يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ألمانيا من الحرب السريَّة ضد الشيوعيَّة إلى مكافحة الإرهاب

الجمعة 09/نوفمبر/2018 - 08:24 م
المرجع
بقلم إيان هاميل
طباعة
على مرِّ عقود من الزمان، كانت دائرة المخابرات الفيدرالية الألمانية في طليعة الحرب ضد المخابرات السوفييتية والألمانية الشرقية، ومنذ سقوط جدار برلين، اضطرت وكالة المخابرات الفيدرالية لتغيير اتجاهها بشكل كامل لمواجهة تهديد جديد، وهو التهديد الإرهابي الإسلامي.. لحسن الحظ، كان لدى ألمانيا منذ زمن طويل متخصصون ممتازون في قضايا الشرق الأوسط.
ألمانيا من الحرب
قبل بضعة أسابيع، حكمت المحكمة الجنائية المركزية ببغداد على رجل فرنسي يبلغ من العمر 58 عامًا، وفتاة ألمانية بالسجن مدى الحياة؛ بسبب انضمامهما إلى «داعش»، سافرت نادية، التي لم يكشف عن اسمها الكامل وسنِّها، إلى سوريا والعراق عبر تركيا، برفقة شقيقتها وأمها وابنتها يمامة، يقول محاميها إنها كانت قاصرًا في ذلك الوقت، وتقول نادية في دفاعها إنها تعرَّضت للاغتصاب من قِبَل أعضاء في تنظيم «داعش»، وأنها جاءت للعراق هربًا من الإرهابيين، لكنها اعتُقلت في يوليو 2017 في الموصل، ووفقًا لصحيفة لوموند، فقد حُكم على أُمِّها أولًا بالإعدام في يناير 2018، قبل أن يتم تخفيف العقوبة إلى السجن مدى الحياة.
ألمانيا من الحرب
من جانبها، تمكنت صحيفة «لا كروا» من إجراء مقابلة في أكتوبر 2018 مع سفيان، وهو مواطن ألماني اعتنق الإسلام، واحتجزه الأكراد في سوريا، سافر سفيان البالغ من العمر 36 عامًا، وهو من مدينة شتوتغارت، بحثًا عن دولة الخلافة، ويقول هذا الشاب الذي كان يعمل في صناعة الأحذية الطبية إنه لم يسبق له أن حارب أو قَتَل، بل كان يعمل في مستشفى، لقد تزوَّج من فتاة سورية، وأنجب منها طفلًا، إنه يحلم ببداية جديدة، لكنه يُدرك أن السجن ينتظره في ألمانيا إذا عاد إلى وطنه؛ لذلك فهو يأمل أن تتساهل السلطات معه.
ألمانيا من الحرب
تكشف هاتان الشهادتان عن أن ألمانيا -وهي دولة لم يكن لديها مستعمرات في العالم الإسلامي بخلاف فرنسا- لم تسلم من الإرهاب الإسلاموي؛ لقد اعترفت أجهزة الأمن الألمانية أن 1000 شخص من مواطنيها قد ذهبوا للجهاد في سوريا والعراق، وتتوقع هذه الأجهزة عودة نحو مائة طفل من هؤلاء المتطوعين الذين قاتلوا في صفوف «داعش»، وتقدر السلطات الألمانية عدد المتطرفين لديها بنحو 9200 شخص، وعدد الأشخاص المحتمل أن يرتكبوا أعمالًا إرهابية بنحو 1200.

لم يكن التحول سهلًا بالنسبة لدائرة الاستخبارات التابعة للحكومة الفيدرالية الألمانية، التي تعمل تحت إشراف المستشار الألماني، ومقرُّها يقع بالقرب من ميونيخ، في الواقع، لقد تم إنشاء هذا الجهاز عام 1956 خلال الحرب الباردة، وكانت مهمته الرئيسية هي مواجهة تسلل الجواسيس القادمين من الكتلة الشرقية، خاصة من ألمانيا الشرقية.

ظلَّ الجهاز في الطليعة حتى تفكك الاتحاد السوفييتي، وهو مرتبط بأجهزة المخابرات الأمريكية وقد سبق اتهامه بالتجسس لصالح وكالة الأمن القومي الأمريكي.
ألمانيا من الحرب
ليس هناك أصعب على المرء من تغيير عاداته، خاصة العدو؛ فألمانيا جمهورية اتحادية، واختصاصات الدولة الألمانية في مجال مواجهة الإرهاب الدولي مجزأة، إذ يجب على السلطات الفيدرالية تبادل المعلومات مع الولايات الإقليمية الـ16، وبعد تفجيرات سوق الكريسماس في برلين في 19 ديسمبر 2016، اكتشفت السلطات الألمانية أن منفذ التفجيرات، التونسي أنيس عمري (الذي قُتِل في إيطاليا في 23 ديسمبر)، كان مدرجًا على قوائم الأشخاص الذين يُمثلون تهديدًا محتملًا في غرب ألمانيا، ولكن ليس في برلين؛ حيث لم تكن السلطات تهتم به، وفي غياب تبادل المعلومات بين الدولة الفيدرالية والولايات، فإن الرجل الذي من المحتمل أن ينفذ هجومًا (وتم رفض طلبه للجوء) لم يتم رصده حتى في العاصمة.
هتلر ومفتي القدس
هتلر ومفتي القدس
حسن البنا معجب بـ«هتلر»
مع ذلك فإن أجهزة المخابرات الألمانية لا تعمل من فراغ، لقد استقرت منذ الثلاثينيات في الشرق الأوسط ومصر وشمال أفريقيا لتقويض الإمبراطوريتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية، وكل الذين تابعوا بحماس إنجازات توماس لورانس، الشهير بلورانس العرب، يُدركون أن العرب قد شعروا بالخيانة من جانب الغرب.

ألم يقاتلوا إلى جانب بريطانيا ضد الدولة العثمانية مقابل وعد بإنشاء مملكة عربية موحدة؟ لكن هذه المملكة لم تأتِ إلى حيز الوجود؟ يقول روجر فاليغوت وريمي كوفر مؤلفا كتاب «الهلال والصليب المعقوف»، إن أمين الحسيني، مفتي القدس، اتصل في ديسمبر 1936 بفريتزغروبا، السفير الألماني في العراق، يسأل عن أسلحة لمحاربة اليهود والإنجليز؛ لكن الألمان اعتذروا بأدب، فقد كانت ألمانيا لاتزال ضعيفة لمواجهة البريطانيين.
ألمانيا من الحرب
لكنَّ نهجًا جديدًا ظهر في يوليو 1937، وكان الاتصال في هذه المرة بين المفتي ووالتر دول، القنصل العام الألماني في القدس، وبعد أسبوع واحد أخبر دول الخارجية الألمانية أن أحد المقربين من الحسيني، الزعيم الفلسطيني موسى العلمي، سيصل قريبًا إلى عاصمة ألمانيا للاتصال سرًّا بأوتو فون هنتج وأرنست فون فايتسكر، وكانت هذه بداية التحالف الألماني العربي، وبعد ذلك بعام في عام 1938، قام فيلهلم كاناريس، رئيس جهاز المخابرات في الجيش الألماني، بزيارة بهوية مزيفة للشرق الأوسط، والتقى أمين الحسيني. أعجب الحسيني بكاناريس، ووفقًا لكتاب «الهلال والصليب المعقوف» كان القادة السياسيون في المنطقة معجبين بالطرق الشمولية للحركات الفاشية في أوروبا، سواء النموذج الفاشي الإيطالي أو النموذج الألماني النازي.

يشير الأمريكي برنارد لويس، أحد أكبر المتخصصين في شؤون العالم الإسلامي، الذي توفي هذا العام، إلى أن ألمانيا النازية -ومن قبلها إيطاليا الفاشية- بذلت جهودًا دعائية كبيرة في اتجاه الدول العربية لنشر الأيديولوجية القومية الخاصة بها، التي تهدف لتقويض القوى الغربية، وبالتالي توسيع نفوذها في المنطقة، ويضيف «لويس» العالم بأمور الشرق الأوسط: أن القومية العربية تأثرت بشدة في هذه الفترة من النازية والفكر الفاشي، خاصة عندما بدأ الإيطاليون دعايتهم عام 1935 والألمان عام 1938؛ فهل المفتي أثَّر على مؤسس جماعة الإخوان، حسن البنا؟ لأن هذا الأخير لا يُخفي إعجابه بالنازية، وفي عام 1940 تأثَّر بالشباب النازيين وأسَّس «الشباب المسلمين»، وهي حركة مرتبطة بالجماعة وسماها «القمصان الكاكي»، ويخرج هؤلاء الشباب كل مساء في شوارع القاهرة «حاملين الشعلات، ورافعين شعارات إسلامية تعبِّر عن قوة وتفوق حركتهم، وكانوا مسؤولين عن الاعتداءات ضد المحال التجارية التي كانت ملكًا لليهود»، وكانوا يرددون شعار «مصر فوق الجميع»، مقلدين شعار «ألمانيا يجب أن تسود وتتسيد العالم»، بحسب ما شرحه آنذاك الحزب الاشتراكي – الأهلي الألماني.

وعلى حسب أقوال الداعية القطري ذي الأصول المصرية، يوسف القرضاوي في كتاب «التاريخ السري للإخوان المسلمين»، الفكر النازي متشابه مع المشروع السياسي الذي كان يريده حسن البنا للأمة الإسلامية؛ فمثلما كان القائد الألماني يزعم بأنه يدافع عن العرق الأبيض، «يجبر الإسلام كل مسلم على حماية كل إنسان يطبق تعاليم القرآن».

ألمانيا من الحرب
المفتي في برلين
وذهب مفتي القدس بعيدًا في التعاون، وبما أنه كان مطلوبًا من قِبَل البريطانيين، سافر إلى إيطاليا في 27 أكتوبر 1941، واستقبله «بينتو موسيليني» ووعده «بدعم مالي هائل لو استقر في روما تحت لوائه»، ولكن كان «أمين الحسيني» يُفضل ألمانيا النازية؛ حيث استقبله «أدولف هتلر» في 28 نوفمبر 1941، وقيل إن الزعيم الألماني تأثر بلون عيني المفتي الزرقاء، واعتبر ذلك علامة انتمائه إلى العرق «الأرياني»، وخلال كل الفترة المتبقية من الحرب، كان أمين الحسيني يُشرف من ضواحي برلين على برنامج إذاعي موجه إلى المسلمين، وكان يبث الأغاني، والآيات القرآنية، والشعارات ضد السامية، وكان يدعو إلى «قتل اليهود حيث وجدوا؛ لأن في قتلهم رضا الله والتاريخ والدين».

وفي 15 من سبتمبر 1942 في روما، وبحضور ممثلي ألمانيا وإيطاليا في الجاسوسية المضادة وفي الجيش، اقترح المفتي «إنشاء مركز كبير للدعاية لتسهيل التعاون بين الدول العربية وقوى المحور».

في السنة نفسها يُشارك «الحسيني» في تعيين المسلمين في «بلقان» لتكوين الفرقة الثالثة عشرة من 19000 رجل، هذه الفرقة تعتدي على الشيوعيين التابعين لـ«تيتو» بشراسة، وفي كرواتيا شجع «الحسيني» هذه الفرقة قائلًا: «الوضع في كرواتيا وفي فلسطين متشابه؛ حيث إن الجانبين يحاربان العدو ذاته، البريطانيين وحلفاءهم اليهود».

استقبال الإخوان المسلمين
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبزعم استغلال المهارات، تقوم ألمانيا الفيدرالية بحماية النازيين القدماء الذين يعرفون العالم العربي جيدًا، وبما أن مصر وسوريا مقربتان من الاتحاد السوفييتي، قررت مدينة «بون» استقبال الإخوان الهاربين طبقًا لمبدأ «أعداء أعدائي هم أصدقائي»، وهكذا تستقبل ألمانيا عام 1970، زعيم الجماعة في سوريا «عصام العطار» الذي حُكِم عليه بالإعدام، وفي سنة 1981 يبعث النظام بـ«كوماندوز» مكون 3 أشخاص لقتل زوجته في شقة الزوجية.

وفي حوار معنا في أكتوبر 2005، يقول عصام العطار، وكان عمره 78 عامًا: «الحركة الإسلامية لها الأغلبية في سوريا، وجماعة الإخوان ليست إلا جزءًا من هذه الحركة، ومن الخطأ اعتبار الإخوان أشخاصًا يشكلون الخطر؛ حيث إنهم يمثلون الاتجاه المعتدل»، موضحًا أنه لم يعد قائدًا في الجماعة، أو متحدثًا باسمها، وعندما سُئِل عن العلويين (الفرقة الشيعية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد)، قال إنهم ليسوا مسلمين.
ألمانيا من الحرب
جدير بالذكر، أن جماعة الإخوان المسلمين ليست ممنوعة في ألمانيا، كما هو الحال في فرنسا، ورغم معرفتها بالعالم الإسلامي، فإن الأجهزة الألمانية ترتكب أخطاء أيضًا؛ فلقد اكتشفت أن أحد عملائها المسؤول عن مراقبة الحركة الإسلامية، كان يُعدُّ هجمات ضد مقر المكتب الفيدرالي لحماية الدستور، أي الاستخبارات الداخلية الألمانية، وحسب مجلة «ماريان»، فإن هذا الألماني ذا الـ51 عامًا، قد اعتنق الإسلام في 2014، وبايع الداعية محمد محمود الذي كان قد انضم إلى «داعش»، وهذا لم يمنع تعيينه من مراقبة الحركة الإسلامية.. فالكمال ليس لأحد من البشر.
"