يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

عوامل دعم السياسة الأمريكية للراديكالية بمنطقة الشرق الأوسط

الإثنين 20/أغسطس/2018 - 11:14 ص
المرجع
محمود رشدي
طباعة
اتبعت الولايات المتحدة سياسة براجماتية بحتة، عززت من خلالها فرصة تنامي وتصاعد التيارات الجهادية ونشأة التنظيمات الإرهابية؛ ومنها تنظيم داعش الإرهابي، ولهذا كان لظهور هذا التنظيم جذور رئيسية في السياسة المضطربة التي اتبعتها الإدارة الأمريكية منذ التدخل العسكري في عدوانها على العراق، وقبلها الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليها كسياسة قاسية، عانى منها ملايين العراقيين، وكان للدعم الغربي لإسرائيل في المنطقة العربية أثر بالغ في توجه الكثير من المواطنين للتيارات الراديكالية في التنفيس عن غضبها تجاه احتلال فلسطين، في ظل دعم ومباركة غربية لها.

وفيما يلي سنعرض أبرز المحطات الرئيسية للسياسة الأمريكية في تنامي التيارات الراديكالية بمنطقة الشرق الأوسط: 
عوامل دعم السياسة
الدعم الغربي لإسرائيل
يأتي دعم الولايات المتحدة الكامل لإسرائيل في حرب 1967 (مازال هذا الدعم حتى الوقت الراهن) بمثابة إعلان حرب على القومية العربية، التي لن ترضى بإزالة بلد كامل (فلسطين) من ضمن دولها، خاصة بما تمتاز به القدس من مكانة خاصة لدى المسلمين في العالم العربي، ناهيك عن الدعم الغربي لإسرائيل، الأمر الذي دفع بعض الشباب إلى التمرد ضد أطروحات القومية العربية، والبحث عن بديل في تفسيرات دينية متطرفة مجافية لروح الإسلام‮.
‬‬‬‬
ويُمثل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، مرحلة جديدة من استعادة تشكيل التنظيمات الإرهابية وتناميها في المنطقة؛ فهو قرار فادح من قِبَل الإدارة الأمريكية، في محاولة منها لتحجيم تمدد التنظيم، الذي يتخذ من السياسات العدائية للولايات المتحدة تجاه المنطقة تذرعًا لوجوده.
عوامل دعم السياسة
نشأة تنظيم القاعدة 
جاءت نشأة تنظيم القاعدة بدعم من الإدارة الأمريكية في مساعدة حركة المجاهدين الأفغان (تأسست في أواخر 1989)، لمواجهة الاتحاد السوفييتي، والعمل بشكل أكبر في نشأة الخلافة الإسلامية، ومولت الإدارة الأمريكية حركة المجاهدين، عن طريق تدريبهم وإمدادهم بالأسلحة، وبعد خروج السوفييت من أفغانستان أصبحت الساحة خالية للتنظيمات الإرهابية، وقد كانت أفغانستان ملاذًا آمنًا للقاعدة. 

الجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة دعمت الدعوات الجهادية في العالم الإسلامي لمحاربة الأفغان في الفترة ما بين 1979 - 1989، وبعد انتصار المجاهدين، تحول تنظيم القاعدة للجهاد ضد اليهود والاحتلال الأمريكي، وهي من فتاوى أسامة بن لادن في محاربة الوجود الأمريكي في شبه الجزيرة العربية، والضرر الناجم عن العقوبات الأمريكية على العراق، واحتلال فلسطين، وكشمير؛ وهي من الفتاوى الشهيرة لـ«بن لادن» في توسيع أهداف تنظيم القاعدة، إلى أن حدثت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وهنا ظهرت خطورة التنظيمات الإرهابية وقدرتها على تصدير الهجمات الإرهابية خارج أماكن وجودها.
عوامل دعم السياسة
حرب العراق 2003
مَثَّل الغزو العراقي نمطًا جديدًا في تعامل الولايات المتحدة مع المنطقة من التدخل العسكري، وفرض الهيمنة للقوى العظمى في النظام الدولي، فبعد سقوط بغداد أسهمت واشنطن في تحول العراق إلى بيئة خصبة للإرهاب، من خلال تفريغ الدولة من مؤسساتها، فحلت الجهاز البيروقراطي للدولة وجهاز الشرطة والقضاء، كما حلت المؤسسات العسكرية. 

وقد جاء الاحتلال العراقي بعد عقد من الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق، والذي تسبب في موت مليون عراقي، وما يزيد على نصف مليون طفل؛ نتيجة انتشار الأوبئة والأمراض الناتجة عن نقص الأدوية والمياه النظيفة. 

ويُعد اعتراف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير بأن الحرب على العراق (وقعت في مارس 2003)‮ ‬‬أسهمت في تنامي الإرهاب، ما هو إلا تعبير نادر عن ذلك.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ومن أهم الأحداث التي أثرت في الشباب وتنشئتهم السياسية: 
- الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، وتداعيات ذلك الحصار على جميع مناحي الحياة؛ ما أدى إلى إنهاك الشعب العراقي جسديًّا، وقلل عزيمتهم، وإضعاف المقاومة لديهم بشكل كبير. 

- العدوان العسكري الذي شنته الولايات المتحدة وحلفاؤها في 19 مارس 200، والحادث الذي يعتبر الأسوأ في تاريخ العراق، والذي أثر بشدة على التنشئة السياسية للمجتمع العراقي عامة، وللشباب خاصة.

وبدأت نشأة العناصر المسلحة في أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق بنشأة العصابات المسلحة والطائفية، والتي ظهرت بشكل جلي، وبدأت في فرض نفسها على الساحة السياسية في العراق، من خلال أذرعها داخل النظام السياسي العراقي وتخويف المواطنين، وفرض الإتاوات، وظلت تعمل تحت مرأى الاحتلال الأمريكي، حتى توغل داخل المجتمع، وبعد انسحاب القوات الأمريكية ظلت الميليشيات المسلحة تعمل وتعمق من الانقسام المذهبي الذي باركته قوات الاحتلال.

وبدأ توغل تلك الميليشيات المسلحة عندما سيطرت على أراضٍ واسعة من العراق بعد خروج القوات الأمريكية، ومن دون مقاومة من القوات الوطنية، والتي حصرها الاحتلال في القوات الشرطية. 
عوامل دعم السياسة
مدى كفاءة التحالف الدولي 
جاء انسحاب الولايات المتحدة من العراق بشكل سريع، بعد توغل التنظيمات المسلحة في أنحاء العراق كضوء أخضر لها في التحرك للاستحواذ على أماكن أخرى، ولهذا توسع التنظيم داخل سوريا.

وأنشأت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًّا بقيادتها جمعت فيه عددًا من الدول الإقليمية والدولية لمواجهة التنظيم، وبدأ التحالف بعمليات قصف جوي لمواضع تمركز التنظيم، ولكن اكتفت دول التحالف الدولي الذي أنشأته الإدارة الأمريكية بعدم الاشتباك مع التنظيم، والاعتماد على الحلفاء الإقليميين في التصدي له، ولهذا توسع التنظيم وتمدد خارج الإقليم في أفغانستان، بعد إعلان إدارة أوباما الانسحاب من أفغانستان. 

وبعد تمدد التنظيم داخل العراق حتى كاد يدخل بغداد، تبنت الإدارة الأمريكية استراتيجية أخرى تقوم على احتواء التهديد وتحجيم تمدده، وبدأت تلك الاستراتيجية منذ أواخر 2014، لكن أثبتت هذه الاستراتيجية أنها غير ناجحة بالمرة، فكيف يمكن تحجيم تنظيم إرهابي عابر للحدود، وانتشر في أماكن جغرافية كبيرة، وهو ما تسبب في قيام التنظيم بعمليات إرهابية داخل الأراضي الأوروبية.

كما أثبتت البرامج التي خصصتها الولايات المتحدة لدعم المعارضة المعتدلة فشلها في مقاومة التنظيمات الإرهابية، خاصة مع التدخل الروسي والإيراني في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، ولهذا انتفت المسؤولية الرئيسية للتحالف الدولي في حصار التنظيم، وأصبحت الأطراف الدولية تحارب بعضها البعض بما يسمى بحروب الوكالة من خلال دعم الحلفاء الإقليميين، سواء كانت دولًا أم جماعات، وعلى الرغم من نجاح التحالف في تحقيق انتصارات على التنظيم في كل من العراق وسوريا في استعادة الموصل في العراق والرقة في سوريا؛ فإن العمليات الجوية للتحالف الدولي دمرت البنى التحتية في كل من الدولتين، والتي تحتاج إلى سنوات كثيرة لإعادة إعمارها؛ كما تعد تلك هي مرحلة هدنة للتنظيم لاستعادة تمركزه وتسليحه مرة أخرى في ظل مرحلة التهالك التي وصلت لها الدولتان حاليًّا.
عوامل دعم السياسة
التدخل لإزاحة نظام القذافي في ليبيا
جاء تدخل الولايات المتحدة تحت مظلة حلف الناتو في ليبيا، تحت دعوى حماية المدنيين في ظل قراري مجلس الأمن 1973 و1970 لعام 2011، وكان قرارا مجلس الأمن مفادهما حماية المدنيين وفقًا لمبدأ التدخل لحماية حقوق الإنسان، ولكن حلف الناتو تجاوز مسؤوليته إلى حد إزاحة نظام القذافي، وإسقاط الجيش الليبي، وترك البلاد في يد الميليشيات المسلحة، والتي كانت فرصة لتنظيم داعش الإرهابي في الانتقال والوجود داخل ليبيا؛ نتيجة للفراغ الأمني الذي أحدثه حلف الناتو.

وأصبحت ليبيا في يد جماعات إرهابية كثيرة تتناحر من أجل السيطرة، وأدت تدخلات حلف الناتو دون وجود استراتيجية للمرحلة الانتقالية إلى وصول الأوضاع لحالة مأساوية، والتي حولت ليبيا إلى دولة فاشلة. 

كان أكبر قصور لدور للولايات المتحدة في ليبيا هو الخروج بعد مقتل القذافي، دون وضوح أي استراتيجية للمرحلة الانتقالية للدولة، ولهذا تجلى الهدف الأوحد للتدخل في سقوط القذافي وليس حماية المدنيين، لأن مآلات التدخل الحالي أصبحت أسوأ بمراحل من ذي قبل بعد سيطرة التنظيمات المسلحة على الإقليم، وتتناحر الكثير من التنظيمات والجماعات المسلحة في الداخل الليبي مما جعله مرتع وملاذًا أمانًا لتنامي التنظيمات الإرهابية.

الأمر الذي أسهم بدوره في انتشار المنظمات الإجرامية التي قوضت أي جهود لإعادة الإعمار، وإمكانية إنشاء مؤسسات للدولة ودفع التنافس بين مختلف الفصائل إلى التدخل الدولي من قبل من أطراف خارجية في ليبيا، مما حوّل الصراع في البلاد إلى حرب بالوكالة.
"