاطفية والمشاعر من أماني ورغبات، تخاطب رغبات وعواطف المتلقي لتحقيق الإقناع، عبر عمليات نفسية وخلق عاطفة وجدانية تقود إلى الإقناع، ويحرص منتج الخطاب على مراعاة موضوع الرسالة، وخصائص الجمهور، وطبيعة الموقف الاتصالي.

وقد زاوج الخامنئي بين الاستمالة العقلية والعاطفية، إذا إنه تحدث عن نجاحات الجمهورية الإسلامية وحاول إقناع المتلقي بذلك وفي الوقت ذاته اتعرف بالاخفاقات وقدم الحل لهذه الإخفاقات والأمل في التغلب عليها من خلال السعي والمجاهدة، إذ يقول: إن «الجمهورية الإسلامية حققت نجاحات كبيرة في العناوين الأساسية كافة مثل السيادة الشعبية، والتقدم العلمي، والشؤون الدبلوماسية والاقتصادية والخدمات العامة، ولذلك إنكارها أمر غير منصف، وبالطبع لم تكن الإخفاقات قليلة أيضًا» لكنه قال في تبيانه أسباب الأداء الضعيف والإخفاقات: «الإمام يرشدنا من أجل إيجاد الأسباب ويقول إن صحيفة أعمالكم مرهونة بسعيكم ومجاهدَتكم».

تشويه الآخر
يلجأ منتج خطاب الأزمة إلى تشويه المختلفين معه، وتقديمهم بشكل سلبي، بل والتحريض ضدهم من خلال توجيه تهم الخيانة والتآمر ضد الوطن، سواء كان هؤلاء في الداخل أو الخارج، وإلقاء المسؤولية على هؤلاء في أي سلبيات أو إخفاقات، وهو ما لجأ إليه الخامنئي في خطابه حيث قال: «لأن جوهر الجمهورية الإسلامية معارضٌ للظلم والاستكبار والمنكرات ويتفق مع الروحانية، بطبيعة الحال يعاديها الظالمون والمستكبرون والعاملون بالمنكر والمعارضون للروحانية».

ويستمر الخامنئي في محاولات الإقناع بأن الحروب التي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية إنما هي بسبب مبادئها التي تلتزم بها إذ يقول: «الدفاع عن فلسطين وإعطاء سفارة الكيان الغاصب للشعب الفلسطيني، وانتقاد نفاق الدول الأوروبية وأمريكا وجرائمها»، إضافة إلى  «تعريف الناس إلى مفهوم المقاومة وبث روح الصمود في الشعب»، فقال: «ببركة الإمام، صار الشعب الإيراني اليوم مقاومًا وقويًّا تمامًا، وتحوّلت المقاومة إلى واحد من المصطلحات البارزة في الأدبيات السياسية في العالم».

ورغم أن الاحتجاجات التي تشهدها إيران هي في غالبها احتجاجات فئوية نتيجة تدهور المستوى المعيشي، فإنه يعتبر أن كل الاحتجاجات التي تشهدها البلاد تأتي في إطار المؤامرة، وذلك رغم اعترافه بالإخفاقات، بل وتوظيف أعداء الخارج لهذه الاحتجاجات إذ يقول: «عقد آمال الأعداء على الاحتجاجات الشعبية بهدف توجيه ضربة إلى البلاد، فهم يسعون بالعمل النفسي والنشاط في الفضاء المجازي وبتربية المرتزقة إلى جعل الناس في مواجهة النظام الإسلامي». أما الجزء الثاني من هذه المؤامرة، فهو إلقاء حسابات غير صائبة حول اتجاه الجمهورية الإسلامية نحو السقوط. 

وتابع: «في بداية الثورة، كان الذين يضمرون السوء يقولون إن الثورة ستسقط في غضون ستة أشهر، وبعدما كانت تفضي حساباتهم إلى نتيجة غير صائبة، يعدون بستة أشهر أخرى، في حين أنه قد مرّ اليوم أكثر من ثمانين "ستة أشهر" على الثورة، وصارت تلك الشتلة الرفيعة شجرة قوية ومقتدرة».

الاستمالة التخويفية والحشد ضد الشاه
في إطار الاستمرار في تشويه الآخر، بدا في خطاب الخامنئي القلق الكبير من فكرة حنين الشعب الإيراني لنظام الشاه، وتصريحات نجل الشاه التي أطلقها مؤخرًا، والتي تضمنت العديد من الرسائل المزعجة لنظام الثورة في إيران، والتي جاء فيها «الشعب أصبح الآن أكثر جهوزية للتغيير أكثر من أي وقت مضى»، و« النظام الإيراني عاجز عن توفير الخبز، وهو مشرف على الزوال، وإنه قلّما تجد أسرة في البلاد لم يعتقل هذا النظام أحد أفرادها» ، إضافة إلى المطالبة بالإسراع في إنشاء آلية تنسيق لإدارة الاحتجاجات والإضرابات في إيران.

ولذلك استخدم خامنئي الاستمالة التخويفية من ما وصفه بالرجعية وسلب الهوية حيث قال: «الحذر من سلب الهويّة وعرض الحقيقة بشكل معاكس»، وطالب الشباب بعدم العودة لحياة الشاه تلميحًا إذا قال: يجب «منع تغلغل الرجعيّة... بمعنى العودة إلى السياسة الغربيّة ونمط العيش الغربيّ، حتى وصل إلى توجيه رسالة مباشرة لا تحتمل التأويل تتضمن التحذير من التفكير في حقبة الشاه ووصفها بالرجعية والفساد، حيث قال: «لا ينبغي السّماح للبلاد بالاتجاه نحو الرجعيّة عبر تغلغل نمط العيش الغربيّ الذي كان مشهودًا خلال المرحلة البهلويّة الفاسدة»، وواصل الخمنئي التخويف من أي تفكير خارج إطار الثورة، بوصف كل المختلفين بالعدو ووجوب الحذر منهم حيث قال: لابد من «فضح أكاذيب العدوّ وحيَله وحربه النفسيّة».

التبرير والفتوى السياسية
سلطة مرشد الثورة في إيران ليست سياسية فقط، ولكنها دينية  أيضًا دينية أيضًا، ويتم اللجوء إلى الفتاوى السياسية في أوقات الأزمات، خاصة أنها تأخذ بعدًا دينيًّا لا ينبغي معارضته، وهو الأمر الذي لجأ إليه خامنئي في خطابه لتبرير احتجاز الحرس الثوري، احتجاز ناقلتي نفط تملكهما اليونان في مياه الخليج العربي.

ولجأ خامنئي إلى شرعنة القرصنة من خلال فتواه حيث اعتبر أنها عمل مشروع وليس سرقة، بل وصف القائمين على العملية بالأبطال حيث قال: «قبل مدّة سرقت حكومة اليونان بأمر من الأمريكيّين نفط بلدنا، لكن حين بادر شجعان الجمهوريّة الإسلاميّة الحاملين أرواحهم على الأكفّ وضبطوا ناقلة النفط التابعة للعدوّ، اتّهموا إيران بالسرقة في الدعاية الإعلاميّة الواسعة، مع أنهم مَن سرقوا نفطنا، واسترداد المال المسروق ليست سرقة».

وختاما
رغم كل الأزمات التي تواجه النظام وتناولها الخطاب تصريحًا وتلميحًا، فإنه لم يصدر قرارًا واحدًا لحلها، ولكنه لجأ إلى سلطة الخطاب وليس خطاب السلطة، خاصة في ظل العجز السياسي في مواجهة هذه الأزمات، وذلك اعتمادًا على أن مأزق الفعل السياسي قد يقابله فضاء كبير في زاوية الفعل الكلامي، لذلك لجأ خامنئي إلى سلطة اللغة عسى أن تعيد التوازن بين الفعلين.
"