يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ماهر فرغلي يكتب: مؤسسات «أردوغان» في الخليج (1-2)

الخميس 27/سبتمبر/2018 - 11:42 ص
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

تُشير التحركات التي تقوم بها تركيا، إلى أن لديها رؤيةً تنطلق من خلالها تجاه المجتمعات والنظم العربيَّة والإسلاميَّة، واهتمامًا لم يسبقْ له مثيلٌ تجاه جيرانها العرب، ولأسباب واضحةٍ، فإنها تتحرك الآن في المنطقة العربية عبر مصطلح «الدبلوماسية العامة»، وهو تعبيرٌ قديمٌ، ومشروعٌ استراتيجي كانت الدول الكبرى تستفيد منه لتعزيز نفوذها وتوسيع رقعة انتشارها؛ حيث إنها قررت العودة الآن إلى المنطقة العربية بخُطى حثيثة، موظفة جماعة الإخوان بالمنطقة، بعد أن غادرتها قبل قرن تقريبًا، وأهملتها حتى الأمس القريب.


اعتمدت تركيا في تحركاتها على جماعة الإخوان وعلى مجموعة من المؤسسات في سياستها الخارجية، وسياسة «الدبلوماسية العامة»، و«التمدد الإقليمي»، لتتمدد وتنتشر، وكانت هي إحدى وسائلها للحضور الفعال في المنطقة.

فتح الله كولن
فتح الله كولن

جمعيات تركية للتغلغل

مثلت مؤسسات وجمعيات تركيَّة محاورعدة للعمل، يُشرف عليها رجال أعمال مقربون من الدولة، ومنها مؤسسات الخدمة والتمويل، أو المؤسسات الإعلامية والفنية، التي مثلت قوةً ناعمةً في الاتصالات الثقافية والاقتصادية للعمل بطريقة ناعمة على إعادة خلق نسخة من الإمبراطورية العثمانية من شمال أفريقيا إلى الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى.


الأدوات ذات الطابع الرسمي، يكون القائمون عليها ينتمون لمستويات رسمية فى الدولة، أو حركات ذات طابع فكري مثل حركة «كولن» قبل الخلاف معها، وهي الجماعة التي استفاد منها أردوغان في البداية، واعتمدت على التعليم كوسيلة لإنجاح جهودها، فافتتحت عددًا من المدارس مثل مدرسة صلاح الدين، وأصدرت ما يُعرف بمجلة حراء، التي كان أول إصدار لها في عام 2005، وهي مجلة تركية تصدر باللغة العربية، وقامت برعاية عدد من الورش والندوات والمؤتمرات.


على سبيل المثال لا الحصر «جمعية رجال أعمال تركيا والدول العربية» -كما يتضح من اسمها- تستهدف رجال الأعمال، وتهدف إلى إنشاء علاقات مع المؤسسات الاجتماعية والتجارية العربية والدخول فيها، وتعزيز علاقات الصداقة . 


وتُعدُّ الجمعية المثال الأبرز لتلك الجمعيات التي تشرف عليها الحكومة التركية، للتغلغل في الدول العربية، وهناك العديد من المنظمات الأخرى المنوط بها ذلك كـجمعية رجال الأعمال الأتراك «الموسياد»، لأن الاقتصاد يُعد من الأدوات العاملة على الجذب، بل وتستطيع الدول فرض سياسات بعينها إذا استطاعت تقوية علاقتها الاقتصادية والتجارية مع الدول الأخرى.


استغلت تركيا الإعلام والفن كقوة ناعمة، نظرًا لما للإعلام من دور فاعل وعميق في الترويج لأي سياسة أو نظام سياسي، فاتجهت إلى إنشاء عدد من المؤسسات والمكاتب في عدد من الدول العربية، ومنها قناة  trtالتركية التي تعبر عن الثقافة التركية في شتَّى المجالات، كالفن والعلم والسياسة ونقلها إلى العالم العربي، وقد تم افتتاحها ومكاتبها العاملة بالدول العربية بموجب قرار حكومة حزب «العدالة والتنمية» لتدعيم التواصل الثقافي بداية شهر أبريل 2010، وهي تابعة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في تركيا[1].


وقد عاشت المؤسسات التركية ثلاث مراحل، أولاها؛ الجمود، وهي المرحلة التي ظلت فيها الدولة التركية الكمالية تولي اهتمامًا بأوروبا، ولا تلتفت فيها للعالم الإسلامي، وثانيها؛ الانطلاق، وهي التي تلت وصول «العدالة والتنمية» لسدة لحكم، وهي «المرحلة الأردوغانية»، التي اعتمدت على الدبلوماسية العامة والتمدد الإقليمي، وهو تعبير قديم ومشروع استراتيجي كانت الدول الكبرى تستفيد منه لتعزيز نفوذها وتوسيع رقعة انتشارها، عن طريق تقديم خدماتها التنموية والاجتماعية والإنسانية، وتركيا تُعدُّ واحدة من هذه البلدان التي حققت في العقد الأخير قفزة نوعية بهذا الاتجاه.


بعد وصول حزب «العدالة والتنمية» للحكم في تركيا، أعيد تأسيس العلاقات من جديد، وهذا ما عبر عنه أحمد داوود أوغلو، حين قال: لعل الغالبية الساحقة من الكيانات العربية تناولت الحضور التركي في المنطقة ومالت إلى تقديم وصفات مكررة لوقائع الصراع بين العلمانية والإسلام في تركيا، لكننا نعيد تأسيس العلاقات العربية.[2]

الرئيس التركي رجب
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان

النوايا الحقيقية

في الحقيقة فإن تركيا العائدة إلى المنطقة، وأيًّا كانت المواقف والتعميمات الظاهرة والباطنة تجاه ما تتخذه من سياسات، فإن ما تقوم به يخدم مشروعها الضخم القائم على إعادة الدولة العثمانية، وهذا ما عبر عنه أكرم حجازي، بخصوص العلاقات العربية التركية، حين قال: «إن الموقف الثابت أن سؤال التاريخ لا يمكن أن ينفصل عن الواقع وسؤال المصير، إذ إن إسطنبول عاصمة العالم مازالت حاضرة في الذهن التركي، ويدرك أردوغان الآن أن إسقاط نموذج السلطة الإسلامية في تركيا على كل أنحاء الشرق الأوسط هو أمر محفوف بتعقيدات محبطة».


في الواقع، فإنه من غير الواضح أن تركيا لديها القدرة السياسية والعسكرية لتفعيل هذه الرؤية، ولأجل ذلك قد تبذل تركيا قصارى جهدها لزيادة التجارة مع جيرانها في الشرق، لكن حجمها لا يزال بعيدًا عن حجم التجارة التركية الكبيرة مع أوروبا، والتي تغرق الآن في حالة ركود وكساد[3].


يقول الباحث ربيع الحافظ: «يعتقد أردوغان، وأحمد داود أوغلو، أنهما يمكن أن يشكلا بنجاح نقاطًا في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويوفران معادلة ميدانية تجعل من توفير آلية تواصل إقليمية، مطلبًا حتميًّا، لأن تركيا ترى جوارها اليوم هم رعايا الدولة العثمانية، لكن حاجتها إليهم يجعل ثمة صيغة تخدم هذه المصلحة، ما جعلها (أي تركيا) تفتح حدودها، وهي خطوة تفتح الرتق الاجتماعي للدوران»[4].


شدد أردوغان منذ بدايات عهده وحتى اللحظة، مثله مثل تورجوت أوزال- على القوة الناعمة التي تُمثلها الاتصالات الثقافية والاقتصادية للعمل بطريقة حميدة وناعمة على إعادة خلق نسخة من الإمبراطورية العثمانية من شمال أفريقيا إلى الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى، واستغل الدين الإسلامي، ودعم الجماعات الإسلامية؛ لأن الصلات الدينية الأصيلة في منطقتيّ الشرق الأوسط والمحيط الهندي قادرة أن تؤدي إلى علاقات عمل ودعم سياسي، وقد حدث ذلك بالفعل، بعد عودة تركيا للمنطقة.

رجل الأعمال التركي،
رجل الأعمال التركي، كوتش

البُعد التجاري والاقتصادي

ثمة بُعد مهم وهو استغلال تركيا لمؤسسات اقتصادية في التغلغل، يذكر كمال كيرشجي، الأستاذ في جامعة بوغازتش، أنه في عام 2005، تم افتتاح سلسلة سوبر ماركت راموستور ميجرو الفرعية القابضة، التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال التركي، كوتش، 54 فرعًا في الدول المجاورة، وأدارت ما لا يقل عن 22 محل سوبر ماركت[5].


وأشار كيرشجي، إلى أن المجتمع المدني أسهم بمنظماته في الأنشطة والمشروعات التي قامت بها الدولة التركية، ومنها منظمة الصناعيين المستقلين، وجمعية رجال الأعمال (موسياد)، ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، وجمعية المصدرين الأتراك، والاتحاد التركي للغرف (توب)، وتوسياد، والاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين (توسكون).


وهدفت تركيا من قيام مؤسساتها من الانتقال إلى دول الجوار العربية، إلى صناعة أكبر قدر من الاختراق لرجال الأعمال العرب، وعلى سبيل المثال الاتحاد التركي للغرف (توب)[6].

عادل اللمعي رئيس
عادل اللمعي رئيس مجلس الاعمال المصري التركي

جمعية رجال  الأعمال الأتراك:

هي جمعية وإن حملت الطابع التجاري والاقتصادي، إلا أنها تحمل مفاهيم فكرية وسياسية ودينية تقوم بخدمتها والدعاية لها عبر أنشطتها بالداخل والخارج، وتقدم دعمًا لمؤسسات مدنية أخرى تسير في ركاب أهدافها.


وعقدت حكومة أردوغان على الاستفادة من التجمعات الاقتصادية في كل من تركيا والعالم العربي، واستطاعت أن تقطع أشواطًا في أهدافها عبر جمعية رجال الأعمال، التي عززت التعاون بين رجال الأعمال العرب والأتراك.


والجمعية اليوم أكبر تجمع اقتصادي في تركيا، عدد أعضائها نحو 2650 شخصًا، يمثلون آلاف الشركات، ولها 28 فرعًا في تركيا، و30 مركز ارتباط حول العالم، ومنها عدة أفرع في الكويت وقطر.


والجمعية لها أهداف داخلية هي زيادة الفاعلية الاقتصادية الداخلية، وتعزيز مكانة رجال الأعمال الأعضاء والشركات التركية في الاقتصاد العالمي.




ماهر فرغلي يكتب:

جمعية الموسياد تركيا:

وهي جمعية مهمتها الأساسية إعطاء معلومات للحكومة التركية حول الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي[8].


ويجتمع مسؤولو الجمعية مع رجال أعمال موالون لهم من أجل تحقيق أهداف أنقرة[9].

ماهر فرغلي يكتب:

مؤسسات البُعد الإنساني والخيري

يقوم مبدأ السياسة الخارجية التركية على التأثير في الأقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار، فقد اتخذت تركيا مؤسسات البُعد الإنساني، كوسيلة للتمدد الإقليمي، والتأثير على منطقتها اقتصاديًّا وثقافيًّا، عن طريق «التأثير الواضح»، وبجعلها كنموذج يُحتذى به، وتعتبر منظمة «تيكا» التركية واحدة من تلك المؤسسات التركية التي تهدف لدعم مشروع الصعود التركي الاستراتيجي الإقليمي، وتحسين صورة تركيا.


وتجاوزت قيمة مشاريع «تيكا» في عام 2012 مثلًا 3.5 مليار دولار، بالتعاون مع جمعيات مماثلة ومنها «الهلال الأحمر التركي» ومركز «يونس أمره» الثقافي و«رئاسة أتراك المهجر»، لكن الأهم تبقى مؤسسة «تيكا» الإنمائية التي تحمل العبء الأكبر في مشروع تركيا الاستراتيجي نحو الخارج.


و«تيكا» هي مؤسسة عاملة في مجال تقديم المساعدات في العالم، وهي موجودة في 37 بلدًا، منها فرع بمصر، لكن ليس لها فروع في دول الخليج.


أما اتحاد المنظمات الإسلامية الأهلية في العالم الإسلامي، فهو اتحاد يقع مقره الرئيسي بإسطنبول، فهو مؤسسة لها وجود بدول مجلس التعاون، ويقيم مؤتمراته في عدد من الدول، ومنها الكويت التي عُقد فيها مؤتمر نهاية مايو 2018.


أما مركز العلاقات التركية، فهو مركز يعني بالتعاون مع بعض المنظمات الخيرية المنتشرة في العالم العربي، ويقوم مسؤولوه في عدة دول عربية باستقطاب الشباب للتدريب المشترك بحجة مراقبة الانتخابات، لكنه يهدف للاختراق. [11].

مراجع:


[1]دينا عبدالعزيز، التنافس التركي الإيراني تجاه الترويج لنموذجهما السياسي في المنطقة العربية، مجلة رؤيا التركية، صيف 2013

[2] أحمد داوود أوغلوا، العمق الاستراتيجي، السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي، الحياة اللندنية 8/9/2010.

[3] أكرم حجازي، العلاقات العربية التركية، أسئلة التاريخ والمصير، المنار صـــ29، عدد جمادى الأول أبريل، 2011.

[4] تركيا في مهمة ثقافية صعبة، ربيع الحافظ، رؤية تركية عدد يناير 2012.

[5] كمال كيرشجي، تأثير تركيا الواضح وتحول منطقة الشرق الأوسط، رؤية التركية، شتاء 2012.

[6] المصدر السابق، صـــ81.

[7] http://www.ahram.org.eg/NewsQ/244266.aspx

[8] http://turkpress.co/node/3424

 

[10]سعد عبدالمجيد، مؤسسات المجتمع المدني في تركيا، عدد أكتوبر 2009.

[11]http://www.ahram.org.eg/NewsQ/340639.aspx

"