يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الحشاشون» والجماعات الإرهابية.. تشابه إلى حدِّ التطابق

الثلاثاء 22/مايو/2018 - 08:08 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
ما أشبه اليوم بالبارحة، فمنذ ألف عام تقريبًا كان الوضع السياسي للمسلمين متسمًا بالتشرذم والتخبط والانحراف في البوصلة السياسية، ومن خلال قراءة المشهد السياسي للدول والممالك الإسلامية في ذلك الزمان ومقارنته بالوضع الحالي، نجد أن حالة المسلمين وقتها لم تختلف عن حالنا اليوم، فقديمًا تفاقمت حالة التشرذم المذهبي بين الخلافة العباسية (السنية) في بغداد، والخلافة الفاطمية (الشيعية) في القاهرة، وحديثًا يشتعل الصراع المذهبي في بلاد الشام، ويصل إلى أوجه بين المذهبين السني والشيعي. 

«الحشاشون» والجماعات
كما انتشرت الجماعات الإسلاموية الشيعية، متخذة من الإرهاب وسيلةً لنشر دعوتها، إذ ظهرت في ذلك الوقت طائفة الحشاشين (1090) على يد مؤسسها «حسن الصباح» (1050 ــ 1124) في قلعة «آلموت Almoutte» في بلاد فارس (إيران حاليًّا)، واليوم نجد عشرات الميليشيات التي توزع عملياتها الإرهابية في الوطن العربي، مثل ما يُعرف بـ«فيلق القدس وحزب الله وجماعة الحوثي».

وفي خضم هذا المشهد السياسي المضطرب، نجحت القوى الصليبية في احتلال مدينة القدس عام 1099، وهو الأمر الذي يتكرر اليوم؛ حيث سقطت المدينة المقدسة في قبضة الإسرائيليين، منذ أربعة عقود، واليوم نقلت واشنطن عاصمتها في إسرائيل إلى القدس أمام مرأى ومسمع أعين الجماعات الإسلاموية المتطرفة.

القدس وغياب البوصلة
عجلة التاريخ دائمًا تحمل لنا إشارات لعلنا ندركها ونفهمها، فاليوم (22 مايو) ذكرى محاولة اغتيال السلطان «صلاح الدين الأيوبي» عام 1176 -الذي كرَّس حياته دفاعًا عن القدس- على يد أحد أتباع طائفة الحشاشين بالقرب من مدينة حلب، وفي عصرنا الحالي يحمل الشهر ذاته (مايو) المزيد من الذكريات السلبية الخاصة بمدينة القدس، ففي 14 مايو 1948 أُعلنت دولة إسرائيل، وفي اليوم ذاته بعد سبعة عقود نُقلت السفارة الأمريكية إلى القدس.

احتلت قضية القدس موقعًا هامشيًّا في تحركات الجماعات الإسلاموية قديمًا وحديثًا، فطائفة الحشاشين لم توجه أي ضربات مؤثرة للوجود الصليبي في بيت المقدس، كما أن العديد من الشواهد التاريخية أثبتت التعاون مع الصليبين، واليوم نجد حالة من التجاهل التام لقضية القدس في تحركات الجماعات الإرهابية كداعش والقاعدة، أما حزب الله فاستغل قضية القدس للمتاجرة بها وتحقيق أغراضه، وأغراض نظام الولي الفقيه في إيران.

ومما سبق نستنتج أن بوصلة الجماعات الإسلاموية المتطرفة قديمًا وحديثًا كانت دائمًا منحرفة وغير مضبوطة، فبدلًا من تحقيق مقولاتها في الدفاع عن المسلمين، رأينا تلك الجماعات توجه سهامها تجاه الدول الإسلامية لتقويضها لصالح العدو المتربص، وتعزف عن مقاومة المحتل، سواء كان صليبيًّا أم صهيونيًّا.

الحشاشون والجماعات الإسلاموية.. تشابه حد التطابق 
تتطابق الجماعات الإسلاموية الراهنة مع طائفة الحشاشين التي انتشرت في العصور الوسطي، ما يجعلنا نقول إن جماعات اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي لطائفة الحشاشين التي كانت لها سمعة دموية في العصور الماضية بلغت الآفاق، ومنها على سبيل المثال:
«الحشاشون» والجماعات
المنشأ الإيراني: ما يثير الدهشة ارتباط الجماعات المتطرفة بإيران قديما وحديثا، فقديمًا اتخذت طائفة الحشاشين من «قلعة الموت» في خرسان مقرًّا لها، كما أن «حسن الصباح» من مواليد مدينة «قم»، وحديثا خرجت الجماعات المتطرفة الشيعية كحزب الله، والحوثي من رحم ولاية الفقيه في إيران، التي تمتلك أيضًا علاقات قوية بالقاعدة وطالبان، ومعظم الجماعات السنية المتطرفة.

تقويض الدول: اتفق الطرفان الحشاشون والجماعات المتطرفة الحديثة على مبدأ تقويض الدول، والعمل على انهيارها، فالحشاشون عملوا على قتل السلاطين المسلمين الأقوياء، كمحاولة اغتيال صلاح الدين مرتين، الأولى في ديسمبر 1174، والثانية في مايو 1176، كما تمَّ اغتيال الوزير القوي «نظام الملك» عام 1092 وزير الدولة السلجوقية، ما عجل بانهيارها.

الطاعة المطلقة: من أبرز نقاط التشابه بين الجانبين، فكرة الطاعة المطلقة، فمعروف عن طائفة الحشاشون الطاعة العمياء التي يبديها أبناء الطائفة تجاه سيدهم، وهو الأمر الذي نجده حاليًّا في الجماعات المتطرفة، حيث الطاعة المطلقة للأمير أو المرشد.

فرق الموت: تتشابه جماعة الحشاشين مع الجماعات المتطرفة الحديثة في تأسيس «فرق الموت» من أجل اغتيال أعدائها، فالحشاشون لديهم فرق موت نجحت في اغتيال العديد من أعداء الطائفة من سلاطين وشيوخ، وحديثًا لجأ أولى الجماعات الإسلاموية "جماعة الإخوان" إلى إنشاء جهازها الخاص لاغتيال وتصفية معارضيها.

تكتيكات الانغماسين: تكتيك الانغماسين أحد أبرز طرق الجماعات الإرهابية حديثًا في تنفيذ عملياتها الإرهابية، لكن أول من وضع قواعد هذا التكتيك وطوره كان الحشاشون، حيث كان كان الانغماسي لديهم ينخرط بشكل كامل في الحياة العامة، وعدم إبداء أي ملاحظات تدل على هويتهم، وفي اللحظة المناسبة ينقضون على فريستهم، وهو ما حدث في محاولة اغتيال صلاح الدين، حيث انخرط أحد مقاتلي الحشاشين في صفوف جيش صلاح الدين وعند اقترابه منه انقض عليه، ولولا الدروع الحديدة لكان صلاح الدين في قائمة اغتيالات الحشاشين.

ثقافة الموت وحقول الإلياذة: الجماعات المتطرفة حاليًّا تعزز من ثقافة الموت لدى أتباعها، بتصوير لهم أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وترغيبهم بالجنة ونعيمها، وما بها من حور العين، لذا عليهم أن يكونوا مستعدين للموت، وهي ذات الفكرة التي اتبعها «حسن الصباح» مع أتباعه حين صَوَّر لهم الجنة، وحقول الإلياذة ترغيبًا لهم في الموت والشهادة.

المخدِّرات: تتلاحق الاتهامات للجماعات الإرهابية المتطرفة مثل تنظيم القاعدة في الاتجار في المخدرات لتحقيق التمويل الخاص بها، أما طائفة الحشاشون فمن اسمها يتضح ارتباطها الوثيق بتعاطي المواد المخدرة.

الشعارات البراقة: تدعي الجماعات الإسلاموية المتطرفة الحديثة أنها جاءت لتحرير الفرد من عبودية البشر ليكون في عبودية رب البشر، وإزاء هذا المبدأ الفضفاض نجحت تلك الجماعات في تجنيد المزيد من العناصر الإرهابية المتطرفة، أما جماعة الحشاشون فانطلقت دعوتها في الأساس بين العبيد تحت دعاوى تحريرهم من نير الذل والعبودية.

الإعلام: الجماعات الإسلاموية المتطرفة عموما لديها الهوس الإعلامي، فغالبًا ما تلجأ إلى إصدار المرئيات التي توثق عملياتها الإرهابية، أما طائفة الحشاشين فلجأت هي الأخرى إلى ترويج عملياتها الإرهابية عبر وسائلها الإعلامية المتاحة في ذلك الوقت، فمثلا خلال عمليات الاغتيال التي ارتكبتها كان يقوم منفذ الجريمة بالصراخ باسم «حسن الصباح» أثناء التنفيذ، كما كان يتم إعداد لوح يُنقش عليه اسم عمليات الاغتيال ومنفذيها كنوع من تخليد ذكراها.

وأخيرًا.. نجد أن الجماعات الإسلاموية سواء قديمًا أو حديثًا تتشابه في أفكارها ومبادئها وتكتيكاتها القتالية والتنظيمية، كما تلعب دورًا كبيرًا في تقويض الدول الإسلامية وانهيارها، فالحشاشون عملوا على إسقاط الدول الإسلامية، ومحاولة إسقاط دولة صلاح الدين الأيوبي الذي نجح في تحرير القدس، واليوم الجماعات المتطرفة تنتهج نفس المسلك في تقويض الدول وانهياريها مثلما حدث في سوريا والعراق وليبيا.
"