يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

لماذا تتعايش التنظيمات الإرهابية مع هجمات اقتلاع الرؤوس؟

الخميس 22/نوفمبر/2018 - 03:31 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

هناك دراسة مهمة بعنوان: «لماذا تتعايش التنظيمات الإرهابية مع هجمات اقتلاع الرؤوس»، نشرتها دورية الأمن الدولي International Security، يمكن أن نستفيد منها في حربنا على الإرهاب؛ حيث أجابت عن السؤال المهم الذي يتعلق بأن أغلب تلك التنظيمات تمكنت من الحفاظ على بقائها عبر تجاوز تداعيات سقوط رموزها القيادية، وتوسيع نطاق عملياتها الإرهابية، رغم سقوط القيادات.

أبومصعب الزرقاوي
أبومصعب الزرقاوي

الإجابة عن هذا التساؤل تناولته تفصيلًا الدراسة التي أشارت إلى أنه رغم تتابع هجمات القوات الخاصة الأمريكية واغتيالها «أبومصعب الزرقاوي»، قائد تنظيم القاعدة بالعراق في يونيو 2006، والقبض على قيادات عسكرية فاعلة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، مثل عملية القبض على «أبوأنس الليبي»، واغتيال قيادات مثل «أبويحيي الليبي» وغيرهما، من القيادات التنظيمية في الأقطار والدول المختلفة، فإن تلك التنظيمات ازدادت قوة.


وأوضحت الدراسة أن تلك التنظيمات تعتمد على قدسية القادة، وكاريزمية القيادات، وأن الأفراد يفترضون تمتع القيادة بالعلم، ومن ثم يؤدي استهدافهم لتدمير التنظيمات الإرهابية تلقائيًّا، فضلًا عن أن جمعها بين الأبعاد الروحية العقائدية والعسكرية، يؤدي لتصاعد تأثير غيابها على بقاء التنظيم وتماسكه وقدرته على البقاء مستقبلًا.


ويستحوذ القيادات على المعلومات، ويؤدي استهداف القيادات للوصول لمعلومات مهمة حول هيكل التنظيمات الإرهابية وعناصرها ومصادر تمويلها ومخططاتها العسكرية؛ ما يؤدي لتعزيز كفاءة عمليات مكافحة الإرهاب.


عادة ما تكون التنظيمات الإرهابية ذات الطابع «الهرمي الهيراركي» أكثر قابلية للانهيار، عقب التصفية الجسدية لقياداتها؛ إذ إن القضاء على المركز الرأسي للسلطة والمعلومات محور شبكة الاتصالات التنظيمية، يؤدي لفقدان التنظيم قدرته على استئناف نشاطه، ومن ثم يتفكك لتنظيمات فرعية ضعيفة.

أسامة بن لادن
أسامة بن لادن

وعلى النقيض من ذلك، فإن اختفاء قيادات الإخوان، ومقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق «أسامة بن لادن»، على سبيل المثال، لم يقضِ على القاعدة أو الجماعة؛ إذ تشير الدراسة إلى أنه على نقيض المسلمات السائدة في الفكر الاستراتيجي، تُشير الإحصاءات إلى أن التنظيمات التي لا تتم تصفية قياداتها تكون أكثر قابلية للضعف والتفكك ذاتيًّا من نظيرتها التي تواجه عمليات اغتيال لقياداتها.


والدليل؛ الطفرة غير المسبوقة في عدد هجمات تنظيم القاعدة، والجماعات الإرهابية المرتبطة به خلال السنوات الأخيرة.


ويتمثل التساؤل الأكثر إثارة للجدل، هو السبب في بقاء التنظيمات، رغم اختفاء قادتها، في تلك البنية البيروقراطية داخل الهيكل التنظيمي لتلك الجماعات، وتقسيم الوظائف والمهام مثل المخصصات المالية الخاصة بالتنظيم.


تصاعد اللامركزية، داخل التنظيمات، وتحولها لطابع شبكي مسطح يتسم باللامركزية، وعدم الاعتماد على قيادات بعينها في أداء مهامها، ساعد في استمرارها، وهو ما أطلق عليه «أبومصعب السوري» خلايا المقاومة، ويرتبط ذلك بالفصل الواضح بين الأجنحة السياسية والعسكرية والمؤسسات الاجتماعية لبعض التنظيمات الجهادية؛ بهدف الحفاظ على بقاء التنظيم في مواجهة عمليات مكافحة الإرهاب.


وتعتمد التنظيمات الإرهابية على ما يُسمى شبكات الأمان الاجتماعي، وهي تعزيز شعبيتها في مجتمعاتها المحلية عبر تقديم خدمات اجتماعية.


كما تعتمد التنظيمات الإرهابية على أساس عقائدي يلقى قبولًا من قطاعات واسعة من بعض الجماهير، مثل الأهداف المعلنة لـ«داعش» التي تتلخص في إقامة ما يُسمى بـ«دولة الخلافة الإسلامية»، وهدم النظم السياسية المخالفة للشريعة.


إجمالًا تستنتج الدراسة أن التنظيمات الإرهابية الدينية عادة ما تتمكن من التعايش مع اغتيال القيادات، وتصعيد قيادات جديدة أكثر تطرفًا وميلًا للعنف، وعلى النقيض قد تؤدي عمليات الاغتيال لزيادة التماسك التنظيمي وتعزيز قدراتها العسكرية، وبينما يؤدي اغتيال القيادات الميدانية والعسكرية لإعاقة نشاط التنظيمات الإرهابية، فإن اغتيال القيادات العقائدية والروحانية يزيد من وتيرة العمليات الإرهابية الانتقامية على غرار تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية عقب اغتيال «بن لادن» في باكستان، و«أنور العوالقي» في اليمن.


وخلصت الدراسة إلى أن الشباب الضحايا مهما كانت ثقافتهم وتحصيلهم العلمي ومستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية، يتحركون بدافع ديني، تغذيه أسباب وعوامل مختلفة، وهذا الدافع الديني يتعلق بإيمانهم العميق بالإسلام كدين، وبالدفاع عنه كمعتقد، وأنه لكي ننتصر على تلك التنظيمات لابد أن نقنع أعضاءه بالعودة للمجتمع من خلال الدين ذاته.

"