يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أفعى «الدواعش» تسعى لبناء جحرها في جنوب «تايلاند»

الثلاثاء 26/فبراير/2019 - 09:56 ص
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

مع انحسار سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي داخل العراق وسوريا، ظهرت عدة بقاع في العالم كمناطق محتملة لظهور التنظيم الإرهابي، إما لوجود خلافات ذات طابع ديني بها، أو شعور المسلمين فيها بالاضطهاد والظلم، أو انتشار المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من العوامل التي يعمل «داعش» على استغلالها لجذب الشباب إلى صفوفه، وكانت منطقة جنوب تايلاند من أخصب المناطق لنشأة البذور الإرهابية.

أفعى «الدواعش» تسعى

مسلمو الجنوب التايلاندي

تمتاز منطقة محافظات جنوب تايلاند بغزارة الأمطار وارتفاع درجة الحرارة، ويرجع ذلك إلى وقوعها في المنطقة شبه الاستوائية، والتي يحدها بحر الصين الجنوبي شرقًا، والمحيط الهندي غربًا، كما تقع على حدود خليج تايلاند وماليزيا، وتتكون من 14 محافظة، وينتشر المسلمون بكثرة في عدد منها.

 

وينتمي سكان جنوب تايلاند إلى الشعب الملايوي، والذي ينتشر في دول جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا، وبروناي، أو ما يعرف بالمجتمع الملايوي، وساهم ذلك في وحدة الثقافة والدين والعادات والتقاليد بصورة كبيرة، خصوصًا أن اللغة والدين متحدان.

 

فيما تبلغ نسبة المسلمين في جنوب تايلاند نحو 80% من سكانها، ويعد الدين الإسلامي هو الدين السائد في المواطنين بتلك المحافظات، بينما تبلغ نسبتها في باقي المحافظات التايلاندية ما بين 5-12%، بينما تنتشر البوذية بصورة أكبر في تلك المحافظات.

 

ولكن مع مرور الوقت، أصبح مجتمع جنوب تايلاند منقسمًا، ويرجع ذلك إلى هجرة عدد من الأجناس إليها بعد أن سيطرت الحكومة التايلاندية على تلك المنطقة، ومنهم الصينيون والذين يدينون بالبوذية الوثنية، والهنود المؤمنون بالهندوسية، والعرب الذين يدينون بالإسلام، بالإضافة إلى من وطنتهم الحكومة في تايلاند وهم بوذيون.

 

ومع انتشار الديانات الأخرى في المنطقة، وتردي الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن عدم اهتمام الحكومة التايلاندية بتلك المنطقة، أدى ذلك إلى انتشار عدة آفات اجتماعية خطيرة، مثل تعاطي المخدرات، وانتشار البطالة، وغيرها من الآفات، ولكن ظهرت الأزمة الكبرى مع انتشار العنف الديني بالمنطقة.

أفعى «الدواعش» تسعى

الممارسات الإرهابية في تايلاند

لم تظهر أزمة العنف الديني في جنوب تايلاند بصورة حديثة، بل تعود جذورها إلى سيطرة الحكومة التايلاندية على مملكة فطاني الإسلامية، وهي العملية التي يعتبرها المسلمون في تايلاند بأنها السبب الرئيسي للأزمات التي يتعرضون لها، خصوصًا على الجانب الاقتصادي الذي يشهد حالة من التردي الواضح.

 

فيما شهدت تلك المنطقة عدة عمليات عنيفة بداية من عام 2004، حيث شهد يناير من العام نفسه عملية إرهابية ضد معسكر للجيش في محافظة ناراتيوات، وأسفرت العملية عن مقتل 4 من الجنود، وسرقة أكثر من 400 سلاح ناري، وفي الشهر نفسه، وقعت مواجهات ما بين بعض عدد من الإرهابيين الإسلامويين وقوات الأمن، أسفرت عن مقتل عدد من قوات الأمن التايلاندية، مما أدى إلى فرض الأحكام العرفية بالمنطقة.

 

وفي أبريل من العام نفسه، قام عدد من العناصر الإرهابية باستخدام الأسلحة الخفيفة والفؤوس لاقتحام 12 مركزًا للشرطة، واحتجاز مجموعة من المدنيين بمسجد كريسيك في محافظة فطاني، ذلك ما أدى إلى مقتل 107 أشخاص أثناء اقتحام مراكز الشرطة، و32 في المسجد، و3 أفراد من القوات الحكومية.

 

واستمر الإرهابيون في ممارسة نشاطهم الدموي، ويظهر ذلك بوضوح في يونيو 2009، حيث قاموا بإطلاق النيران على مجموعة من المصلين بمسجد الفرقان، في قرية أير تمباين بمحافظة ناراتيوات التايلاندية، أثناء صلاة العشاء، ما أسفر عن وفاة 11 من المصلين وجرح 12 آخرين.

 

ويذكر أنه في عام 2017، وقع ما يقرب من 13 هجومًا في أقاليم ناراتيوات وباتاني وسونجخلا، بالقرب من الحدود التايلاندية الماليزية، أدت هذه الهجمات إلى إصابة 8 أشخاص، ونفذت بواسطة أسلحة نارية وعبوات ناسفة، وأسفرت مجمل العمليات الإرهابية إلى إصابة ومقتل نحو 6500 مواطن في جنوب تايلاند.

أفعى «الدواعش» تسعى

- الحكومة تتهم داعش علانية

كانت بداية ظهور اسم «داعش» في تايلاند، مع تصريح حكومي في يناير 2016، حيث أعلن «برايث تشان أوشا»، رئيس الوزراء التايلاندي، أن قوات الأمن تحقق في علاقة 3 أجانب بالتنظيم الإرهابي، بعد أن أثاروا الانتباه خلال قيامهم بزيارة مدارس دينية بقصد التبرع لها ولمجموعة من الأئمة، مقابل أن يتم تعليم الأطفال بعض المبادئ عن التنظيم الإرهابي.

 

وقد ظهر التخبط واضحًا في التصريحات الرسمية الصادرة في تايلاند منذ عام 2008، فقد اعتبر المتحدث باسم الحكومة التايلاندية «شايا يمفيلاي»، أن زيادة النشاط في منطقة جنوب البلاد يرجع إلى حصول المتطرفين بها على دعم مادي من القاعدة، قبل أن يسحب رئيس الوزراء «سورايود شولانوت» تلك التصريحات، ويلمج إلى أن العلاقة ما بين الطرفين حسب قوله :«علاقة أيديولوجية فقط ولم ترتق إلى الدعم المادي».

 

وفي سياق متصل عادت الاتهامات الحكومية للظهور مرة أخرى في نوفمبر من عام 2016م، حيث ألقت قوات الأمن القبض على مجموعة من المواطنين في جنوبي البلاد، بزعم انتمائهم لــ«داعش»، وأعلنت السلطة أن هناك 100 ألف تايلاندي زاروا صفحات تابعة للتنظيم الإرهابي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك،

«داعش» يطل برأسه

مع تراجع قوة «داعش» في سوريا والعراق، ظهرت بعض الأنباء عن احتمالية انتقال التنظيم الإرهابي إلى مناطق أخرى في العالم، كما حدث في تنقلات التنظيم من العراق إلى سوريا، وظهوره في بلاد المغرب العربي ومنطقة بحيرة تشاد والساحل الأفريقي.

 

وتعد منطقة جنوب تايلاند من أبرز المناطق المرشحة لظهور التنظيم الإرهابي في صورته العابرة للحدود، وتعتبر تلك المنطقة مواتية لممارسة نشاطه الدموي، نظرًا لوجود صراع ممتد لسنوات ما بين المسلمين والحكومة، يشعر معه المسلمون بالاضطاد والظلم، مما يخلق بيئة مناسبة لظهور الفكر الداعشي.

 

وعلى الرغم من أن أهداف الجماعات المقاتلة في جنوب تايلاند مختلفة عن أهداف «داعش»، فإن كليهما يجتمع على رفض الدولة القومية، سواء لأسباب دينية كما يفعل التنظيم الإرهابي، أو لأسباب تاريخية كما تفعل التنظيمات المسلحة في جنوبي تايلاند.

 

ويذكر أن الجماعات المسلحة سعت إلى اللجوء  للتنظيم الارهابي، حيث أعلن العديد منهم ولاءه ومبايعته لـ«داعش» وزعيمه الإرهابي «أبوبكر البغدادي»، وذلك منذ عام 2014، بهدف جذب التنظيم إلى تلك المنطقة، وقيامه بتقديم الدعم المادي والمعنوي لتلك التنظيمات، ما يساهم في تقوية شوكتها في مواجهتها للسلطات التايلاندية.

 

 فيما لم يمنع اتجاه التنظيم رؤيويا إلى بلدان عدا تايلاند من بث مقاطع إعلانية تتم ترجمتها بصورة نصية إلى اللغة التايلاندية، كما حدث في نوفمبر من عام 2015، في شريط بعنوان No Respite، والذي بثته صحيفة الحياة، الجناح الإعلامي لتنظيم «داعش» الإرهابي، وكذلك مقطع بعنوان «من داخل حلب»، في أبريل 2016، كما تم عرض صورة للعالم وعلى بعض الدول إشارة سوداء خاصة بداعش، وكانت جنوب تايلاند من تلك المناطق.

 

وهنا تظهر عدة ملاحظات، على رأسها أن التنظيم ينظر بعين الاعتبار إلى جنوب تايلاند، ولكنه لم يقرر بصورة واضحة التدخل السياسي والعسكري بها، كما أن ترجمة تلك الفيديوهات باللغة التايلاندية وليس الملاوية يشير إلى أن هدف التنظيم لا ينصب على جنوب البلاد فقط، ولكنه يمتد إلى الدولة بصورة عامة.

 

ولا ينظر التنظيم إلى تايلاند باعتبارها هدفًا لمكوث النظام فقط، ولكنه يعتبرها ممرًا متاحًا لعبور مقاتليه من مختلف الدول الآسيوية وأستراليا إلى سوريا، بالإضافة إلى استغلال مكانة تايلاند كمركز لوجستي؛ نظرًا لقربها من ميانمار، حيث تزداد محنة الروهينجا، والتي يشعر تجاهها المسلمون بالتعاطف من مختلف دول العالم، وهو ما قد يستغله التنظيم الإرهابي في زيادة نشاطه في تايلاند، كقاعدة للانطلاق إلى ميانمار.

 

وعلى الرغم من أن التنظيم لم يجد موطئ قدم له حتى الآن، فإن الكثير من الشواهد تشير إلى إمكانية ظهوره في الفترة المقبلة، ومن ضمنها انتشار السلفية الجهادية، وظهور علامات التطرف الفكري والظاهري على المواطنين هناك، مما يعد مرحلة أولى لظهور التنظيمات الإرهابية والتي تعتمد على ما يسمى بــفكر السلفية الجهادية.

 

بالإضافة إلى أن التنظيم يستطيع أن يجذب الشباب عبر مواقعه الإلكترونية إلى صفوفه بصورة جيدة، حيث استطاع أن يكتسب خبرة كبيرة في هذا المجال خلال حروبه في العراق وسوريا، مما مكنه من جذب مئات المقاتلين الأجانب من العديد من الدول حول العالم، وهو ما يمكن تكراره مع الشباب التايلاندي خصوصًا في منطقة الجنوب، حيث يشعر العديد منهم بالظلم جراء القرارات الحكومية.

 

كما تخشي الحكومة التشدد الناتج عن تلك الأفكار بالإضافة إلى خشيتها من انتشار مقاتلين تابعين لتنظيم داعش في جنوبي البلاد، خاصة أن تايلاند من الدول التي تعتمد في دخلها القومي بصورة أساسية على السياحة، والتي سوف تتأثر بصورة واضحة بانتشار الأعمال الإرهابية والأفكار المتطرفة.

"