يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«داعش».. تنظيم تدوير الفتاوى وشرعنة الجرائم

الخميس 31/مايو/2018 - 11:05 ص
المرجع
هناء قنديل
طباعة
لم يخسرْ المسلمون على صعيد العلاقات مع المجتمعات الأخرى، وبخاصة الأوروبية، مثلما خسروا خلال السنوات الـ17 الأخيرة، وتحديدًا منذ وقوع هجوم 11 سبتمبر على برجي مركز التجارة العالمي، بالولايات المتحدة الأمريكيَّة، وما تلاه من اعتراف تنظيم القاعدة المتطرف بمسؤوليته عن تلك الحادثة، التي أودت بحياة أكثر من 3000 شخص، وعززت في نفوس معظم شعوب العالم شعورًا بالكراهية تجاه المسلمين بصفة عامة.

بعد هذا الحادث الكارثي انبرى عقلاء الأمة الإسلاميَّة، إلى تفنيد الأباطيل الموجهة للإسلام- كدين إلهي ورسالة سماوية- والدفاع عنه أمام اتهام منهجه بالتطرف والعنف وتفريخ الإرهابيين، في محاولة منهم لإزالة أو تخفيف آثار تلك الضربة اللاإنسانية التي وُجِّهَت للأبرياء.

إلا أن العالم فوجِئَ بمزيدٍ من أعمالِ العنفِ تجاهَ كل ما له علاقة بالحضارةِ الإنسانيةِ، على أيدي جماعة طالبان الأفغانية التي دمرت تاريخًا عريقًا للتراث الإنساني، في هجومٍ همجي على سلسلةٍ من المعابد، التي وقعت في يديها على رأسها معبد بوذا الأثري.

ولم يمضِ كثيرٌ من الوقت، حتى ظهر تنظيم "داعش"، الذي قضى على أي فرصة محتملة، لتخفيف حدة الإسلاموفوبيا (الرهاب الاجتماعي ضد الإسلام)؛ حيث ارتكب "داعش"، آلاف الجرائم الإرهابيَّة، وأسقط الآلاف من الضحايا، بأكثر الطرق دمويَّة وبشاعة على مدار التاريخ.

وبصرف النظرِ عما يتردد من تكهنات حول أن تنظيمي القاعدة، وداعش تقف وراءهما أجهزة مخابراتية لدول، تسعى لمحاربة الإسلام، ورغم العديد من البراهين التي تُرَجِّح صحة هذه الأطروحة، خاصةً بالنظر إلى القُدرات المالية، واللوجيستيَّة التي تمتع بها التنظيمان، وبخاصة "داعش"، فإننا أمام حقيقة مهمة، وهي أن هذه الجماعات المتطرفة، أوقعت ضررًا بالإسلام، لم يكن ليناله، من ألد أعدائه على مر العصور.

والمتتبع لخطايا التنظيمات الإرهابية، خاصة بعد ظهور "داعش"، يجد نفسه أمام حقيقة واضحة، وهي أن هذا التنظيم المتطرف، لم تقتصر جرائمه على العنف وإراقة الدماء، وإنما ارتكب جريمة أخرى- لا يقل في خطورته على الدين من جرائم قتل الأنفس البريئة- وهي جريمة تطويع الفتاوى، وإعادة تدويرها؛ من أجل شرعنة جرائمه بحق الإنسانية!

تدوير الفتوى لشرعنة الجرائم 
تعد شرعنة الجرائم عبر تدوير الفتاوى، أخطر الأزمات التي صدرها "داعش" للمجتمعات العربية، وخطورة الأزمة أنها ستظل قائمة حتى بعد أفول شمس التنظيم، بل ستجد أتباعًا جددًا، يتبنون الفكر المغلوط، الذي أنتجه التنظيم المتطرف، يعيدون تدوير الفتاوى ذاتها، والآراء الفقهيَّة بعينها، وتطويع كل ما جاء في كتب التراث، من أجل خدمة مصالهم وتحقيق أهدافهم. 

وإذا أضفنا إلى ذلك، حالة التراجع الكبيرة التي يعيشها الفقه المعاصر، وافتقاد المؤسسات الدينية قاطبة، القدرة الحقيقيَّة على التأثير المباشر في عقول المسلمين، نجد أنفسنا أمام خطرٍ داهمٍ، وهو تأصيل جديد وخاطئ للأفكار، التي أنتجها التطرف المنهجي القائم على مبدأ "الحاكمية".

فقد عمد مدورو الفتاوى ومشرعنو الجرائم في تنظم داعش إلى انتقائية خبيثة وتفسيرات ملتوية للنصوص الدينية، بما يسير في اتجاه مصلحتهم في كسب الأتباع وإقناعهم بأن ما يقترفونه من جرائم قتل وتدمير، إنما ينضوي تحت راية الجهاد العظيم في سبيل الله، مروجين تلك الفكرة الشيطانية وهذا الخلط الدموي بين معنى الجهاد كفريضة سامية للدفاع عن الإنسانية وبين الإرهاب كجريمة في حق الإنسانية.

وتحمل قائمة الانتقائيات الداعشية، من الفقه الإسلامي، الكثير والكثير من المغالطات، لم يكن تعريف الجهاد في غير موضعه الحقيقي، أو إباحة الذبح والقتل أخذًا بالنوايا وبعيدًا على ظاهر الإنسان، أولها، ولا قتل المستأمنين من غير المسلمين، أو ابتكار ما يعرف بنكاح الجهاد، إلى آخره.

ودأب هذا التنظيم الخبيث إلى استخدام الفتاوى الشاذة، لشرعنة مشاركة الأطفال، والنساء في أعمال العنف، وجواز الأعمال الانتحارية، بل واستخدام الأطفال والحيوانات في هذه الجرائم التي يندى لها الجبين الإنساني، في افتئات غير مسبوق على الإسلام. 

الآراء الشاذة حياة التنظيم

ويعتبر تنظيم داعش الفتاوى الشاذة، والآراء الفقهيَّة التي لم تثبت عن العلماء الثقات من المتقدمين والمعاصرين، هم أدواته التجنيد لضم الكثيرين إلى صفوف التنظيم، الذي أصبح يُعاني قلة المقاتلين في صفوفه، للدرجة التي لجأ التنظيم لتجنيد النساء والأطفال وحتى ذوي الإعاقة.

التأكيد على أن "داعش" يطوع ويعيد تدوير الفتاوى؛ ليبقى حيًّا يأتي واضحًا في ردود بعض الدوائر العلمية المهتمة بهذا الشأن، على افتراءات التنظيم، ومنها مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، الذي أكد أن تنظيم "داعش" يعمل دائمًا على تلبيس عملياته القتاليَّة بلباس من الشرع والدين، وترويج أحاديث ضعيفة تؤيد روايته وتعضددها.

وأضاف المرصد، في بيان أصدره حديثًا: "ترويج الأحاديث الضعيفة، والاستناد إليها في إراقة الدماء وقتل الأنفس، هو ديدن الحركات والجماعات الإرهابية عبر التاريخ؛ بهدف الحصول على المشروعيَّة الدينية والدعم المادي وتجنيد المزيد من المقاتلين الأجانب".

وأكد المرصد أن: "استمرار تنظيم داعش في نشر روايته وتصوره الصدامي يعكس رغبته وإصراره على جذب المزيد من المقاتلين الأجانب بدعاوى دينيَّة، كما أنه يؤيد ويعضد روايات صدام الحضارات ونهاية العالم التي تشكل كنزًا استراتيجيًّا، للتنظيمات المتطرفة واليمينية حول العالم".
"