يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

النفوذ الإيراني في العراق.. مساعي «الكاظمي» للتقليص ومحاولات طهران للبقاء

السبت 01/أغسطس/2020 - 02:55 م
المرجع
مرفت زكريا
طباعة
يبدو وكأن هناك قيودًا شديدة على هامش الحركة الذي تتمتع به بغداد تجاه طهران، وهو الأمر الذي كشفت عنه الزيارة الأولى لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لإيران في 21 يوليو 2020.

ومن الواضح أن هناك معارضة شديدة للسياسات القائمة على بناء التوازنات التي يتبعها الكاظمي تجاه حالة الاستقطاب «الأمريكي – الإيراني» في العراق.

وعلى الرغم من تأكيد طهران أن رفضها الشديد لسياسات «الكاظمي» يأتي في سياق عدم قيامه بالمهمام الموكلة إليه فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والسياسية، لاسيما بعد الموجة الكبيرة من الاحتجاجات التي شهدتها بغداد في أواخر عام 2019 وبدايات 2020؛ نتيجة للتدهور الاقتصادي والفساد الحكومي، الأمر الذي كان له أبلغ الأثر على النفوذ الإيراني في العراق، وبخاصًة بعد اندلاع هذه التظاهرات في المناطق التي تقطنها الأغلبية الشيعية، إلا أنه يمكن القول أن هناك عددًا من الدوافع الأخرى التي تقف خلف هذه المعارضة الصريحة.
النفوذ الإيراني في
أولاً- التقارب مع واشنطن والرياض
أدى اغتيال واشنطن لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيراني «قاسم سليماني» برفقة قائد الحشد الشعبي أبومهدي المهندس في 3 يناير 2020 إلى حالة غير مسبوقة من التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين إيران في المنطقة، ولاسيما في العراق.

وعليه، طالبت طهران السلطات العراقية في ذلك الوقت بضرورة العمل على إخراج القوات الأمريكية من البلاد، وكان من المتوقع بالنسبة لطهران أن يكون هكذا قرار أحد الأولويات الرئيسية لرئيس الوزراء الجديد، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، واتجه «الكاظمي» لخلق معادلة توازنية بين المصالح الأمريكية - الإيرانية، وهو الأمر الذي أزعج طهران بشدة، على خلفية اعتيادها على تفضيل مصالحها على ما عاداها من قبل المسؤولين العراقيين.

واللافت للانتباه في هذا السياق، هو سماح «الكاظمي» لواشنطن باختبار نظام للصواريخ من قبل السفارة الأمريكية في العراق، وهو الأمر الذي انتقدته إيران بشدة، مؤكدة أنه يعتبر بمثابة انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي والسيادة العراقية، وهو ما علق عليه زعيم تحالف «فتح العراقي» هادي العامري مخاطبًا الكاظمي، قائلاً: «عن أي سيادة تتحدث؟ عن أي كرامة وهيبة تتحدث عندما يحلق المقاتلون الغزاة في سماء العراق؟»، بالإضافة إلى ذلك، تعمد «الكاظمي» عدم اتخاذ موقف واضح إزاء ما أطلقت عليه المنصات الإعلامية الإيرانية بإهانة صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية للمرجع الشيعي الأكبر في العراق «أية الله علي السيستاني»، فضلاً عن الزيارة التي قام بها وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي إلى الرياض في أواخر مايو الفائت؛ بغرض تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية.
النفوذ الإيراني في
ثانيًا – الحد من نفوذ الميليشيات الإيرانية
يبدو وكأن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي كان عازمًا منذ البداية على تقليم أظافر إيران في العراق، من خلال تقليص نفوذ الميليشيات التابعة لها، وهو الأمر الذي اتضح بعد قيامه بدمج بعض فصائل الحشد الشعبي في الهياكل الحكومية؛ إذ صدر إعلان رسمى في 23 أبريل 2020 بضم 4 من وحدات الحشد الشعبي التي كانت موالية للسيستاني تحت مسمى «وحدات الضريح»، لتكون تحت السيطرة المباشرة لمكتب رئيس الوزراء ضمن ما يعرف بجماعات خدمة مكافحة الإرهاب في العراق (CTS)، والتي لعبت دورًا رئيسيًّا في محاربة تنظيم داعش، وتم دعمها وتدريبها من قبل التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش»، فضلاً عن امتلاك البعض منهم خبرة عمل سابقة داخل القوات المسلحة العراقية.

يتوازى ذلك، مع رغبة «الكاظمي» في الحد من نفوذ الميليشيات المدعومة إيرانيًّا ولاسيما فيما يتعلق بكتائب «حزب الله» على خلفية اعتقاده بأنها تمثل الخطر الأكبر على طموح الحكومة العراقية في أن تكون دولة بالمعنى الكلاسيكي – التي تحتكر امتلاك واستخدام القوة داخل أراضيها- حيث تسيطر كتائب «حزب الله» في العراق على مجموعة من الأراضي يُزعم أنه حتى المسؤولين الحكوميين ممنوعون من دخولها.

والجدير بالذكر، أن اغتيال واشنطن لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني مطلع يناير 2020 برفقة قائد الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد الدولي كان له أبلغ الأثر على الحد من نفوذ الميليشيات التابعة لإيران في العراق؛ بسبب كونه الأب الروحي والقائد الذي كان يتمتع بكاريزما وكلمة مسموعة لدى كافة الفصائل المسلحة.
النفوذ الإيراني في
ثالثًا- إغلاق المنافذ الحدودية
أدى تفشي جائحة كورونا بشدة في العراق إلى انتهاج رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي سياسة جديدة تقوم على غلق المنافذ الحدودية مع إيران، على خلفية اتهام طهران بتصدير الفيروسات إلى بغداد عبر هذه المنافذ، وهو الأمر الجديد بالنسبة لطهران، التي اعتادت منذ عام 2003 على فتح المنافذ العراقية الحدودية البرية والجوية معها، كما طالبت اللجنة العراقية لمكافحة فيروس كورونا بمنع الوافدين الإيرانيين من دخول العراق، ولاسيما محافظات البصرة وميسان وواسط ذات الحدود مع إيران.

وعليه، تسبب ما سبق في خسائر اقتصادية جمة بالنسبة للجانب الإيراني الذي يعاني من ركود اقتصادي كبير على خلفية العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل واشنطن اللاحقة للخروج الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو لعام 2018، وبالتالي، جاءت خطوة إغلاق المنافذ الحدودية التي كانت تعتمد عليها طهران في تصدير معظم منتجاتها للعراق في خضم مرحلة حرجة من تاريخ الدولة الإيرانية.

والجدير بالذكر، أن العراق كان بمثابة المتنفس الأبرز بالنسبة لإيران فيما يتعلق بالتغلب على العقوبات الأمريكية؛ حيث تعتبر إيران بمثابة ثاني أكبر مصدر للسلع العراقية، ولاسيما فيما يتعلق بالسيارات التي تعتبر من أهم وأكبر الصناعات الموجودة في طهران، فضلاً عن المواد الغذائية ومواد البناء.
 
ويمكن القول إنه على الرغم من التراجع الكبير الذي شهده الدور الإيراني في العراق، ولاسيما بعد الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها المناطق التي يقطنها الشيعة في عامي 2018 و2019، ومحاولات رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي الاعتماد على سياسة التوازنات، وضم الميليشيات الشيعية في الأجهزة الحكومية للدولة، فإن طهران ستحاول جاهدة الإبقاء على نفوذها في بغداد، خاصًة أنها تعتبر بمثابة المرتكز الأول للوجود الإيراني في المنطقة.
"