يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

استقطاب المهمشين.. استراتيجية «داعش» الجديدة لإعادة تجنيد العناصر المحلية

السبت 31/يوليه/2021 - 03:29 م
المرجع
مصطفى كامل
طباعة

فور انقضاء حلم تنظيم «داعش» الإرهابي في إنشاء دولة على الأراضي السورية العراقية، واستغلال قادته للعديد من أبناء البلدين في تنفيذ مشروعاته، عاد التنظيم الإرهابي إلى استقطاب العناصر المحلية التي همشها منذ إعلان وجوده بعد عهد من التهميش والإقصاء لمصلحة العناصر الأجنبية، حيث كان الانقسام بين المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى سوريا والسكان المحليين واضحًا داخل مناطق التنظيم، فالمقاتلون الأجانب كانوا يتمتعون فعلًا بمستوى معيشي مختلف، فهم يُعطون سكنًا أفضل، ومالًا أكثر، وطعامًا أفضل، إضافة إلى اعتماده استراتيجيات أخرى للتغرير بالشباب النشء للانضواء داخل التنظيم.

استقطاب المهمشين..
استقطاب المهمشين للقيادة

عادت قيادة التنظيم الجديدة برسائل لمقاتلي التنظيم في الداخل من أجل استقطابهم وجذبهم مجددًا، تحتوي على تغيير استراتيجية التعامل معهم، وتعيين قادة محليين لضمان المساواة في التعامل معهم، إذ تسعى قيادة داعش في الآونة الأخيرة للتخايل وتغيير النظرة الدونية لمقاتليها من السكان المحليين، وبات التنظيم يصفهم بالداعمين الحقيقيين له، بعد أن كانت القيادات الأجنبية فيه تراهم أدنى منزلة منهم.

ووفق تصريحات للخبير العسكري العراقي «حاتم الفلاحي»، فإنه يوضح أن قائد داعش الجديد المدعو «أمير المولى»، قام بإعداد استراتيجية جديدة للتنظيم بعد توليه الإمارة خلفًا لـ«أبي بكر البغدادي»، وذلك من أجل أن تتناسب مع قدرات التنظيم الجديدة، مؤكدًا أن التنظيم الآن غير قادر على السيطرة على المدن مثلما جرى في عام 2014، لكنه يسعى لنفض الغبار عن الممارسات السابقة التي مارسها التنظيم في تفضيل القيادات الأجنبية وجعل السكان المحليين في سوريا والعراق كوقود له خلال الأيام القادمة؛ منوهًا إلى أن المقاتلين الأجانب دخلوا إلى سوريا في أعقاب اندلاع الحرب فيها عام 2011، بشكل كبير، وكان لوجودهم أثر في تحويل مسار الحرب من مناصرة الشعب السوري، إلى السعي لإنشاء دولة وفق قوانينهم.

ويأتي هذا الأمر في الوقت الذي حذّر فيه رئيس الاستخبارات الألمانية «برونو كال»، من تنامي قوة تنظيم «داعش» الإرهابي، رغم انهيار خلافته، وأن الإرهاب لا يزال يشكل تهديدًا حقيقيًّا للنظام العالمي، حيث أكد خلال مقابلة مع صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، أنه على الرغم من عدم وقوع هجمات إرهابية كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة مثل الهجمات الدامية التي هزت البلدان الغربية قبل عقدين، إلا أن الإرهابيين قد تطور وكلف حياة الكثير من البشر، كما ازداد عدد الإرهابيين والخطر الذي يشكلونه؛ كما أن «داعش» منذ ذلك الوقت تحول إلى شبكة لا مركزية مثل تنظيم «القاعدة»، حيث تنتشر تنظيماته الفرعية، مشيرًا إلى أن هناك طريقة وحيدة يمكن من خلالها وقف تنامي قوة وتطوير التنظيمات الإرهابية مثل داعش.

ووفق مراقبون فإن تنظيم «داعش» الإرهابي تعلّم كيفية تغيير استراتيجياته، حيث انقسمت قيادته إلى مجموعات عملياتية محددة في المنطقة تتولى مسؤوليات اتخاذ القرارات، مشيرين إلى أن مسلحي داعش انسحبوا بشكل كامل من المناطق الحضرية في سوريا، ولكنهم كانوا قادرين على التحرك بحرية تامة في المناطق المفتوحة عن طريق تجنب القوات الحكومية خاصة قرب مدينة هجين القريبة من مدينة دير الزور السورية.

التغرير بالشباب

وعلى غرار استراتيجية «استقطاب المهمشين»، انتهج تنظيم داعش الإرهابي، استراتيجيات نفسية للتغرير بالشباب النشء، بالتزامن مع تجنيد المقاتلين المحليين وتوليهم مناصب قيادية داخل التنظيم، إذ ينتهج هذه الاستراتيجية النفسية لاستقطاب الشباب للانضواء في صفوفه، واللجوء إلى الأبعاد النفسية واستغلاله حاجة الإنسان إلى وجود هدف ومعنى في حياته، حيث يسعى التنظيم الإرهابي لملء هذا الفراغ، فيقدم المكافآت لمن ينتمي إليه، ويوهمهم بأنهم النخبة المميزة التي تسعى لتحقيق هدف سام يتمثل في القتال وتحقيق دولة الخلافة المزعومة، إضافة إلى استخدامه أسلوب إثارة روح الغضب في أوساط الشباب، ودفعهم للانتقام.

ويستغل التنظيم الإرهابي حاجة الشباب للتصنيف بتوفير هوية للفرد تميزه عن الآخرين، فيوهمون الشباب بانتمائهم إلى كيان له أفكاره وأهدافه الواضحة، إضافة إلى التنبيه على الطاعة العمياء التي يستخدمها «داعش» لاستقطاب الشباب، وذلك بالاعتماد على طمس شخصيتهم وإدخالهم في نمط الالتزام بأفكار الجماعة، وهو ما يقود إلى الحاجة للانتماء حيث يحاول التنظيم إشباعها من خلال إتاحة الفرصة للشباب للانتماء إلى كيان أو جماعة.

موجة الهجرة لداعش

وكانت الموجة الأكبر في دخول المقاتلين الأجانب، عقب سيطرة التنظيم في عام 2014 على مساحات شاسعة في سوريا والعراق، ودعوته المسلمين للهجرة إلى ما سماه بدولة «الخلافة» الجديدة، حيث أكدت الأمم المتحدة أن ما يزيد على 40 ألف مقاتل أجنبي قدموا من 110 دول دخلوا سوريا والعراق للانضمام إلى جماعات إرهابية.

ووفق دراسة نشرها المركز الدولي لدراسات التطرف التابع لـ«كينجز كولدج» بلندن، في يوليو 2018، موثقة بالبيانات الرسمية والأكاديمية، تؤكد أنّ عدد الأجانب في صفوف تنظيم داعش تحديدًا يبلغ 41490 شخصًا، بواقع 32809 من الرجال و4761 امرأة، و4640 طفلا، من 80 دولة، حيث خلص الباحثون إلى أن 18852 من هؤلاء الأجانب وفدوا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و7252 من شرق أوروبا، و5965 من آسيا الوسطى، و5904 من أوروبا الغربية، و1010 من غرب آسيا، و1063 من جنوب شرق آسيا، و753 من الأمريكيتين وأستراليا ونيوزلاندا، بالإضافة إلى 447 من جنوب آسيا، و244 من جنوب الصحراء الكبرى.

وحتى يونيو 2018، عاد نحو 3906 من المقاتلين الأجانب من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى بلادهم، و 1765 إلى أوروبا الغربية، و784 إلى أوروبا الشرقية، و338 إلى آسيا الوسطى، و308 إلى جنوب شرقي آسيا، و156 إلى جنوب آسيا، و97 إلى الأمريكيتين وأستراليا ونيوزلاندا، و12 مقاتلاً إلى جنوب الصحراء الكبرى.

وكان تكاتف الدول في تحالف دولي مشترك لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وشن حرب على التنظيم، جعل قدرات الأخير على التخطيط للاعتداءات واجتذاب المقاتلين الأجانب والحصول على التمويل تشهد تراجعًا ملحوظًا، ما جعله يحرف أنظاره إلى المقاتلين السابقين من السكّان المحليين.

وتسعى قيادة التنظيم مؤخرا، لاستمرارية وجود خلايا سرية ناشطة لها على الساحة العراقية والسورية، وتحفيزهم عبر نشر دعايات إعلامية ببقاء التنظيم ودعمه من قبل عناصره في القارة السمراء، وشبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا.

وفي مارس 2019 سقط آخر معاقل «داعش» في بلدة «الباغوز» الواقعة في ريف دير الزور الشرقي، ونتيجة لهذه الهزيمة، سعى العديد من المقاتلين الأجانب للعودة إلى بلدانهم الأصلية، أو الفرار كمقاتلين جوالين.

"