يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تركيا في لبنان.. تاريخ أسود من إشعال الطائفية والمجازر الوحشية «4-4»

السبت 15/أغسطس/2020 - 03:01 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
ارتكبت الدولة العثمانية، جرائم يندى لها الجبين في حق لبنان، منذ سقوطها في يدهم عام 1516 عقب معركة مرج دابق، فمع بداية الدخول العسكري العثماني إلى بلاد الشام، استبيحت المدن، وتم تدمير بنيتها الاجتماعية من خلال عمليات الإفقار والطرد السكاني واستجلاب مواطنين جدد، إضافةً إلى عمليات الإبادة والقتل العشوائي. 


 الأمير اللبناني
الأمير اللبناني فخر الدين المعني الثاني
التاريخ الأسود

عندما زاد ظلم الدولة العثمانية وفسادها في أواخر القرن الـ16، قاد الأمير اللبناني فخر الدين المعني الثاني محاولة جدية للاستقلال ببلاده لكنه سقط في يد السلطان مراد الرابع الذي أمر بشنقه على باب السراي في إسطنبول عام 1635، لتجهض أولى محاولات لبنان في التخلص من الأتراك. 

الدولة العثمانية، لعبت دورًا كبيرًا في إذكاء الوضع الطائفي في بلاد الأرز دون محاولة إيجاد حل جذري له، حيث تتكون من عدة طوائف هي: الموارنة الكاثوليك والدروز وأخيرًا المسلمين بين سنة وشيعة، فأبقوا على ذلك كله دون تعديل مكتفين بالواردات الضريبية الضخمة التي كان «الجبل» يعيدها على الخزانة المركزية في إسطنبول.

 ولكن منتصف القرن الـ 19 شهد اشتعال الفتنة الطائفية بين أهل جبل لبنان بسبب السياسات العثمانية الجديدة خلال ذلك العصر، والتي عرفت بمذابح الدروز والموارنة في عام 1860 حيث وقعت سلسلة من الأحداث الدامية بين الموارنة الكاثوليك من جهة وبين الدروز والمسلمين من جهة أخرى، بدأت بثورة الفلاحين الموارنة على الإقطاعيين وملاك الأراضي من الدروز، وسرعان ما امتدت إلى جنوب لبنان حيث تغير طابع النزاع، فبادر الدروز بالهجوم على الموارنة، وبلغ عدد القتلى من المسيحيين في تلك الأحداث نحو 20,000، إضافة إلى دمار أكثر من 380 قرية مسيحية و560 كنيسة، وبالمثل تكبد الدروز والمسلمون خسائر كبيرة كذلك.


السلطان العثماني
السلطان العثماني عبدالحميد الأول
القائمقامية المزدوجة

واكتفى السلطان العثماني عبدالحميد الأول، بتقسيم البلاد إلى مقاطعتين، واحدة للمسيحيين والأخرى للدروز، منطقة شمالية تحت حاكم نائب مسيحي وجنوبية تحت سلطة نائب درزي، وعرف هذا الترتيب باسم "القائمقامية المزدوجة"، لكن التقسيم فاقم المشكلات الطائفية خاصة مع إصرار القوى الكبرى على الإبقاء على ذلك الوضع لضمان مكان في المستقبل السياسي للبنان، فمن جهة، رأى العثمانيون أن التفرقة الطائفية تعينهم على حكم أهل الجبل الشرسين، ومن جهة أخرى دعمت فرنسا الموارنة الكاثوليك، في حين أيدت بريطانيا الدروز.

انطلقت مجازر 1860 بنزاع بين طفلين درزي وماروني من دير القمر، فتدخلت عائلتيهما ومن ثم طائفتيهما. وأشعلت هذه الخلافات سيلا من أعمال العنف اجتاحت لبنان، وامتدت الاضطرابات إلى الأحياء المختلطة من جنوب لبنان، وجبال لبنان الشرقية، وحتى صيدا وحاصبيا وراشيا ودير القمر وزحلة. 


الإمبراطور الفرنسي
الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث
فرنسا تتدخل

دعت هذه الأحداث الدامية فرنسا للتدخل بعد اتهامها العثمانيين بدعم الدروز، فراح الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث يذكر إسطنبول بكون بلاده هي الراعية للكاثوليك في الشرق بحسب اتفاقية وقعت بين الطرفين قديمًا في العام 1535، وبحكم تلك الاتفاقية، فإن فرنسا سترسل قوة مسلحة لضبط الوضع في لبنان بعد أن أظهرت الدولة العثمانية عجزًا عن ذلك. 

وافق العثمانيون في 3 أغسطس على الطلب الفرنسي، وأرسلت قوة أوروبية مؤلفة من 12,000 جندي إلى جبل لبنان، كما تم تشكيل نظام جديد عام 1861 فصل لبنان عن سوريا وتحويله إلى دولة مستقلة تحت سيطرة حاكم مسيحي يعين من قبل السلطان العثماني وبموافقة القوى الأوروبية، ويعاونه مجلس إداري مكون من اثني عشر عضوًا من مختلف الطوائف الدينية في لبنان.


نشرت فرنسا قوة مؤلفة من 6,000 جندي لحماية النظام بحسب الاتفاق الجديد، كما تمت الموافقة على أن ترسل دول أخرى قوات إضافية حسب الحاجة، ومنذ تلك اللحظة ابتعدت لبنان عن الحكم العثماني شيئًا فشيئًا حتى حاصرها الأتراك في الحرب العالمية الأولى، مما تسبب في حدوث مجاعة لبنان أهلكت نحو 200 ألف شخص منهم دفعة واحدة، ومن قدر له البقاء على قيد الحياة عاش يتقوت على لحوم الكلاب والقطط. 

وثق هذه المأساة بالصورة الفوتوغرافية المصور إبراهيم كنعان نعوم، كما خلد ذكراهم في الأدب الروائي اللبناني توفيق يوسف عواد في روايته «الرغيف»، التي حكى فيها عن «الرغيف الأسود» اليابس، الذي أجبر الأتراك أهل لبنان على أكله طوال أيام المجاعة.

في السادس من مايو من كل عام، يحتفل اللبنانيون بعيد الشهداء إحياء لذكرى أكثر من 20 مثقفًا عربيًّا أمر جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع في الشام بإعدامهم في الفترة الممتدة من أغسطس 1915 وحتى يناير من العام 1917، بتهمة التخطيط لثورة عربية ضد المحتل التركي أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وأديرت محاكمتهم من قبل الأخير دون أدنى معايير المحاكمات العادلة والقانونية.

"