يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التمرد والانشقاق.. مستقبل بائس ينتظره الحُوثيون

السبت 26/مايو/2018 - 10:39 ص
المرجع
طه علي أحمد
طباعة
تصاعدت في الآونة الأخيرة موجةً من التحديات أمام جماعة الحوثيين في اليمن، تمثل آخرها في تمرد عدد من أفراد الجماعة على القرارات الصادرة عن القيادات؛ ما يعكس حالة من الارتباك داخل صفوفها، وعدم قدرتها على السيطرة على زمام الأمور.
 
كما رفض عدد من ضباط الكلية الحربية في محافظة الحديدة، الانصياع لأوامر صادرة عن محافظها، «أبوعلي الكحلاني» بتسليم أحد زملائهم، واستعادة ما حصلوا عليه من أسلحة أثناء دفاعهم عن زميلهم، بعد أن تعرض الأخير للاعتداء داخل أحد مراكز الشرطة بالحديدة قبل ذلك بيوم.
 
وكشفت هذه الواقعة عن جسامة الأزمة التي يعاني منها الحوثيون، خاصة بعد أن تمكن عدد من الضباط من السيطرة على أسلحة خاصة بميليشيات الحوثي بعد حصارهم القسم، واستيلائهم على الأسلحة الموجودة فيه؛ ما يسبب بدوره انتكاسةً معنويةً للحوثيين في الميدان.
 
ويفتح ذلك التطور آفاق التساؤل حول تاريخ ظاهرة الانشقاقات ومستقبلها في المشهد المتأزم بين الحوثيين والدولة اليمنية. 

ويرجع تاريخ الانقسام والانشقاق داخل جماعة الحوثي، إلى مراحلها الأولى، حينما انشق محمد سالم عزان أول أمين عام لما يُعرف بـ«تنظيم الشباب المؤمن»، الذي أصدر مؤسس الجماعة «بدرالدين الحوثي»، فتوى إهدار دمه عام 2004، لينفرد الحوثي بعدها بزمام الأمور داخل الجماعة. 

وأخيرًا، لم يكن ذلك التمرد على أوامر القيادات الحوثية هو الوحيد من نوعه؛ فقد رفض اثنان من أبرز قيادات الصف الأول تنفيذ تكاليف وجَّه بها زعيم الجماعة، بالنزول الميداني إلى محافظة الحديدة؛ لاستكمال ما بدأه القيادي الحوثي صالح الصماد، من تحركات ومساعٍ لحشد مقاتلين جدد؛ الأمر الذي كشف التصدعات التي تعاني منها منظومة اتخاذ القرار في الجماعة، خاصة بعد تمكن التحالف العربي بقيادة السعودية من استهداف عدد من القيادات السياسية والميدانية المؤثرة، التي أهمها عملية اغتيال رئيس ما يُعرف بالمجلس السياسي الأعلى صالح الصماد بمحافظة الحديدة.

لم ينفصل مقتل «الصماد» عن مظاهر التمرد التي تعصف بجماعة الحوثي أخيرًا، فقد تخلف 5 من القيادات البارزة عن حضور مراسم تشييع جثمانه، والحال نفسها بالنسبة لعملية تنصيب «مهدي المشاط» خلفًا لــ«الصماد»؛ حيث تَغيَّب عن تلك المناسبة عدد من قيادات الجماعة، في مقدمتهم محمد علي الحوثي (ابن عم عبدالملك الحوثي زعيم الجماعة)، وعبدالكريم الحوثي (عم عبدالملك الحوثي) رئيس المكتب التنفيذي للمجلس السياسي الحوثي، الذي يُعدُّ الحاكم الفعلي للعاصمة صنعاء، اعتراضًا على تنصيب «المشاط»، الذي لا يحظى بالإجماع بين صفوف الجماعة؛ الأمر الذي يكشف بدوره اتساع نطاق التمرد الداخلي. 

فضلًا عن ذلك، فإن تعيين «المشاط» أَحْدَثَ تصدعاتٍ كبيرةً في بنية التحالفات القائمة داخل الجماعة، كما أثار حالةً واضحةً من السخط والغضب، في الأوساط القيادية على مختلف مستوياتها. 

تعاظمت حدة الانشقاقات داخل أوساط الحوثيين، عقب مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وما صاحبه من تنامٍ لظاهرة اغتيال القيادات العسكرية الحوثية، مثل العميد علي الغراسي، نائب الأمن المركزي الذي قُتِل داخل منزله، ومحمد الغيلي مشرف منطقة سعوان برصاص مسلحين مجهولين في الحالتين، وهو ما تزامن مع قتل عدد من مشرفي الحوثيين في صنعاء خلال عمليات غامضة؛ حيث اتجهت أصابع الاتهام إلى «أبوعلي الحاكم» القيادي الحوثي، ومسؤول الاستخبارات العسكرية؛ الأمر الذي يعزز صراعات الأجنحة داخل جماعة الحوثي. 

وتشهد الجماعة صراعًا ملحوظًا بين القيادات المنتمية إلى محافظة صنعاء من جهة، والمنتمين إلى محافظة صعدة التي تحظى بثقة أكبر من عبدالملك الحوثي من جهة أخرى، وهو الصراع الذي تعزز بشكل واضح بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح؛ حيث يرتبط ذلك بامتدادات قبلية يستند إليها كل جناح على حدة.
 
بجانب الاضطرابات السياسية، ارتبطت تعقيدات الأزمة السياسية اليمنية بعدد من حالات الانشقاق التي تزامنت مع التطورات المرتبطة بالعمليات الميدانية، فقد أعلن القياديان الحوثيان محمد صالح السنتيل، وناجي يحيى السنتيل، انشقاقهما، وانضمامهما إلى قوات التحالف بمحافظة الجرف شمال اليمن في أول أبريل الماضي، وهو ما أعقبه قيام 3 آخرين من القيادات الميدانية بتسليم أنفسهم وهم (مبارك الفعر، وآمر مبارك، وعلي عمر) وقد سبقهم القيادي مبخوت الحصان (من قبائل بني نوف) ومعه محمد محسن جريم وبصحبته 10 من أفراده؛ حيث انضموا جميعًا إلى صفوف الجيش اليمني.

كما أعلن أحد قادة لواء الدفاع الساحلي التابع لميليشيات الحوثي، العقيد الركن هاني حسن علي قيوع، انشقاقه بعد فراره من مدينة الحديدة في يناير الماضي، وكان قد سبقه في ذلك انشقاق القيادي الحوثي المسؤول عن جبهة حيس والخوخة بالساحل الغربي اليمني، إبراهيم عذابو مع 150 مسلحًا تابعين له، وانضمامهم إلى الجيش الوطني. 

وكانت صفوف علي عبدالله صالح قد شهدت سابقًا حالة واضحة من الانشقاقات؛ إذ انضمت سرية مكونة من 50 جنديًّا وضابطًا من قوات الحرس الجمهوري والموالية لصالح في بلدة نهم شرق صنعاء إلى الجيش الوطني، فضلًا عن انضمام اللواء 14 مدرع إلى معسكر «صحن الجن» في وقت سابق بمحافظة مأرب. 

وخلال الفترة الأخيرة طفت الانشقاقات على السطح، حينما تجاوز محمد علي الحوثي رئيس ما يعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» صلاحيات رئيس «المجلس السياسي الأعلى» قبيل مقتل «الصَّمَّاد»، وقيامه بتبني مبادرة سياسية وجّهها باسم الجماعة إلى مجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، وهي المبادرة التي زعم أنها تهدف لإيقاف الحرب في اليمن. 

أخيرًا، فإن الجماعة التي نشأت من رحم التمرد على الدولة اليمنية لصالح قوى خارجية، تعاني نفسها من ويلات التمرد ذاته؛ الأمر الذي يلقي بظلاله على مستقبل بائس ينتظره الحوثيون، فإذا أضفنا ذلك إلى تحديات أخرى تفرضها العمليات الميدانية، خاصة بعد تمكن قوات المقاومة الوطنية التي يقودها العميد طارق صالح (نجل شقيق الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح)، مدعومة بقوات «التحالف العربي» من تحقيق انتصارات ميدانية، تمثلت آخرها في السيطرة على منطقة قطابة الاستراتيجية في الساحل الغربي، وما صاحب ذلك من فرار للعشرات، ومقتل ما يزيد على 60 مسلحًا؛ فإن ذلك الأمر يضع مصير الجماعة في نفق مظلم.

الكلمات المفتاحية

"