يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الانتخابات اللبنانيَّة.. هيمنة «فتى إيران المدلل»

الثلاثاء 08/مايو/2018 - 10:09 م
المرجع
أحمد سامي عبد الفتاح
طباعة
مثَّلت الانتخابات النيابية اللبنانية الحالية، مرحلةً جديدةً في تعميق وجود «حزب الله»، وترسيخ سيطرته على المؤسسات اللبنانية؛ حيث تصدر التحالف الشيعي المكون من الحزب وحركة أمل، الفوز بـــ29 مقعدًا، فيما حل تيار المستقبل السُّنِّي، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري في المركز الثاني بـ21 مقعدًا، ليخسر بذلك ثلث مقاعده في البرلمان الحالي، والتي تبلغ 33 مقعدًا. 

وفي السياق نفسه، حقق «حزب القوات اللبنانيَّة» المسيحي، الذي يتزعمه «سمير جعجع» والمناهض لحزب الله الشيعي فوزًا ملموسًا؛ حيث نجح تقريبًا في مضاعفة عدد مقاعده في البرلمان من 8 إلى 15 مقعدًا.

بقاء اتفاق الطائف
ورغم تحقيق التحالف الشيعي -المكون من حزب الله وحركة أمل- الأكثرية البرلمانية، فإن تحالفه مع بعض الأحزب الداعمة له -بما في ذلك التيار الوطني الحر التابع لكل من وزير الخارجية جبران باسيل، ورئيس الدولة ميشال عون- مكنَّه من حصد 67 مقعدًا من إجمالي عدد المقاعد البالغ 128 مقعدًا. 

ورغم ذلك، تبقى فكرة «المحاصصة الطائفية» للمناصب السياسيَّة التي أقرها اتفاق الطائف -الذي وُقع بين أطراف الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي- قائمة، حيث يحوز المسلمون السنة -بغض النظر عن نتيجة الانتخابات- منصب رئيس الوزراء، في حين يحصل كل من المسلمين الشيعة والمسيحيين على منصبي رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية على التوالي. 

الدلالات السياسية
تحملُ نتائج الانتخابات في مضمونها معاني عدة، أبرزها تراجع نموذج القائد السني الذي يسعى «الحريري» لتمثيله بصفته زعيم الكتلة السنية الأكبر في البرلمان- تيار المستقبل، ولا يعني احتمالية احتفاظ «الحريري» بمنصبه خروجه قويًّا من المعركة الانتخابية، أو بقاء الوضع كما عليه الآن؛ لأن قدرته على الاحتفاظ بمنصبه تتوقف على مدى نجاحه في تحقيق نوع من التوافق السياسي مع التحالف الشيعي الفائز بالانتخابات، ما يعني احتمالية خضوعه لابتزازات سياسيَّة مثل القبول بمسألة سلاح «حزب الله».

وهنا يتعين أن نشير إلى أن رغبة «حزب الله» في تصدير واجهة سنية مرغوبة إقليميًّا ودوليًّا، مثل سعد الحريري، سوف تلعب دورًا في دفعه نحو التوافق مع «الحريري» بشروط خاصة، لا يمكن تجاوزها، مثل ملف السياسة الخارجية، أو نشاط الحزب العسكري في الإقليم العربي، خاصة والخليجي عامة. 

بيد أن الخيارات أمام «الحريري»، ستكون ضيقة للغاية، لأن استبداله في منصب رئيس الوزراء يعني فقدان حزبه -تيار المستقبل- مكانه التاريخي في قيادة السُّنَّة، فضلًا عن سهولة حصول حزب الله على رئيس وزراء آخر، ما يرجح احتمالية التوافق بين الطرفين تحت مسمى دعم الاستقرار الداخلي للبنان. 

ونستخلص من ذلك أن الانتخابات اللبنانيَّة جعلت من حزب الله مسيطرًا على كل المجريات السياسيَّة في البلاد؛ حيث لم يعد ممكنًا للدولة اللبنانيَّة اتخاذ موقف سياسي خارجي دون الرجوع له. 

الاستثمار الشيعي للفوز
من المتوقع أن يعمل «حزب الله» على استغلال حصول تحالفه على الأكثرية البرلمانية في إقرار مشروع قانون يُشرعن سلاحه العسكري -على غرار ما حدث في العراق من ضم قوات الحشد الشعبي للقوات الأمنيَّة العراقيَّة بمقتضى مشروع قانون أقره البرلمان في 2016- ومن ثَمَّ جعل قياداته، بمعزل عن أي محاكمات قضائية، قد تتم بسبب انتهاج الحزب لسلوكيات عسكرية مناهضة للدستور اللبناني، علاوة على أنشطته العسكرية العدائيَّة في الدول العربية، والتي مثلت تجاوزًا للسيادة اللبنانيَّة نفسها. 

وفي هذا الإطار، سيعمل الحزب على تحييد تدخل المؤسسة القضائية في علاقته الهادئة مع المؤسسات الأمنية، والتي من الممكن أن تتوتر في أي لحظة، إذا ما صدرت أوامر توقيف لعناصر من الحزب، بسبب سلوكياتهم المخلة بالقانون. 

وهنا يجب أن نشير إلى أن الحزب لديه رغبة تامة في الحفاظ على الأوضاع هادئة داخل البلاد؛ بسبب تركيزه على القتال في سوريا، فضلًا عن رغبته في تصدير صورة إيجابية للأوساط العربية بأنه ميليشيا مسلحة تعمل لصالح لبنان وليس ضده. 

إضافة إلى ما سبق، فمن المتوقع أن يعمل حزب الله على شرعنة وجوده العسكري في سوريا، إما من خلال تشريعات قانونية وإما من خلال بيانات برلمانيَّة، أيضًا سيسهم الانتصار الانتخابي الذي حققه «حزب الله» في تجاوز العقوبات الدوليَّة المفروضة عليه من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، أبرزها السعودية، علاوةً على الرمزية السياسية التي يُمثلها فوز حزب مصنف إرهابيًّا من جامعة الدول العربية في انتخابات بلاده. 

تكريس وجود إيران في المنطقة
لعل النقطة الأهم التي حققها التحالف الشيعي من الانتخابات اللبنانية، هي قدرة حزب الله على مراجعة أي اتفاقية وقعها لبنان مع الدول الخارجيَّة، بما في ذلك الاتفاقات العسكريَّة، ما يعني أن حزب الله، أصبح يمتلك ورقة جديدة في مساومة القوى الدوليَّة بشأن مواقفهم السياسيَّة في المنطقة، فضلًا عن الموقف من إيران نفسها.

ورغم أنه من غير المرجح أن يقدم حزب الله على زيادة التعاون الرسمي بين لبنان وإيران في المجال العسكري بسبب خوفه من تفاقم الأوضاع الداخليَّة، فإنه سوف يعمل على زيادة التنسيق السياسي بين البلدين في المواقف السياسيَّة، فربما نجد بيانًا من البرلمان اللبناني يُدين السلوكيَّات الغربيَّة ضد إيران في المنطقة، أو ناقدًا للمملكة العربية السعوديَّة في المستقبل القريب. 

إيقاف الهيمنة 
بالتأكيد إيقاف هيمنة حزب الله، ليس أمرًا صعب المنال، خصوصًا أن تحالف الحزب مع حركة أمل قد حصد فقط 29 مقعدًا من أصل 128، ما يعني أن قوته الحقيقية تكمن في حلفائه من القوى السياسية، الذين لم يخوضوا المعركة الانتخابية على قوائمه، مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب المردة، علاوة على بعض المستقلين المدعومين من الحزب.

ولهذا، يتعين على «تيار المستقبل» أن يتقرب من حلفاء حزب الله الراغبين في بقاء لبنان بمعزل عن الصراعات الدوليَّة، ومن ثم إقناعهم بضرورة بقاء الوضع كما هو عليه -أي بقاء سلاح حزب الله غير مشرعن- حفاظًا على الحالة الأمنيَّة في الداخل اللبناني. 

كما يجب على تيار المستقبل أن يكون مرنًا في محاولاته للتوفيق بين القوى السياسيَّة، فعلى سبيل المثال، يجب عليه أن يتقرب من حزب القوات اللبنانية بهدف تكوين جبهة مضادة لسلاح حزب الله في لبنان، فضلًا عن التقرب من التيار الوطني الحر وإقناعه بضرورة بقاء إيران خارج لبنان، حتى لا تنتقل الصراعات الداخلية إلى لبنان الذي يعاني من ضعف البنيان المجتمعي بسبب الحرب الأهليَّة التي دامت لقرابة الخمسة عشر عامًا في القرن الماضي.
"