يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«هزيمة الهيمنة الغربية».. شعار إيران للتبشير الشيعي في أفريقيا

الأربعاء 25/مارس/2020 - 05:27 م
المرجع
نورا بنداري
طباعة

يعمل نظام الملالي منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 على تنفيذ سياسة توسعية في جميع أنحاء العالم، لفرض عقيدته الفارسية القائمة على ما يسمى بـ «تصدير الثورة»، وبالفعل تمكن من اختراق بعض دول منطقة الشرق الأوسط كـ(سوريا، اليمن، العراق)؛ ومن ثم توجه نحو القارة الأفريقية التي تمثل له منطقة نفوذ ديني ومذهبي واقتصادي وأيضًا سياسي، واستطاع على مدار 3 عقود أعقبت الثورة تشكيل أذرع إيرانية لتوسيع نفوذه داخل القارة التي يحاول من خلالها إيجاد موطئ قدم يمكنه من تخطي الحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة.

شعار الملالي

تدرك إيران جيدًا مدى اختلاف منطقة القارة الأفريقية- في تركيبتها الاجتماعية والديموغرافية والعقائدية المتنوعة- عن منطقة الشرق الأوسط؛حيث أن الأديان والثقافات في دول القرن الأفريقي تختلف عما هي عليه في دول الغرب والشرق الأفريقي؛ لذا عمل النظام الإيراني على وضع طريقة مختلفة لكل منطقة على حدة،  تمكنه من التوغل إلى هذه المجتمعات بكافة الوسائل.

وبجانب الأدوات السياسية والاقتصادية؛ كانت الأدوات الثقافية والدينية الهادفة للتبشير الشيعي حاضرة في المخيلة الفارسية لتنفيذها في دول القارة، وذلك تحت شعار إيراني، متمثل في  ضرورة التعاون المشترك بين إيران وأفريقيا لهزيمة الهيمنة الغربية، وتحرير شعوب القارة  التي تعاني من تلك الهيمنة، وتأسيس جبهة موحدة تكون إيران طرفًا أساسيًا فيها لمواجهة نفوذ هذه الدول. على حد الزعم الإيراني.

ومنذ سبعينات القرن العشرين طرح نظام الملالي نفسه بديلًا للاستعمار الغربي الذي اتبع نهج تغريب المجتمعات الأفريقية إبان فترة استعماره لها بتغير  تعليم وثقافة هذه المجتمعات المستعمرة حتي تصبح تابعة له في كافة النواحي وتنفذ سياساته؛ وبنفس العقلية الغربية سعت إيران لاختراق هذه المجتمعات في المجال الثقافي، بتدشين مراكز ثقافية وتعليمية وحوزات دينية إضافة لمؤسسات إعلامية حتي يسهل السيطرة على العقل الأفريقي.

«هزيمة الهيمنة الغربية»..
طرق التغلغل الإيراني

أيضا سعت إيران لنشر المذهب الشيعي في دول القارة الأفريقية التي يأتي من بينها (نيجيريا وغانا ومالي وساحل العاج والسنغال، الكاميرون، الكونغو)، من خلال ثلاث طرق، أولهما طريقة  دينية تتمثل في بناء المساجد، وثانيها طريقة اجتماعية تتمثل في بناء المؤسسات الخيرية، وأما الثالثة عن طريق التعليم من خلال بناء المدارس والجامعات لتشكل فكر  الأجيال القادمة.

وتدعى إيران في البداية أنها آتية لمساعدة المسلمين السنة فقط عن طريق مراكزها الثقافية، ولم تكن تدعوهم للتشيع، بل على العكس كانت تقدم لهم تذاكر السفر لأداء العمرة سنويًّا وترميم منازلهم، وتدريجيًّا بدأت إيران في بناء مساجد وحسينيات دور كتب تنشر عقيدة الثورة الإيرانية حتى لاقت وفقا للأفارقة قبولًا واستحسانًا في أوساط الشباب السني.

وهناك عدة أمور ساهمت في نشر المذهب الشيعي وتقبل الشخصية الأفريقية له؛ منها سمات الشخصية الإفريقية المتقبلة للآخر، ومحبة المسلم الإفريقي لآل بيت النبي، كما أن التركيبة السكانية بيئة خصبة لنشر التشيع في الدول السنية الأفريقية؛ وهذا ما أدركته إيران ونفذت مخططها بناءً عليه، إضافة إلى استخدامها للجانب المادي عن طريق الأنشطة الثقافية والفنية التي تقوم بها للتأثير على الفئات الفقيرة وبعض المسلمين السنة المحبين لبعض الطرق الصوفية لتشييعهم، ولذلك ترسل الأسر الفقيرة أطفالها إلى المدارس المدعومة من إيران، ويتم تلقين الأطفال العقيدة الشيعية في تلك المدارس، وأحيانًا يتم تدريس بعض المناهج باللغة الفارسية.

على سبيل المثال، يوجد في نيجيريا نحو  50 مدرسة، وفي غانا هناك العديد من المؤسسات الدينية، مثل، مؤسسة أهل البيت، ومؤسسة الإمام الحسين، وغيرهم، إضافة لمكتبتان، وبعض المعاهد، والمساجد، وفي ساحل العاج هناك 12 مدرسة، و6 مراكز ثقافية، وفي السنغال أيضًا هناك المركز الثقافي الإيراني ومؤسسات أخري، وفي الكاميرون يوجد معهد أهل البيت، وفي الكونغو يوجد حوالي 16 مركزًا، وجامعة، بالإضافة لما يوجد في كل من أوغندا، وتنزايا، وكينيا، موزمبيق، كما أن السودان حظيت بالنسبة الأكبر؛ فبها العديد من المدارس، والمكتبات، والجمعيات الثقافية، الحسينيات، إضافة للمركز الثقافي الإيراني، ومعهد الإمام جعفر الصادق، إضافة لما يلي:


1.   السفارات الإيرانية كمراكز ثقافية: قامت السفارات الإيرانية في بلدان غرب أفريقيا عبر ملحقيها الثقافيين بمهام ثقافية تهدف لنشر العقيدة الفارسية الشيعية عبر طباعة وإصدار العديد من الكتب، وفتح المجال أمام تدريس المذهب الشيعي عبر المشاركة في مؤسسات تطوعية اجتماعية.

على سبيل المثال؛ ركزت السفارة الإيرانية في موريتانيا الواقعة في شمال غرب أفريقيا على قطاع التعليم، من خلال توزيع منحًا دراسية مجانية على الطلاب الموريتانيين، وذلك عبر وسطاء يبحثون في أوساط الشباب عن المهتمين بإجراء دراسات عليا في مجال الشريعة الإسلامية والبحوث الإسلامية، ونجم عن ذلك؛ تدافع الطالب الموريتاني للحصول على المنح الإيرانية؛ بسبب الإغراءات والمزايا التي تقدم لهم؛ إلا أنه بعض الطلبة أعلنوا أنهم عندما يصلون إلى إيران يجدون أمامهم مناهج دراسية مختلفة تمامًا عن تلك التي سافروا من أجل دراستها.


2.      مؤسسات إعلامية: تشهد تنزانيا الواقعة في شرق أفريقيا، تدخلات إيرانية على هيئة مراكز ثقافية، وحوزات دينية، بجانب بعض المؤسسات الإعلامية المتمثلة في مجلة "صوت بلال" الصادرة باللغة السواحيلية، ومحطة "عترة" الإذاعية، ومجلة "لايت" باللغة الإنجليزية، إضافة إلى حوزة "ولي العصر" في العاصمة التنزانية القديمة «دار السلام»، وفي نيجيريا، تمتلك طهران محطة إذاعية، تستغلها لتعزيز الوجود الشيعي ولتسهيل الانخراط في مشاريع المرشد  الإيراني، بنيجيريا.


3.      جمعيات ثقافية: قامت إيران بتدشين بعض جمعيات الثقافية الهادفة لنشر الفكر الشيعي وتصدير أفكار الولي الفقيه، ومحاولة جذب فئة الشباب لتجنيدهم ومن ثم الانضمام لقوات الحرس الثوري والقتال بجانبه ويصبحوا أذرع وأعين إيران داخل دول القارة، في منطقة ساحل العاج الواقعة بغرب أفريقيا، العديد من المؤسسات الثقافية التابعة للشيعة، من بينها، الجمعية الإسلامية الثقافية، وهي جمعية ثقافية إنمائية دعوية، إضافة إلى مجمع الزهراء الثقافي، والجمعية الإسلامية الثقافية للدعوة والإرشاد.

4.  المركز الثقافي الإيراني: يمثل المركز الثقافي الإيراني أهم الآليات الثقافية الإيرانية لنشر  عقيدتها، بتدعيم المشاركة في معارض الكتب والندوات الثقافية، ولذلك دشنت إيران أفرع لهذا المركز في العديد من بلدان القارة، كالسودان، السنغال وكينيا، وغيرهم، حيث بلغ عدد المراكز الثقافية والتعليمية نحو 32 مركزًا، ويتمثل نشاط المركز الإيراني في تنظيم دورات في تعلم اللغة الفارسية، وينظم رحلات سنوية للصحفيين لزيارة إيران إضافة لمسابقات في مجال القصة القصيرة والرواية، وافتتح أول مركز في العاصمة السودانية «الخرطوم» عام 1988 في عهد حكومة «الصادق المهدي»، إلا أنه بعد  وصول حكومة «عمر البشير» المدعومة من قبل الإسلاميين للحكم في عام 1989 تزايد نشاط المراكز الإيرانية وأعدادها.

«هزيمة الهيمنة الغربية»..
ثالثًا: مواجهة أفريقية

نتيجة لتوسع انتشار التشيع في دول القارة، قامت بعض دول القارة بالتصدي للمخطط الإيراني؛ كان أولها؛ السودان في سبتمبر 2014، أغلقت جميع الحسينيات الإيرانية والمراكز الثقافية الإيرانية وطرد موظفيها بتهمة «التبشير بالمذهب الشيعي» وأمهلت موظفيها 72 ساعة لمغادرة البلاد، ويرجع ذلك إلى تعرض الحكومة السودانية في ذلك الوقت لضغوط من تيارات سلفية بدأ نفوذها في التزايد وأصبحت تتحدث علنًا عن خطر شيعي من على منابر المساجد وصفحات الصحف.

وفي أغسطس 2018، قامت السلطات الموريتانية بمنع المنح الدراسية التي تقدمها السفارة الإيرانية التي سبق الإشارة إليها، وجهت السلطات الموريتانية رسالة إلى السفير الإيراني بنواكشوط أبلغته فيها بمنع هذه المنح الدراسية، وطلبت منه التوقف عن جميع أنشطته في مجال التعليم؛ لأنها تشكل تهديدًا لأمن البلاد.

والقرار الموريتاني يأتي بعدما أطلق الكثير من المثقفين والسياسيين ورجال الدين تحذيرات حول خطورة المشروع الإيراني في موريتانيا، معلنين رفضهم  لقيام سفارة دولة ما بنشر ثقافة ومذهب نتيجته النهائية هي الاقتتال والتشرذم والتفتيت، والعمل على تجنيد الشباب الأفريقي، والتلاعب بالمجال الديني والثقافي والأمني وتوظيفه لتنفيذ مخططات معروفة.

مما تقدم تبين أن النظام الإيراني ينتهج كل الوسائل والأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بهدف الهيمنة والسيطرة على منطقة القرن الإفريقى والتأكيد على أنها المرجع الديني والسياسي الأمثل في العالمين العربي والإسلامي، وذلك من خلال الحصول على موطئ قدم له في مدخل البحر الأحمر وإقامة قواعد عسكرية إيرانية في المنطقة، ويأتي هذا بعدما استغلت إيران الفراغ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي أحدثه البعد العربي عن الساحة الإفريقية، برفع شعار  «نصرة المستضعفين» في البلدان الإفريقية، مما جعل تلك البلدان أماكن خصبة لنشر الفكر الفارسي الشيعي.

مراجع:

§        خارطة النفوذ الإيراني في إفريقيا، موقع كيوبست، سبتمبر 2018،   https://cutt.ly/kth62ZP

§        عبدالملك على الحامدي، التوغل الإيراني في القارة الأفريقية، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية ، يوليو2016،https://cutt.ly/eth60GO

§        معتصم صديق عبدالله، الوجود الإيراني في إفريقيا.. الدوافع والأهداف، سبتمبر2016، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية،  https://cutt.ly/Oth61dE

§        السودان يغلق المراكز الثقافية الإيرانية ويرحل موظفيها، بي بي سي عربي، سبتمبر 2014، https://cutt.ly/Pth6LJR

§        بوزيدي يحيى، التشيع في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء: دراسة مقارنة، موقع الراصد، ديسمبر 2017،https://cutt.ly/Mtjqr2k

"