يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«مصطلحات الصوفية».. غموض عالم الزاهدين

الأربعاء 06/فبراير/2019 - 01:19 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

نقل المؤرخ الحافظ الذهبي، الذي ولد حوالي 1275 ميلادية ولقب بـ«مؤرخ الإسلام»، عن عالم دين يدعى أبوسعد السمعاني -عاش في القرن الثاني عشر الميلادي-، إن الأخير عندما نزل إلى العراق حضر درسًا علميًّا ألقاه القطب الصوفي، عبدالقادر الجيلاني على أصحابه، ورُوي عنه إنه لم يُفهم منه شيئًا، حتى  حاول الحضور إعادة الدرس على أنفسهم لكنهم لم يتوصلوا للمعنى.

عبدالقادر الجيلاني
عبدالقادر الجيلاني

الغموض الذي اكتنف درس «الجيلاني»، لا يمكن فهمه بعيدًا عن منهج الصوفية المائل في عمومه إلى التعقيد، بداية من منطقه وأذكاره، وحتى مصطلحات اللغة، حيث تتفق القراءات المقدمة بخصوص لغة الصوفية ومعاني مصطلحاتها على أن التصوف كما استحدث مصطلحات جديدة، فهو أضفى معاني لم تكن موجودة على مصطلحات قديمة، وهذه المعاني يقصر فهمها على حاملي المنهج الصوفي فقط، لذا يشاع حول الصوفية إنها تقدم لغة لا يفهمها إلا أصحابها.

 

ومن أبرز هذه المصطلحات لفظة «الغيبة»، والذي يُعتبر لفظا دينيًّا يقصد به التحدث على الغير من ورائه بالسوء، وحرَّم الإسلام الغيبة محددًا لها كفارة، إلا أن الصوفية اختصت نفسها بمعنى مختلف للغيبة، فيقصد بها أن يغيب قلب الصوفي عن عالمه فلا ينشغل بما هو غير الله، والغيبة إما أن تكون عن الغير، وإما عن غيره ونفسه فلا يشعر حتى بما يحدث له.

 

وينقل الدكتور عبدالحليم محمود، شيخ الأزهر خلال الفترة من 1973 حتى 1978، في الصفحة 77 من كتابه «سيدي أحمد الدرديري» الصادر عن دار الكتب بالقاهرة، عن الزاهد أحمد الدرديري الذي ولد في 1715، وأحد مؤسسي «الطريقة الخلواتية» إنه كان يقول: «حتى لو تكلّم الناس وأنا معهم بكلام وخاطبوني به لا أدري ما قالوا، وهم لا يعلمون مني هذا الحال، لأن صورتي الظاهرية صورة العاقل الصاحي، وهذا أمر عجيب لا يعرفه إلاّ من ذاقه».

 

ويعلو مقام الصوفي كلما استغرق في الغياب، حتى أن أغلب أولياء الصوفية يعرف عنهم إنهم كانوا يدخلون في نوبات غياب، إلا أن هذا المنطق يأخذ على الصوفية، إذ يردد المناهضون لها إن التصوف منهج يدعو الناس للانفصال عن أحوالهم وعالمهم، والمفهوم الملازم للغيبة هو الصحوة، ولا يشار بها كما هو معروف إلى النهضة، بل يقصد بها اليقظة والانتهاء من حالة الغياب التي يدخلون فيها.

«مصطلحات الصوفية»..

الحلول والفناء

مصطلحا «الحلول والفناء»، هما أيضًا من المصطلحات التي يرد ذكرهما معًا، والحلول يعني أن يعتقد الصوفي أن الله حل فيه، فتتداخل الصفات الربانية مع البشرية فلا يشعر الصوفي عنده بأنه مجرد بشر، وينسب للصوفي الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، أبي يزيد البسطامي قوله: «سبحاني ما أعظم شأني».


ويحرك الصوفي في ذلك همه بالوصول إلى الله حتى يعتقد أنه حين يصل سيذوب في الذات الإلهية، وتتلقى الصوفية اتهامات عنيفة بالشرك على خلفية هذه القضية، فيما تبرأت أصوات من داخل الصوفية من منطق الحلول، متفقة على أن حامليه يمثلون نوعًا من الانحراف عن التصوف الحقيقي.


وبناء على ما سبق، فمصطلح الفناء يترتب على الحلول، فبعدما يحل الله في عبده، يختفي العبد ويفنى ويصبح الموجود هو الله وحده، ويرتبط بذلك أيضًا لفظة «وحدة الوجود»، وتعني أن يحل الله في كل شيء حولنا، فيتجسد في كل روح وجماد، ورغم ما يوجه للصوفية من انتقادات على خلفية هذا الفهم إلا أن بعض الصوفية يتمسكون به، مقتنعين بأنهم يرون الله في كل ما حولهم.

 

وبما أن الصوفية تعتمد على مبدأ العزلة، فعرفت ما يسمى بـ«التجريد»، ويعني اعتزال الخلق للمساعدة على الوصول إلى الله وتهذيب النفس، والتجريد درجات: «تجريد الظاهر ويعني الانعزال عن كل ما يشغل النفس عن الله، وتجريد الباطن ويعني التخلي عن كل ما يشغل القلب، وأخيرًا تجريد الظاهر والباطن وهو تسخير النفس والروح لله».

 

وتعتقد الصوفية في ضرورة وجود «الوارث النبوي»، وهو مصطلح يشير إلى الشخص أو الدليل الذي يعتمد عليه الصوفي في طريقه إلى الله، ويؤمنون بأنه وريث للرسول في نقل دعوته، وعدم وجود هذا الدليل يعني استحالة الوصول إلى الحقيقة ومن ثم حتمية الانحراف عن الطريق.

 

وأُخذت فكرة «الوارث النبوي» من آيات قرآنية دعا الله فيها إلى الاستعانة بالعلماء، فيقول: «الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚالرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا»، أو «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».

 

و«الوريث النبوي» الذي يعتبر معلمًا يوجد تحته «المتعلم» وهو «المُريد»، وهو الصوفي الذي أعطى عهدًا لشيخ الطريقة ودرج اسمه رسميًّا في قوائم الطريقة، أما «العهد» فهو النص الذي ينطقه الصوفي ويعرب من خلاله عن ولائه التام للشيخ واتباعه للطريق.

"