يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تصدير الثورة... وإرهاصات «حزب الله» جديد في سوريا

الثلاثاء 06/نوفمبر/2018 - 11:27 ص
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة
تسعى إيران لتأسيس ميليشيات مسلحة في جنوب سوريا، بما يُمكنها من السيطرة والحصول على نصيب الأسد في مرحلة ما بعد إعادة الإعمار، وفرض سياسة الأمر الواقع على أعدائها في المنطقة، ولذا فإنه من المهم الحديث عن نظرية تصدير الثورة الإسلامية، والمصالح الإيرانية في سوريا، المخاوف الإسرائيلية من الوجود الإيراني في الجنوب السوري، تجاه طهران؛ لتعزيز نفوذها من خلال تأسيس الميليشيات العسكرية؛ تمهيدًا لمرحلة ما بعد إعادة الإعمار.
تصدير الثورة... وإرهاصات

أولًا: نبذة عن نظرية تصدير الثورة الإسلامية

بات القادة الإيرانيين مُصرين على تصدير الثورة إلى الدول المجاورة، لاسيما في الشرق الأقصى وجنوب آسيا، وعلى الرغم من وجود بعض المشاكل الداخلية في إيران، التي كانت من الممكن أن تعوق فكرة تصدير الثورة، ولكنها قامت بذلك من خلال هيئات الإذاعة والتلفزيون التابعة لها، عبر الترويج لحماية المستضعفين في الأرض.

 

وقال خامنئي في ذلك: «أتمنى أن تكون إيران نموذجًا لكل الأمم المستضعفة في العالم، الراغبة في تحطيم الأصنام العظيمة، كما يجب على هذه الأمم أن تفيقَ من غفلتها لتحرير؛ الإسلام والدول الإسلامية من قبضة الدول الاستعمارية أو التذلل لها»(1).


وظهرت المفردات الثورية مثل المستضعفين، الطاغوت، والشهادة التي صكها «الخميني»، والتيار الديني؛ لتضفي قوة إضافية لفكرة تصدير الثورة، إضافةً إلى تشعب واتساع دور رجال الدين في جميع أنحاء إيران؛ إذ بلغ عددهم عشرات الآلاف عشية قيام الثورة؛ ما مكن الخميني من تكوين قاعدة شعبية عريقة، ساعدته على تطبيق أفكاره النظرية.


وأبرز ما كان يميز «الخميني» هو امتلاكه الكاريزما التي مَكّنته من جمع المُختلفين معه أيديولوجيًّا؛ ومن هنا فالخصائص الفريدة التي حظيت بها شخصية الإمام جعلت الأفراد داخل المجتمع يثقون بشخصه أكثر من قناعتهم برسالته ذاتها(2).


ولكن اتضح من خلال التطبيق أن هذه الشعارات النظرية، لم تكن بهدف حماية المستضعفين والفقراء في العالم الإسلامي والعمل على تمكينهم، بل كانت لتحقيق مآرب إيرانية بحتة، ومن هنا يتضح أن ايران مثل أي دولة في العصر الحديث تعمل جاهدةً؛ من أجل تحقيق مصالحها الذاتية في المقام الأول، حتى لو كان ذلك على حساب غيرها من الدول.


ثانيًا: المصالح الإيرانية في سوريا

اتجهت إيران بعد الحرب العراقية ــــــ الإيرانية(نشبت بين العراق وإيران من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، وخلفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي) إلى محاولة السيطرة على العواصم المجاورة، والتي ترى فيها إمكانية تشكيل تهديد مباشر لها في المستقبل، وكانت بغداد قبلتها الأولى ثم اتجهت دمشق وبيروت، بل امتد نفوذها إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء التي تبعد عنها بمسافات كبيرة، ولا يوجد معها تشابك في المصالح؛ ليأتي ذلك كله في إطار نظرية تصدير الثورة.

تصدير الثورة... وإرهاصات

ثالثًا: الهواجس الإسرائيلية من الوجود الإيراني في سوريا

أدى الخوف الإسرائيلي من تعاظم النفوذ الإيراني في سوريا لسعي «تل أبيب»؛ للوصول إلى مجموعة من التفاهمات مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية القاضية، بابتعاد الميليشيات الإيرانية مسافة 80 كيلومترًا عن الحدود الجنوبية مع دمشق، بل وإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا.

 

ومن هنا، عكس اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» على الوجود الإيراني في دمشق، قلقه من احتمالات فوز طهران بنصيب الأسد في مرحلة ما بعد إعادة الإعمار، لاسيما في المنطقة القريبة من الجولان وتحويلها إلى منصة لإطلاق صواريخ تجاه الدولة العبرية.


في السياق ذاته، أوضح بعض المحللين أن التهديد الاستراتيجي لإسرائيل تمثله إيران بالدرجة الأولى، على خلفية حالة العداء التاريخية بين الدولتين، خاصةً أن إيران من الممكن أن تمتلك سلاحًا نوويًّا في فترة بسيطة من الزمن، فبعد أن كانت الجولان شبه مجمدة على امتداد 40 عامًا، برزت داخل دائرة الضوء مجددًا، مع انخراط «حزب الله»، وإيران في الأزمة السورية، وباتت جزءًا أساسيًّا من المحور الذى تقوده طهران، ومن هنا ينظر الإسرائيليون إلى أن استقرار الوضع لمصلحة النظام السوري يهدد بأن تكون الجولان مماثلة لجنوب لبنان(3).


لكن يبدو أن التفاهمات سواء كانت العسكرية أو التفاوضية التي كانت بين كل من روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وروسيا والميليشيات على الأرض ذهبت وكأن لم تكن؛ حيث بدأت إيران في تخريج الدفعات الأولى من ميليشيات عسكرية في الجنوب السوري بتوجيه من الحرس الثوري.  


من ناحية أخرى، تنظر تل أبيب ليس فقط إلى الفوز بدور إقليمي قوي على حساب خصومها، بل إلى منافسيها في المنطقة مثل تركيا، أي تريد أن تصبح الوكيل الحصري للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط (4).


رابعًا: نفوذ إيران ودورها في مرحلة ما بعد إعادة الإعمار

دعمت إيران النظام السوري على مدى السنوات القليلة الماضية، فمنذ عام 2012 مثلت الأزمة السورية فرصة جيدة لتعزيز النفوذ الإيراني، وبينما مالت موازين القوى لصالح قوى المعارضة تدخلت روسيا بكل قوة؛ ما أدى لانعكاس الأمور لصالح النظام والميليشيات الموالية له من ناحية أخرى، مكن التغاضي الأمريكي- الإسرائيلي عن تغلغل الوجود الإيراني منذ البداية تنامي نفوذ طهران داخل دمشق؛ حيث رأى الطرفان أنها فرصة لاستنزافها، ومستنقع لمن يتورط فيها أكثر منها ساحة لتعظيم النفوذ الجيوسياسي.


لكن بمرور الوقت ظهرت الأزمة السورية ليس كمستنقع، وإنما ساحة كبيرة للنفوذ تتنامى فيها مصالح إيران يومًا بعد يوم، لاسيما بعد امتداد نفوذها للحدود العراقية السورية، فضلًا عن التوغل في الجنوب؛ حيث الحدود مع تل أبيب لكن مع مجيء القيادة الأمريكية الجديدة «دونالد ترامب»، الذي اتبع استراتيجية المواجهة مع إيران ونفوذها في الشرق الأوسط، أصبحت النتيجة تصعيد عسكري إسرائيلي ـــــ أمريكي ضد مصالح إيران في سوريا تمثلت في مجموعة من الضربات الجوية الانتقائية من حين إلى آخر(5).


ومن هنا، أشار بعض المحللين إلى فكرة الخروج الإيراني من سوريا، لكن يعود التحالف بين طهران ودمشق إلى عام 1980، عندما وقفت دمشق إلى جانب طهران ضد الرئيس العراقي الراحل «صدام حسين» خلال الحرب العراقية ــــــ الإيرانية التي استمرت لثماني سنوات، كما موّلت المملكة العربية السعودية والخليج العراق خلال الحرب، ودعمت كُلٌّ من واشنطن وموسكو وباريس بغدادَ في مقابل رجال الدين في طهران.


وأضحت هناك العديد من الحسابات الواقعية التي حددت موقف إيران تجاه سوريا؛ حيث شمل ذلك الدعم الذي قدمته السعودية وحلفاؤها في الخليج للفصائل السورية، وكذلك التصميم الأمريكي على تغيير النظام في دمشق.


نتيجة لما سبق، تسعى إيران لجني ثمار مساعداتها السابقة للنظام السورى، لاسيما في ظلِّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها طهران، وتركز استراتيجية الهلال الشيعي في الشرق الأوسط حول رغبة إيران في استغلال بعض الأنظمة؛ من أجل مواجهة التحركات السعودية؛ لمنع إيران من دخول المنطقة العربية؛ ولذلك فإن توقع قيام إيران بالخروج أو حتى الحد من وجودها في سوريا يعد حلمًا صعب المنال(6).


ختامًا: على الرغم من تفاقم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمر بها إيران، على خلفية الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي وفرض الحزمة الثانية من العقوبات في الـ4 من نوفمبر لعام 2018، فإنها مازالت مصرة على تصدير نموذجها الثوري عبر التدخل في شؤون الدول الأخرى؛ لرعاية مصالحها من ناحية، وفرض سياسة الأمر الواقع على الدول الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في المنطقة من ناحية أخرى.


الهوامش:

1. Iran: Exporting the revolution, National Foreign assessment center: central intelligence Agency, 1980 march, available at https://www.cia.gov/library/readingroom/docs/CIA-RDP81B00401R000500100001-8.pdf  .  

2.  محمد عباس ناجي، العلاقة بين المؤسسات المعينة والمنتخبة وأثرها على عملية صنع القرار داخل النظام الإيراني، ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ص 40.


3. إسرائيل تخشى النفوذ الإيراني في سوريا بعد التسوية، 11/3/2017، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التاليhttp://cutt.us/nug7s .


4. تجذر إيران في سوريا يصطدم بإسرائيل.. فهل تكون حربًا؟ 30/4/2018، وكالة الأنباء الألمانية (دويتشة فيله)، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/qO6jM .


5. نموذج النفوذ الإيراني في سوريا، 23/8/2018، القدس العربي، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/ao2rW


6. Mohammed Ayoob, Will Iran Leave Syria? Chasing mirages does not add up to a successful foreign policy, 29/8/2018, National Interest, available at https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/will-iran-leave-syria-29982.

"