يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الاتجاه شرقًا.. تداعيات الضغوط على مسار تركيا الخارجي

الأحد 12/يناير/2020 - 08:02 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

في 8 يناير 2020، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين؛ وذلك لتدشين خط أنابيب غاز جديد، ومناقشة الوضع في كل من ليبيا وسوريا.

الاتجاه شرقًا.. تداعيات

وجاءت الزيارة بعد لقاء الرئيس الروسي نظيره السوري بشار الأسد، في زيارة مفاجئة تمثل الأولى بعد زيادة مستوى التوتر الأمريكي – الإيراني على خلفية مقتل قائد فيلق القدس الإيراني «قاسم سليماني» في ضربة أمريكية في العراق، ومهاجمة إيران لقاعدة عين الأسد في العراق كرد على هذه العملية.


وجاءت أيضًا بالتزامن مع جملة من الضغوط التي تتعرض لها الدولتان من جانب الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بمشروع الغاز المشترك بينهما أو على خلفية التحركات التركية في منطقة شرق المتوسط، والتي تهدد الأمن الإقليمي ومستقبل الطاقة في هذه المنطقة، فيما يجسّد هذا المشروع الذي بدأ بناؤه عام 2017 التقارب القوي في العلاقات بين روسيا وتركيا بعد أزمة دبلوماسية عام 2015.

الاتجاه شرقًا.. تداعيات

دوافع الزيارة


تستهدف روسيا تعزيز دورها في المنطقة؛ خاصة فيما يتعلق بمجالات الطاقة؛ خاصة أن المنطقة تشهد حالة من الصراع على جيوبوليتك الطاقة في منطقة شرق المتوسط، وذلك من خلال الافتتاح الرمزي لخط تورك ستريم، الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا وجنوب أوروبا عبر البحر الأسود؛ حيث يزيد الخطان (توركستريم ونوردستريم) اللذان يمران تحت بحر البلطيق لروسيا بزيادة إمداداتها من الغاز إلى أوروبا بالالتفاف على أوكرانيا، ولعل هذا الأمر يعكس الهيمنة الروسية المتزايدة على أسواق الغاز الأوروبية، الأمر الذي دفع  بالولايات المتحدة إلى فرض عقوبات اقتصادية في ديسمبر 2019 على شركات مرتبطة بمشروعي توركستريم ونورد ستريم-2 الذي يقترب من الانتهاء.


ويتضمن مشروع توركستريم الذي تم تعليق العمل عليه مؤقتًا خلال فترة فتور في العلاقات الروسية – التركية في نوفمبر 2015، على خلفية إسقاط الطائرة الروسية، ويتضمن المشروع خطي أنابيب متوازيين يمتدان لأكثر من 900 كلم، وذلك في الوقت الذي تتطلع موسكو إلى خفض الشحنات عبر أوكرانيا. 


وعكست الزيارة التحسن الكبير في العلاقات بين روسيا وتركيا اللتين كانتا على شفير حرب قبل أقل من خمس سنوات بعد أن أسقطت تركيا طائرة روسية.


وتستغل كل من موسكو وأنقرة هذه الفرصة لمواصلة الحوار بشأن القضايا الأكثر إلحاحًا، أولاً وقبل كل شيء، العلاقات الروسية التركية الثنائية، فهي متعددة الأوجه، وهناك العديد من المشاريع الكبيرة على جدول الأعمال، والتي نحتاج باستمرار إلى التحدث والتحقق من عقارب الساعة، إضافة إلى المشكلات الإقليمية بما في ذلك الأزمة السورية، ولعل ما ساهم في تحسن العلاقات بين الدولتين عدد الاتفاقات الكبيرة في مجالي الطاقة والدفاع؛ حيث تقوم روسيا ببناء أول منشأة نووية لتركيا، وزودتها بمنظومة دفاع صاروخي إس 400.


وبالنسبة للتعاون في مجال الطاقة ومع بدء العمل بخط أنابيب الغاز الجديد، تؤمن تركيا تغذية مدنها الغربية الكبرى التي تستهلك كمية كبيرة من الطاقة، وتفرض نفسها كذلك ممرًا أساسيًّا لهذه المادة الحيوية، كما يتيح المشروع لروسيا تغذية جنوب أوروبا وجنوب غربها بالغاز دون الحاجة إلى المرور بأوكرانيا التي كانت الممر الرئيسي للغاز الروسي إلى أوروبا سابقًا، لكن ذلك تبدل مع تدهور العلاقات بين كييف وموسكو بشكل كبير منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وبدء النزاع مع الانفصاليين في شرق أوكرانيا عام 2014.

الاتجاه شرقًا.. تداعيات

صدام محتمل


من زاوية أخرى، وبرغم التقارب في تحقيق تعاون في أمن الطاقة فإن الدولتين تقفان على جانبين مختلفين من النزاع في سوريا، وقد تكونان في مسار تصادمي في ليبيا؛ خاصة بعدما وقعت تركيا اتفاقية أمنية مع حكومة الوفاق الليبية للوجود العسكري، والتي من شأنها أن تؤثر على المصالح الروسية هناك، في حين تتقاطع المصالح الروسية من خلال سوريا مع تلك التوترات التي تشهدها منطقة غاز شرق المتوسط؛ خاصة أن موسكو في ديسمبر 2017، وقّع الرئيس بوتين قانونًا لتوسيع قاعدتي طرطوس وحميميم؛ من أجل ترسيخ الوجود الدائم لروسيا في سوريا، وإلى جانب موانئ سوريا، تتطلع موسكو إلى مصر وليبيا، وكذلك إلى شمال أفريقيا على نطاق أوسع، ويمكن إرجاء ذلك إلى الطموحات الروسية الرامية إلى لعب دور جيوسياسي أكبر في شرق البحر الأبيض المتوسط.


وتأتي التحركات الروسية في منطقة شرق المتوسط، بعدما وقع الطرفان الروسي والسوري اتفاق «عقد عمريت» في 2013؛ من أجل التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، ويشمل عمليات تنقيب في مساحة 2190 كيلومترًا مربعًا، ويمتد على مدى 25 عامًا، بكلفة تبلغ 100 مليون دولار، بتمويل من روسيا، وفي حال اكتشف النفط أو الغاز بكميات تجارية، ستسترد موسكو النفقات من الإنتاج، واستحوذت شركتان روسيتان على ثلاثة مواقع للتنقيب عن البترول في سوريا، بعد توقيع كل من شركتي فيلادا وميركوري الروسيتين على العقود مع وزارة النفط السورية.


وعلى الجانب التركي صرح «أردوغان» بأن هناك 2500 من المرتزقة الروس تدعم المشير خليفة حفتر، وهو ما تنفيه موسكو، ومن جانب موسكو أعلن بوتين رفضه كل الأعمال العسكرية في ليبيا، والتوصل إلى حل يسمح بتوزيع صلاحيات الحكم بين الأطراف الليبية.


وقال بوتين: إن روسيا على اتصال مع جميع الفرقاء الليبيين، بما في ذلك رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، مشيرًا إلى مشاورات تجريها موسكو مع تركيا ودول أوروبية أخرى بهذا الإطار؛ خاصة بعد نقل تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا، وفق الاتفاق الأمني.


على الجانب السوري لا تزال سوريا تمثل برميل بارود محتملًا لعلاقة أردوغان وبوتين؛ خاصة بعدما صعدت القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا عمليات القصف التي استهدفت آخر معاقل المسلحين في محافظة إدلب في الفترة الأخيرة؛ ما أدى إلى نزوح آلاف الأشخاص باتجاه الحدود التركية.


الجدير بالذكر، أن هناك مكامن للخطر في مسار العلاقات بين الجانبين، تتمركز حول حدوث صدام مع موسكو، فحتى إذا كانت روسيا تنفي وجود جنود لها يقاتلون إلى جانب قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، فإن موسكو تمتلك الكثير من المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تريد أن تحافظ عليها والخطوات التركية الأخيرة بالنسبة لليبيا، من شأنها أن تهدد تلك المصالح، وتعيق جهود التسوية السياسية للأزمة.


المفارقة في الأمر أن الجانب التركي والروسي أظهرا حتى الآن أنه رغم التوتر والأزمات التي يمكن أن تشوب العلاقات بينهما، فإنهما يعرفان كيفية تجنب المواجهة المباشرة، وفي هذا السياق تشير التجربة السورية في السنوات الأخيرة إلى إمكانية تعايش أردوغان مع نظيره الروسي، رغم تناقض المواقف السياسية والعسكرية في سوريا، خصوصًا في محافظة إدلب.


للمزيد:مقامرة على مستنقع.. أردوغان الطامع في ليبيا يقود تركيا نحو الهاوية

الاتجاه شرقًا.. تداعيات

تقليل الضغوط


تتعرض أنقرة لجملة من الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية على خلفية مسارات سياستها في المنطقة بشكل عام، وتجاه الأوضاع في ليبيا بصورة خاصة، وذلك بعدما عزمت على التدخل العسكري سواء بإرسال المستشارين العسكريين التابعين لها أو من خلال بعض الميليشيات التابعة لها في الأراضي السورية مثل هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة» سابقًا –تنظيم حراس الدين– الحزب الإسلامي التركستاني المعروف بـالإيجور، إضافة إلى الفصائل المسلحة التي تقاتل تحت اسم الجيش الحر، مثل الكتل العسكرية العاملة في درع الفرات – جبهة التحرير الوطنية – جيش العزة، بجانب الفصائل المسلحة المهجرة مثل جيش الإسلام – فيلق الرحمن – لواء شهداء الإسلام داريا – حركة تحرير الوطن.


ولعل اتجاهها نحو توقيع هذه الاتفاقية جاء كبداية عن الرفض الذي تتعرض له على خلفية نشاطاتها غير المشروعة للتنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط، في محاولة منها لتعظيم مكاسبها من خلال الانخراط غير الشرعي على المستويين الداخلي الليبي أو في المنطقة الإقليمية لشرق المتوسط، كما أن لهذه الضغوط العديد من الانعكاسات على مسار حركة تركيا الخارجية؛ حيث عملت على الذهاب إلى تحقيق تفاهم فيما يتعلق بأمن الطاقة من الجانب الروسي كامتداد لسياستها في المنطقة في محاولة من جانبها للاستحواذ على بعض المقدرات من جهة الشرق، وذلك بعدما تم استبعاد تركيا من التفاهم الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص فيما يتعلق بإنشاء خط الغاز (إيست ميد)، والذي تم بموافقة الولايات المتحدة، الأمر الذي عمل على زيادة حجم الضغوط التي تواجهها تركيا وذلك بعدما برز المتغير الأمريكي بصورة غير مباشرة تجاه الضغط على تركيا في الكثير من الملفات.


ولكن في منطقة غاز شرق المتوسط فإن السياسة الأمريكية بدأت تتكشف في الظهور، بعدما أقر الكونجرس في 17 ديسمبر 2019 رفع الحظر المفروض على قبرص والمفروض عليها منذ 1987، في خطوة تنطوي على تحدٍّ لتركيا عبر السعي لتعزيز العلاقات الأمريكية مع الجزيرة المتوسطية، وسط التوتر المتصاعد بين أنقرة وواشنطن في الكثير من الملفات، أبرزها العلاقات العسكرية مع الجانب الروسي.


للمزيد:أردوغان يستغل الأقليات التركية في مخطط الخلافة المشبوة (١-٢)


ختامًا: تحاول أنقرة الاستفادة من الضغوط التي تتعرض لها في منطقة شرق المتوسط نحو تعظيم مكاسبها في خريطة توزيع الطاقة، ولكن هذه المرة من ناحية الشرق بالتعاون مع الجانب الروسي في مجال الطاقة؛ خاصة أن تركيا تفتقر لهذه الخاصية من الموارد.


وفي كل الأحوال فإن أنقرة برغم التوافق مع روسيا فإن ذلك انعكس على العلاقات مع الولايات المتحدة والجانب الأوروبي، ولعل هناك ملامح جديدة سلبية ستتجلى بصورة واضحة على مسارات تركيا الخارجية ما لم تتراجع عن موازنة دورها من خلال التناقضات بين الدول؛ لأن ذلك سيؤثر عليها بصورة مباشرة؛ خاصة أنها انخرطت في الكثير من البؤر الصراعية، في محاولة من جانبها لفرض نفسها في المعادلة السياسية الخاصة بتلك المناطق.

الاتجاه شرقًا.. تداعيات

المراجع:

1) أردوغان وبوتين دشّنا خطّ «تورك ستريم» لنقل الغاز إلى تركيا وأوروبا، على الرابط: https://2u.pw/04Aig

2) بوتين يزور تركيا لبحث ملفي ليبيا وسوريا وتدشين أنبوب غاز، على الرابط: https://bit.ly/39TPLGI

3) أردوغان: بوتين يزور تركيا الأربعاء، على الرابط: https://bit.ly/2N7W6o6

4) الغاز الروسي يصل إلى أوروبا عبر تركيا، على الرابط: https://bit.ly/37W6is1

"