يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

فرنسا والإسلام.. تصحيح خطأ تاريخي

الثلاثاء 07/أبريل/2020 - 06:08 م
المرجع
طباعة

ليست مبالغة حين نربط بين قرارات فرنسا الأخيرة ضد الانفصالية الإسلاموية والثورة الفرنسية؛ فالثورة بددت أمام الأوربيين ظلمة إقطاعية وأصولية واستبدادية، كذلك التوجه الفرنسي الأخير يتزامن مع غفلة أوربية عن خطورة جماعة الإخوان والاختراق الأيديولوجي التركي.

دشن خطاب الرئيس ماكرون قبل أيام في مدينة مولوز إستراتيجية رادعة لسياسات تسييس الإسلام عبر فرض رقابة على الأئمة الأجانب وتمويل دول أجنبية للمساجد ومحاربة النفوذ الأجنبي وداعمي التنظيمات الإسلامية المتطرفة، وصولًا عبر تطبيق برامج بديلة لمنع كل أشكال الانفصال الإسلامي عن المجتمع الفرنسي.

اللقطة التي تجمع بين ثورة ماكرون على نفوذ الإسلام السياسي من قلب معاقله بفرنسا والثورة الفرنسية كونهما سبقا غفلة أوربية.

لتسجل فرنسا بالتسلسل التاريخي إلى اليوم السبق بأحداث هائلة ذات تأثير عظيم على أوربا وعلى البشرية منذ السبق في الاتصال الفعال مع الشرق والحضارة العربية ثم الانفجار الثوري والتنوير الفلسفي وأخيرًا السبق إلى وضع اليد على مكمن معضلة تعاني منها سائر دول أوربا والمتعلقة بالإسلام المُسيس الذي تجر به جماعة الإخوان مسلمي الغرب باتجاه الانفصال عن مجتمعاتهم الأم.

فرضت موجات الإرهاب التي ضربت أوربا باسم الدين ضرورة استعادة الإسلام من قبضة جماعات التطرف، بالنظر إلى أن الإسلام الإخواني التركي يكفر الغرب ويحض على العنف ضد المختلف في العقيدة في سياق مشاريع أسلمة أوربا، من خلال عمل تنظيمي مدروس يسعى باستخدام الانترنت والمساجد والمراكز الإسلامية لنشر الاضطرابات الطائفية والمذهبية بأوربا بغرض خلق بيئة حاضنة للإسلام الراديكالي في الغرب.

تكمن فلسفة الخطة الفرنسية في القطع مع مسببات الانفصال الإسلامي بالأحياء الفرنسية خاصة تلك التي تشهد نفوذًا متناميًا لجماعة الإخوان عبر تحرير المدارس والمساجد والجمعيات من قبضة التأثيرات الخارجية، بالتزامن مع نشر صيغة إسلامية تدعم الاندماج في المجتمع وتتسق مع ثقافة وقيم وولاءات الفرنسيين.

وضع ماكرون الخطة المثلى للخروج من هذا المأزق التاريخي، رافضًا منح المزيد من الفرص لمن يحمل مشروعًا مناهضًا للقيم الأوربية طمعًا في إنجاح مشروع ديني خاص به، وواضعًا تصور ثقافي فكري يُهيئ الأحياء الموبوءة بنسخة إسلام الجماعات المتطرفة وممارساتها الانعزالية لمسارات مختلفة بصحبة إسلام حقيقي نقي من الأغراض السياسية.

 

تصحيح أخطاء الماضي والحاضر

يصحح ماكرون عبر هذا المشروع الثوري خطأين أحدهما معاصر قريب والآخر تاريخي بعيد:

الخطأ الأول: غض الدولة الفرنسية بصرها عن نشاطات جماعة الإخوان والذي قُوبل باستغلال المتاح من حريات لضخ الكراهية والتكفير في الفضاء الفرنسي ما مثل خطرًا محدقًا على القيم والمبادئ الدستورية والقانونية الفرنسية.

كان الخطأ فادحًا منذ بدايات الثمانينات لأن جماعة الإخوان من جهة لا تعكس كما ظن المسؤولون الفرنسيون وقتها انشغالًا بالسمو الديني الروحي كغالبية المسلمين، ومن جهة أخرى فإن الناشطين من جماعة الإخوان وقتها بزعامة راشد الغنوشي وفيصل مولوي مؤسس جمعية الطلبة المسلمين بفرنسا لم يتمكنوا من تكثير وتنمية خلاياهم الصغيرة المعزولة إلا بعد بدء الدعم المالي القطري.

تم دمج هذا النشاط الذي تبلور لاحقًا في إتحاد يضم عشرات الجمعيات والمساجد بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي أسسه نيكولا ساركوزي سنة 2003م حينما كان وزيرًا للداخلية، رغم تبني القائمين عليه مشروعًا معاديًا لقيم الجمهورية الفرنسية.

معنى ذلك أن حركة شمولية هي المصدر الذي فرخ التكفير والإرهاب في ربوع العالم صارت مشاركًا رئيسيًا للدولة الفرنسية في تسيير شؤون الإسلام والمسلمين.

استغل النظام التركي الطامح في تأسيس إمبراطورية عثمانية عالمية غطاء الجاليات الإسلامية للتغطية على نشاطات طائفية تحض على الكراهية وعلى انفصال المسلمين عن مجتمعاتهم في الغرب، عبر الترويج لمناهج تكفيرية انعزالية يبثها النموذج الفرنكو-تركي من أنصار رجب طيب أردوغان وممثلو الإسلام الإخواني التركي، الذين يديرون عشرات المساجد والجمعيات بفرنسا.

أدى هذا إلى امتلاك جماعة الإخوان وداعموها أدوات بث الانقسام والكراهية بفرنسا والغرب ضد المجتمعات والشعوب والأنظمة الغربية في عقر دارها، فضلًا عن امتلاك أدوات التمويه على هذا النشاط وتمكينه من الاستمرار والرسوخ على مدار سنوات من المناورات والخداع والضخ المالي المُوَجَه.

ما أوصل اليوم لأن يتجرأ خطباء بمراكز تديرها جماعة الإخوان بفرنسا وغيرها على الدعوة علانية ليس فقط لعدم احترام المرأة وعدم مصافحتها بل للنيل من غير المسلم وإيذاء كل من ترك الإسلام، فضلًا عن تعميق كراهية غير المسلمين ممن يصفونهم بالكفار ومنع الابتسام في وجوههم.

الخطأ الثاني: إغفال حقيقة العثمانيين الجدد رغم سيرهم في أساليب تعاملهم مع أوربا ودول العالم على طريقة أجدادهم العثمانيين القدامى، وهو ما يؤدي لنتائج شبيهة بما خلفته الغزوات الدموية الهمجية التي شنتها السلطنة العثمانية على دول أوربية.

الاستسلام لفرضية تمثيل العثمانيين الجدد بقيادة أردوغان لمسلمي العالم وترك العلاقة بين المسلمين والغرب لعبث جماعات تعتنق صراع الحضارات وتسعى لإشباع نهم الهيمنة والاستعلاء العرقي، من شأنه تكرار ازدواجية الربط بين الإسلام وهمجية الغازي العثماني وقطع الصلة بين العرب وأوربا ما أدى لحجب الحضارة الحديثة عن العالمين الإسلامي والعربي.

يتطلب تصحيح هذا الخطأ استيعاب حقيقة أن منطلقات مشاريع العثمانيين قديمًا وحديثًا في العمق الغربي ليست إسلامية بل إمبراطورية قومية، هدفها تحقيق النفوذ المادي والمعنوي تحت ستار الإسلام الذي لوث الأتراك سمعته وربطوا اسمه في أذهان الغربيين بالغدر والوحشية وذبح الأسرى وسبي النساء.

الأهم من ذلك استعادة التواصل الطبيعي بين الغرب والعالمين العربي والإسلامي، بالبناء على الاقتراب بين النموذج الشرقي العربي وسكان فرنسا وإعجاب الفرنسيين بالنموذج الحضاري العربي.

لدينا تاريخان مفصليان؛ الأول 732م عندما كانت فرنسا نقطة الصدام الأولى بصدها الجيوش العربية في موقعة بلاط الشهداء والثاني 1798م خلال الحملة الفرنسية على مصر.

إذ أعقبهما مبادرتان فرنسيتان فعالتان للاتصال بالشرق، الأولى بحث خلالها الفرنسيون عن المنجزات الحضارية العربية والعكوف عليها والاستفادة منها وتبدى هذا في فترات مبكرة منذ القرن الحادي عشر الميلادي، والثانية فتح صفحة جديدة من تاريخ العرب الحضاري نتيجة الأثر الذي تركته الحملة الفرنسية على المستويين العلمي والثقافي.

ما قبل هذين التاريخين كانت العصور الأكثر إظلامًا للغرب منذ القرن الخامس الميلادي وحتى الحادي عشر، وللعرب والمسلمين طوال مرحلة الاحتلال العثماني الهمجي.

ما يعني بداهة أن قرارات ماكرون الثورية هي تصحيح لخطأ تاريخي عندما تم إقحام الأتراك كأوصياء على المسلمين، بالعودة للفكر الفلسفي العقلاني الذي أدخله الفرنسيون لأوربا عن طريق العرب، وبالبناء على الاتصال الحضاري الذي وضع العرب والمسلمين مجددًا على طريق التقدم والنهضة عقب الحملة الفرنسية.

 

الخلاصة والنتائج

أولًا: تحتم حقائق التاريخ والحاضر عدم منح تيار العثمانيين الجدد وجماعة الإخوان فرصة استثمار الدين لصالح مشاريع مدمرة وخطط تحض على العنف وتزرع الكراهية بين شعوب العالم.

ثانيًا: ما يحسم الصراع لمصلحة الغرب والشرق ولمصلحة مسلمي أوربا هو نزع الشرعية عن جماعة الإخوان وعن أدوات تركيا في الغرب، والتمكين لشركاء يحترمون دساتير وقوانين الدول التي يقيمون بها، ويتسامحون مع الأديان المختلفة ويتعايشون مع العادات الاجتماعية وأنماط الهوية والمعتقدات السياسية السائدة في الدول التعددية، وقبل ذلك لا يستغلون أي حدث لتحقيق أهداف تنظيمات أو قوى خارجية.

"