يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

سلطانات الدم.. «كوسم» قاتلة السلاطين «4-4»

الأحد 13/سبتمبر/2020 - 01:02 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
تعد «كوسم سلطان» أشهر سلطانات الدولة العثمانية التي حكمتها فعليًا في عام 1617، مارست نفوذها بصورة غير مسبوقة أو متبوعة، ووصلت إلى قمة المجد والسلطة في الدولة العثمانية في مشهد استثنائي، وهي أكثر سيدة احتكرت منصب السلطانة الأم خلال مدة سلطنة ابنيها مراد الرابع، وإبراهيم الأول، فتجمع بين يديها سلطات واسعة مكنتها من أن تكون ضلعًا أساسيًّا في السياسة العثمانية في النصف الأول من القرن الـ17 الميلادي.

ولدت كوسم لأصل يوناني في جزيرة تينوس عام 1590، وكان اسمها الأصلي هو أنستاسيا. وفي إحدى حملات القرصنة العثمانية على الجزر اليونانية، وقعت في أسر حاكم البوسنة، فأرسلها نظرًا لجمالها الفائق كهدية إلى قصر طوب كابي في إسطنبول. 

ألحقت أنستاسيا على الفور بالحرملك داخل القصر، وأدخلت الإسلام قسرًا ثم غير اسمها إلى كوسم، وأهديت إلى السلطان أحمد الأول الذي وقع في هواها سريعًا وأطلق عليها اسم «ماه بيكر» أي وجه القمر، وأصر السلطان أحمد على الزواج بـ"كوسم" على غرار زواج السلطان سليمان القانوني من محظيته خرم أو روكسلانا، ومنح كوسم لقبًا جديدًا هو السلطانة القائدة، ومن جانبها ردت كوسم الجميل بإنجابها اثنين من الذكور للسلطان هما؛ مراد وإبراهيم. 

عاشت كوسم حياة هانئة مع زوجها السلطان حتى توفي الأخير فجأة في نوفمبر عام 1617 وهو لم يجاوز الثلاثين من عمره، فقررت أن تشعل حربًا في القصر كي تصعد ابنها الصغير مراد حتى لا يتلاشى نفوذها، وينتهي بها الحال منفية في قصر الدموع، الذي كان يضم كل السلطانات اللاتي انتهت حيوات سلاطينهم. 


بدأت كوسم حربها برفض تولية السلطنة للأمير «عثمان» ابن ضرتها وعدوتها السلطانة «خديجة ماه فيروز»، واستعانت بشقيق زوجها الأمير «مصطفى» الذي اشتهر بخفة عقله وطيشه، فنصبته سلطانًا بمعاونة قادة الإنكشارية حتى ينتهي هؤلاء من حسم خلافاتهم حول أي من أبناء أحمد الأول أحق بالسلطنة، عثمان بن خديجة، أم مراد بن كوسم. 

حقق وصول السلطان مصطفى إلى العرش أغراض كل من كوسم والإنكشارية، إذ أصبح الطرفان يحكمان الدولة فعليًا دون السلطان واهن العزم وضعيف الشخصية، وأطلق يد السلطانة كوسم سلطان داخل الحرملك لتصبح سيدته الأولى بلا منازع. كما بلغ تدخلها في شؤون السلطنة مبلغًا عظيمًا حين أصبحت تدير بنفسها جلسات الديوان وتضع السياسات العليا للدولة. 

ولكن سلطنة «مصطفى الأول» لم تدم أكثر من 3 أشهر، بُويع بعدها الأمير عثمان بالسلطنة تحت اسم عثمان الثاني، وهو ما كان يعني هزيمة كوسم. لكن الأخيرة لم تستسلم، فعقدت حلفًا مع قادة الانكشارية من المخلصين لها وقررت الانقلاب على عثمان الثاني، والذي أبدى همة عالية -رغم صغر سنه- في تقليص نفوذ الحرملك. وقد بدأت كوسم مؤامرتها بقتل السلطانة خديجة ماه فيروز في العام 1621، ثم أمرت بإعدام السلطان عثمان في مايو من العام التالي 1622. 

عاد السلطان «مصطفى الأول» على إثر ذلك إلى الحكم كفترة انتقالية حتى يستطيع «مراد» أن يدير شؤون الدولة العثمانية، لكن «مصطفى الأول» لم يستطع إدارة شؤون البلاد وعمت الاضطرابات والانقسامات، واتفقت كوسم مع الصدر الأعظم وبقية الوزراء على تدارك الموقف وعزل «مصطفى»، وتولية ابنها «مراد» الحكم، وكان وقتها يبلغ من العمر 11 عامًا، وحصلت كوسم على لقب «السلطانة الأم» وأدارت البلاد بصفتها نائبة السلطان.

وبينما ظنت «كوسم» أنها انفردت أخيرًا بالسلطة، جاءتها الضربة هذه المرة من ابنها نفسه السلطان مراد الرابع. ففي عام 1632، انتهت فترة نيابة السلطانة كوسم، والتي دامت نحو 9 أعوام، وأقصاها ابنها من المشهد السياسي سريعًا، بعد أن قرر ألا يسمح لأية قوة كانت بالتدخل في إدارته للبلاد، وأمر والدته بأن تقطع اتصالاتها برجال دولته، وهددها بالإقصاء والنفي بعيدًا عن العاصمة إذا لم تستجب لأوامره، لكنه مات في ظروف غامضة عام 1640 دون أن يترك وريثًا له، ما فتح المجال أمام كوسم للعودة إلى السلطة من جديد. 

على الفور، أمرت كوسم بمبايعة ابنها إبراهيم بالسلطنة، وكان الأخير وبسبب الضغوط النفسية التي عاشها خلال عهد أخيه مراد، قد أصابه مس من الجنون، حتى أطلق عليه لقب إبراهيم المجنون، ففرضت كوسم سيطرتها بذلك على شؤون الدولة دونه. 

حاول السلطان «إبراهيم» استعادة سلطته المغتصبة، وهدد أمه السلطانة كوسم بالنفي ما أغضبها كثيرًا وقررت ألا تتنازل عن نفوذها وسلطاتها. وكانت ترى أن إزاحة ابنها السلطان ستعود عليها بالفائدة لأن حفيدها ولي العهد الأمير محمد شاه زاده طفل لم يتجاوز عمره السادسة بعد، وفي حال توليه السلطنة فستعين السلطانة «كوسم سلطان» في منصب نائبة السلطان وتصبح من جديد على قمة هرم السلطة العثمانية بلا منازع.

أمرت كوسم الانكشارية بالثورة ضد ابنها، أمرت بإعدامه بعد أن كانت سببًا في حمايته من القتل على يد أخيه السلطان مراد الرابع خوفًا على السلالة العثمانية من الانقراض، تم تعيين ابن السلطان القتيل، الطفل «محمد الرابع» الذي لم يبلغ بعد الـ7 من عمره سلطانًا، وحصلت والدته «خديجة تارخان»، التي كانت تكره «كوسم سلطان»، على لقب «السلطانة الأم».

قررت كوسم الانقلاب على محمد الرابع، وقتله ثم الإتيان بحفيد آخر هو الطفل «سليمان» لتحكم الدولة من ورائه، ولكن السلطانة «خديجة تارخان» كشفت مخطط «كوسم سلطان» مبكرًا، وقررت أن تريح الدولة منها نهائيًا، آمرة باغتيالها بمساعدة رئيس أغوات الحرملك عام 1651، لتلقى حتفها وهي في الـ62 من عمرها، وينتهي عصر سلطنة الحريم إلى الأبد.

"