يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تكفير الأنبياء.. حكاية عنبر مُجَمَّع الأديان في ليمان طرة

الخميس 10/مايو/2018 - 10:34 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
عبد الهادي ربيع
طباعة
«انقلب السحر على الساحر»، عبارة تنطبق على حال كثير من الجماعات التكفيرية في السجون المصرية في تسعينيات القرن العشرين، فبعد أن كان بعضها يكتفي بتكفير الحكام ومن عاونهم من العاملين في الحكومة أو العلماء، ظهرت مدارس تكفيرية أخرى تكفر غيرها من جماعات التكفير، حتى وصل بإحداها الأمر إلى تكفير الأنبياء، وعلى رأسهم النبي محمد الذي يؤمن عامة المسلمين في عصمته مثل كل الأنبياء المصطفين، وأنه المبلغ بالشريعة، وأن سنته المصدر الثاني للتشريع؛ ليصل بهم الأمر من خلال ذلك لتكفير أنفسهم.


وتقوم فكرة الجماعات المتطرفة على مبادئ التكفير انطلاقًا من قاعدة الحاكمية التي تقول: إن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله كافر، وبدأت فكرة الحاكمية على يد منظر هذا الاتجاه «أبوالأعلى المودودي» (باكستاني توفي عام 1979)، وتطورت الفكرة على يد مُنَظِّر جماعة الإخوان (أسسها حسن البنا عام 1928)، وسيد قطب (أعدم عام 1966) الذي حمل لواء تكفير المجتمعات الإسلاميَّة، ونادى بجاهلية المجتمعات، التي لا تحكم بالشريعة حسب فهمه.

وخرجت من رحم جماعة الإخوان تنظيمات عدة تكفيرية، مثل تنظيم الجهاد والجماعة الإسلاميَّة وغيرهما، ويكشف القيادي السابق بجماعة التكفير والهجرة «نهرو طنطاوي» (توفي 2016) في مذكراته، أنه كان يظن أن المدارس الجهادية تقتصر على الجماعتين التي مر بهما، ولكنه فوجيء- بعد أن أدخل سجن ليمان طرة- بأكثر من 25 مدرسة تكفيرية تعرف عليها في عنبر (ب) الذي أطلق عليه قيادات الجماعات التكفيرية- تندرًا- «مجمع الأديان»؛ لما يحتويه من مدارس تكفيرية عديدة، يُكفر كل منها الآخر.


«المرجع» يرصد أشهر هذه الجماعات التي أشار إليها القيادي السابق بجماعة التكفير والهجرة، وكانت هذه الجماعة لا تكتفي بتكفير الحكام أو «أطياف الحكام» العاملين في الدولة باعتبارهم لا يحكمون بشرع الله بل تجاوزت ذلك إلى كل الجماعات التي هي أدنى منها في سلم التكفير، كجماعات الإخوان والدعوة السلفية والتكفير والهجرة والشوقيين وغيرهم.

كما توجد داخل العنبر جماعة التكفير والهجرة أو جماعة «المسلمون» كما أطلقت على نفسها، وأسس هذه الجماعة شكري مصطفى داخل السجن، وتبلورت أفكارها في تكفير الحكام بإطلاق (كل حكام الأرض)؛ لعدم حكمهم بشرع الله، كما تكفر المواطنين باعتبارهم راضين عن كفر الحكام، إضافة إلى تكفير العلماء الذين لم يكفروا الحكام، ودعت هذه الجماعة للهجرة بمعنى اعتزال المجتمع الكافر– الجاهلي حسب وصفهم- خاصة المساجد التي يسمونها معابد الجاهلية.

وانشق عن جماعة التكفير والهجرة داخل العنبر جماعة أخرى على المبادئ خاصىة موضوع البيعة، ففي حين ترى التكفير والهجرة أن من يخرج عن طاعة ولي الأمر المسلم في نظرهم كافر، فترى الجماعة الجديدة أنه لا يزال مؤمنًا لتكفيره الحكام الكفرة مع ارتكابه لمعصية صغيرة لا يكفر بها؛ لخروجه عن بيعة ولي الأمر الشرعي في نظرهم. 

إضافة إلى جماعة تؤمن وتدعي تكفير (من لم يكفر الكافر)، باعتبار أن من لم يكفر الكافر ينكر جزءًا من الدين المدعى عندهم فيخرجون بذلك عن صحيح الدين ويصبحون كفارًا، لتدخل في تكفيرها جماعة الإخوان وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وجماعة التبليغ والدعوة، باعتبارهم لا يكفرون المسيحيين ولا صغار الموظفين في الدولة، وغيرها من الطوائف التي يؤمن أبناء هذه الجماعة بتكفيرهم.

ووجد داخل العنبر أيضًا أتباع جماعة الشوقيين الذي أسسه «شوقي الشيخ» في الفيوم، بعد انشقاقه عن الجماعة الإسلامية وتكفيره لزعيمها الروحي عمر عبدالرحمن، وتشابهت الجماعة مع غيرها من الجماعات الأخرى في تكفير المجتمعات والجماعات الإسلاميَّة الأخرى، إلا أنها قسمتهم إلى «كافر محارب» و«كافر مسالم»، وكانت ترى الجماعة حل السطو على محلات الذهب الخاصة بالمسيحيين باعتبارهم كفارًا، وقد انشقت عن هذه الجماعة في السجون مجموعة أخرى، أطلق عليها جماعة البكريين، ويرجع سبب انشقاقها لخلاف فقهي حول العمل في البنوك، الذي كانوا يرون حرمته، وكفر من يعمل به.

وتفرعت عن الجماعات التكفيرية الأخرى جماعات عدة تكفر على اختلافات فقهية فمنهم من كفر من يقبل الوظائف الحكومية، أو من يلتحق بالمدارس في المجتمعات التي يرونها كافرة، وهو منهج قريب من مبادئ جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا التي تكفر العمل بالمدارس الأوروبية وجماعة تكفر من يحمل بطاقة الهوية الشخصية باعتبارها اعترافًا بسلطة الحاكم الكافر الذي يحكم بقانون وضعي، كما ظهرت جماعة تكفر من يقدم تظلمًا من قرار اعتقاله، أو من يقبل زيارته داخل السجن، باعتبار أن كل ذلك اعتراف بالسلطة الحاكمة التي يكفرونها.

ولكن أبرز هذه الجماعات على الإطلاق كان جماعة الكفر اللحظي التي لم تشبع من تكفير كل ما سبق ليمتد بها الحال لتكفير الأنبياء كفرًا لحظيًّا فرأت أن نبي الله موسى كفر حين يئس من رحمة الله وألقى الألواح، كما كفر النبي إبراهيم حين قال: إني سقيم ولم يكن سقيمًا، كذلك كفرت النبي محمد نفسه في غزوة بدر، مستدلين بآية (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، التي يقولون عنها: إن هذا العذاب لا يأتي إلا لكافر.

لم تجتمع هذه الجماعات على شيء إلا التكفير، وكانت كثيرًا ما تقام المشاحنات والنقاشات الحادة بين أعضائها لينتهي بها الحال، ليصلي كل واحد منفردًا وهم في عنبر واحد؛ لأنهم يكفرون بعضهم بعضًا، ومنهم من كفّر نفسه على منهج الكفر اللحظي.
"