يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

دورات علمية لمحو أمية الصوفية.. هل بدأت الطرق خطة قهر التوريث؟

الإثنين 20/أغسطس/2018 - 11:48 ص
الطرق الصوفية
الطرق الصوفية
سارة رشاد
طباعة
لسنوات طوالٍ مضت، ظل رموز التصوف المصري يتهربون من أي سؤال يبحث في أسباب الركود الصوفي، وربما كان مبررهم في هذا الهروب منطقيًّا؛ فأي حديث يُلمّح ولو من بعيد إلى أي قصور في مهامهم، هو حديث غير مرغوب.

ويبدو أن الأمور حديثًا ستتغير؛ إذ جاء أخيرًا، شبه اعتراف من المجلس الأعلى للطرق الصوفية، بوجود خلل وقصور في أوضاع الصوفية المصرية يبدأ من مشايخ طرق فاقدين للمعرفة الكافية بعلم التصوف.


الدكتور أحمد عمر
الدكتور أحمد عمر هاشم
هكذا قال الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس اللجنة العلمية بالمجلس الأعلى للطرق الصوفية (أعلى جهة صوفية بمصر)، لـ«المرجع»؛ إذ كشف عن دورة علمية في التصوف وعلوم أخرى، يبحث المجلس إجراءها لـ«مشايخ الطرق صغار السن لتمكينهم من إدارة طرقهم».

ويشير ذلك إلى أزمة توريث منصب شيخ الطريقة، التي تعد أبرز نقاط الاختلاف بين مشايخ الطرق والباحثين في إصلاح الصوفية؛ فبينما يدافع المشايخ عن توريثهم الطرق لأبنائهم بمبررات تتعلق بأنهم تشربوا التصوف من الأجداد والآباء ومن ثم يكونون أجدر من يديرون، يرى آخرون أن الطرق أصابها وهن منذ عملت الصوفية بمبدأ التوريث.

والتوريث مبدأ أقره قانون 118 لسنة 1976، الذي صدر لتنظيم أوضاع الصوفية وفقًا للتصور الذي رسمته لها الدولة في الحقبة الساداتية (1981:1970).


 نور الدين ووالده
نور الدين ووالده
عشريني بدرجة شيخ طريقة 
أحدث من أوكلت له مشيخة طريقة صوفية، بعد وفاة والده بشكل مفاجئ، هو الشاب العشريني، نور الدين محمد عصام زكي الدين إبراهيم، الذي يتولى منذ فبراير الماضي، مشيخة العشيرة المحمدية (طريقة صوفية تنحدر من المدرسة الشاذلية).

وفي أول ظهور له بعد مبايعته، بدا الشيخ الجديد مرتبكًا وهو يقرأ برهبة من ورقة كُتب بها كلمات طمأنة للمُريدين، وتأكيد أن غياب الأب «لن يؤثر مطلقًا على منهج الطريقة».

الكلمات التي ألمحت إلى أن ثمة خوفًا يسيطر عليه من أن يتسبب غياب والده في فراغ روحي قد يعانيه المُريدون، وهذه الكلمات كررها الدكتور أحمد عمر هاشم، أحد رموز الطريقة، الذي حضر نفس الفاعلية بمسجد الطريقة بمنطقة قايتباي التاريخية، وجلس إلى يمين الشيخ الشاب. 

وبخلاف حديث العالم الصوفي الذي حمل رثاءً للراحل، طالب المٌريدون بالوقوف إلى جوار «طريقتهم في محنتها» (على حد وصفه)، من خلال دعم نجل شيخهم الراحل.

المسؤولية التي استيقظ عليها الشيخ الجديد للعشيرة المحمدية، وقال عنها في ظهوره المذكور إنها ليس سهلة، لم تخصه وحده؛ فهناك مشايخ طرق لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عامًا، ويجدون أنفسهم مسؤولين عن مُريدين في أعمار السبعين.
محمد علي عاشور
محمد علي عاشور
وبدوره يروى محمد علي عاشور، شيخ الطريقة البرهامية، وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، لـ«المرجع» تجربة مماثلة، عندما كان شابًا يحمل مسؤولية طريقته عقب وفاة والده.

ويعترف «عاشور»، أنه في ذلك الوقت كان ينقصه الكثير، مشيرًا إلى أن الميزة التي وجدها آنذاك، هو تولي الفيلسوف الصوفي، محمد أبوالوفا التفتازاني، شؤون المجلس الأعلى للطرق الصوفية (ترأس المجلس في الفترة من 1994 وحتى 1983). 

وأوضح شيخ الطريقة البرهامية، أن الدرجة العلمية والقيمة التي يمثلها «التفتازاني»، جعلته يفكر آنذاك في تنظيم دورة علمية للمشايخ صغار السن غير المطلعين بشكل كافٍ على التصوف، مضيفًا أنه كان من بين هؤلاء المشايخ الذين التحقوا بالدورة وحصل منها على شهادة إلى جانب علم ساعده على إدارة الطريقة.

وأكد «عاشور»، أنه تعلم في تلك الدورة علوم مختلفة إلى جانب التصوف، مقرًّا أنه كان في أشد الحاجة لها، ولافتًا إلى أن تفكير المجلس الأعلى للطرق الصوفية الآن في عقد دورة علمية، نابع من هذه التجربة القديمة، مرجحًا أنها ستكون مثمرة بدرجة كبيرة وهو بنفسه سيحضرها إذ ما شعر بحاجته إلى الاستماع لمضامينها؛ قائلًا: «إن الدورة سيدرّس بها أعضاء اللجنة العلمية بالمجلس، باعتبارهم علماء أكاديميين في التصوف، وأغلبهم من خلفيات أزهرية».

علاء أبو العزائم
علاء أبو العزائم
التصوف العلمي
تأتي الدورة العلمية المزمع انعقادها في وقت قريب، متسقة مع المناخ الصوفي المصري المائل إلى ما يعرف بـ«التصوف العلمي»، وهو فهم للتصوف كعلم ديني بعيدًا عن الطقوس الشعبية والطرق الصوفية في شكلها الإداري.

وربما تكون هذه الدورة العلمية نقطة تحول مهمة في توجهات المجلس الأعلى للطرق الصوفية؛ لأن هذا المجلس (الممثل الأول للصوفية الطرقية) يُعد النقيض الفعلي لـ«الصوفية العلمية»، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم: هل يعني ذلك أن موجة التصوف العلمي ستشمل المجلس الأعلى للطرق الصوفية؟

علاء أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية، يؤكد أن المجلس الأعلى للطرق الصوفية، يعتني في المقام الأول بتعديل أوضاع الصوفية، وإذا ما وجد أن مصلحة المتصوفة في التصوف العلمي فبالتأكيد سيميل له.

وأشار «أبو العزائم»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، إلى أن الدليل على ذلك إجازة المجلس لطريقة الشيخ على جمعة «الصديقية الشاذلية»، وهي طريقة تتبنى التصوف العلمي، ويتولى إدارتها بداية من شيخها وحتى وكلائه أزاهرة.

وتابع شيخ الطريقة العزمية، أن الطرق الصوفية وعلى رأسهم المجلس الأعلى للطرق، ينتظر من هؤلاء الأزاهرة الكثير كنوع من تغذية الصوفية بدماء جديدة، مستبعدًا في الوقت ذاته أن يكون مشايخ الطرق، بمن فيهم صغار السن، يحتاجون إلى دروس في التصوف، مؤكدًا أنهم حصلوا على العلم الصوفي من كتب آبائهم.

مصطفى زهران
مصطفى زهران
وفي السياق ذاته، يؤكد مصطفى زهران، الباحث في الشأن الصوفي، أن أغلب مشكلات الصوفية تختصر في مبدأ التوريث الذي تأخذ به الطرق، مشيرًا إلى أن قطاعًا كبيرًا من مشايخ الطرق في مصر باتوا فاقدين للمقومات التي يحتاجها المنصب، ومشددًا على أن منصب شيخ الطريقة روحي بالدرجة الأولى، وهذا لا يحدث إلا إذ كان الشيخ عالمًا بالتصوف بالصورة التي تساعده على احتواء احتياجات المُريدين الروحية.

وأوضح «زهران»، أن ثمة تطورًا ينتظر التصوف المصري، بفعل موجة التصوف العلمي، التي ستنتشل التصوف المصري من الشكل الفلكلوري الطقوسي.
"