يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

نور المحبة ونيران الكراهية.. الصوفية النيجيرية في مواجهة «بوكوحرام»

الثلاثاء 09/أكتوبر/2018 - 01:13 م
المرجع
طباعة

تجاوز عدد ضحايا العمليات الإرهابية التي تنفذها جماعة «بوكوحرام» في نيجيريا، 20 ألف شخص جراء عنف مارسته الجماعة على مدار 8 سنوات، ومازال الضحايا يتساقطون في هجمات تشنّها بوكوحرام بشكلٍ منتظم؛ ما يطرح سؤالًا غاية في الأهمية من أجل تفكيك المشهد النيجيري، عن دور التيار الصوفي في نيجيريا لمواجهة ذلك التهديد الإرهابي التي تمثله بوكوحرام الداعشية، والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم أولًا البحث عن مدى قوة الصوفية النيجيرية، أو ضعفها في البلاد.

 نور المحبة ونيران

«التيجانية» و«القادرية»، هما أشهر الطرق الصوفية في نيجيريا؛ حيث سُميت الأولى كذلك نسبة إلى «أبوالعباس أحمد بن محمد بن المختار بن سالم التيجاني» (1737-1815)، فيما اتخذت القادرية اسمها من عبدالقادر الجيلاني (1078 - 1166)، وينتشر أتباعها في بلاد الشام والعراق ومصر وشرق أفريقيا.


وكان أول توثيق لدخول الإسلام نيجيريا في القرن التاسع الميلادي، واعتنقه غالبية سكان الدولة خلال عهد الملك النيجيري إدريس ألوما (1571 - 1603)، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذا البلد لايزال غير مسلم.


وأسهمت السياحة الصوفية (وهي مفارقة المريد وطنه لزيارة شيخه، أو لتصفية القلب بالعبادة والذكر والتفكر) عبر الدعاة في انتشار الإسلام والصوفية بنيجيريا، كما بنوا المساجد والزوايا والمدارس، واشتروا ما كان يُطلق عليهم «العبيد» وعلموهم الإسلام، ثم حرروهم وأرسلوهم إلى بلدانهم للدعوة إلى الله.


لم يكن المسلمون في نيجيريا على درجة عالية من التنظيم، فلا يعرف الإسلام في نيجيريا كثيرًا من الحركات النظامية، وغالبية رجال الدين الذين يدرسون في الداخل والخارج في مجال الفقه والشريعة والعقيدة وغيرها يشغلون مناصب رئيسية في المساجد والقضاء، فضلًا عن أن 75% من المسلمين في نيجيريا أميُّون، والمدارس العربية في نيجيريا غير معتمدة حكوميًّا؛ ما ينعكس على وضعية المسلمين الاقتصادية والسياسية والفكرية في الجهاز الحكومي للدولة.


وعَرَفَ الإسلام في نيجيريا العمل الحركي عام 1994، من خلال عودة جماعة من الطلاب النيجيريين الحاملين  فكر جماعة الإخوان، وأنشؤوا جماعة «تعاون مسلمي نيجيريا» بمدينة إيوو، والتي كانت جماعة «بوكوحرام» إحدى نتائج نشاطها وتمددها، علاوةً على نشأة العديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى.


نشأت «بوكوحرام» أو «التعاليم الغربية حرام» في يناير لعام 2002، وخرجت للوجود مولودًا شيطانيًّا من رحم جماعة الإخوان الإرهابية، أسسها محمد يوسف، الذي قُتل عام 2009، والقائد الحالي للتنظيم «أبومصعب البرناوي»، الذي عيَّنه تنظيم «داعش»، والي ولاية غرب أفريقيا في الرابع من أغسطس لعام 2016، بعد مبايعة «بوكوحرام» لتنظيم «داعش»، وينشط داخل نيجيريا أيضًا تنظيم «أنصار الإسلام»، أو «جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان»، الذي يعتقد أنه متفرع عن «بوكوحرام»، ونفذ العديد من العمليات الإرهابية.

 نور المحبة ونيران

«بوكوحرام» تعدم عشرات الصوفية

أعدمت «بوكوحرام» العشرات من المنتسبين إلى الطرق الصوفية؛ بتهمة مخالفة الشريعة، خاصةً المنتمين إلى الطريقة التيجانية، كما لاحقت الصوفيين في كل أنحاء الدولة إلى أن قُتِل شيخ الزوايا التيجانية محمد التيجاني؛ ما أغضب مريدي وأتباع الطريقة حول العالم، وحاول المئات من المنتسبين للطرق الصوفية الفرار من «بوكوحرام»، فاستطاع بعضهم الهرب خارج البلاد، بينما لقي آخرون حتفهم، إما لشدة الجوع وإما غرقًا في محاولة الهروب من رصاص التنظيم الإرهابي.


وتمكنت «بوكوحرام» من اختطاف 100 صوفي من أحد المزارات الصوفية التابعة للطريقة التيجانية بنيجيريا؛ ما تسبب في حالة من الغضب بين أتباع الصوفية، إضافةً إلى هدم «بوكوحرام» المزارات والمقامات الصوفية منذ ظهورها على المسرح السياسي،  وإعلان الرئيس النيجيري محمد بخاري مساندة الصوفية ضد الجماعات المتطرفة.


ورغم حالة انعدام الأمن التي تعيشها نيجيريا، وانتشار الفكر التكفيري وتنفيذ التنظيمات المتطرفة العديد من العمليات الإرهابية، فإن هناك حالةً من الانقسام بين الطريقتين الصوفيتين الكُبْرَيَيْن في نيجيريا، ولا توجد أي بوادر للتعاون فيما بينهما مستقبلًا، سواء لمواجهة الإرهاب أو لأي غرض آخر؛ وأدى تصريحٌ لشيخ القادرية في نيجيريا عبدالجبار محمد ناصر كبرا (مؤسس مجمع أصحاب الكهف والرقيم للدعوة الإسلامية واتحاد المسلمين في نيجيريا) إلى اشتعال فتيل الأزمة بين الطريقتين؛ إذ قال في مداخلة له خلال ندوة للزاوية البصرية في بني ملال المغربية: «إن شعب نيجيريا لو خُيِّر بين البقاء كدولة مستقلة في ظلِّ الأوضاع غير المستقرة أو الانضمام كولاية تابعة للملك محمد السادس، لاختار أن ينضم دون تردد إلى المغرب»، في حين أن البعض أوضحوا «أن التصريح كان من باب المجاملة لا أكثر».


وطالب مشايخ الزوايا التيجانية الرئيس النيجيري محمد بخاري بإشراكهم في الحرب ضد الجماعات المتطرفة؛ ليؤكدوا في الوقت نفسه رفضهم الوجود السلفي على الأراضي النيجيرية، خاصةً بعد انضمام العديد من السلفيين إلى «بوكوحرام»، كما تواصلت الطريقة التيجانية في نيجيريا مع فروعها في الوطن العربي؛ للحصول على الدعم اللازم في مواجهة «بوكوحرام»، وبحث آلية قوية لمواجهة التنظيم.


في السياق ذاته، استقدمت الطرق الصوفية بالتعاون مع المؤسسات النيجيرية الرسمية بعثات من المؤسسات الدينية حول العالم؛ لتوحد أبناء المجتمع النيجيري، وتُحصِّن شبابه ضد الأفكار المتطرفة للجماعات الإرهابية التي تستخدم الدين لتنفيذ أغراضها المشبوهة والمغلوطة، ولنشر الفكر الإسلامي السمح في مواجهة الفكر التكفيري.


وكان على رأس تلك البعثات «قافلة السلام» التابعة للأزهر الشريف، ومجلس حكماء المسلمين (هيئة دولية مستقلة تضم عددًا من كبار علماء المسلمين حول العالم ممن يُوصفون بالوسطية، يرأسها الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، ويهدف إلى تحقيق السلم والتعايش في العالم الإسلامي، ومحاربة الطائفية، ويتخذ من «أبوظبي» مقرًّا له، وتم تأسيسه في 19 يوليو 2014).

"