يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«داعش» يختار العمق الأفريقي ساحة جديدة للإرهاب

الأربعاء 01/أغسطس/2018 - 11:51 ص
داعش
داعش
أحمد لملوم
طباعة
تفيد التقارير القادمة من نيجيريا والنيجر أن الجماعات الإسلامية المتشددة تكتسب المزيد من النفوذ في منطقة الساحل، التي تضم اثنتي عشرة دولة أفريقية يعاني أغلبها من وجود جماعات مسلحة سواء عرقية أو دينية.


مدينة مايدوغوري
مدينة مايدوغوري
وخصصت مجلة الإيكونوميست البريطانية تقريرًا في عددها الجديد الصادر هذا الأسبوع لتناول تطور الوضع فيما يتعلق بتحركات الجماعات الإرهابية في أفريفيا، ويُروى محرر التقرير في البداية عن مقابلته لفتاتين صغيرتين في عيادة الصليب الأحمر بمدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو في نيجيريا، وكيف أن أطباء العيادة اعتادوا التعامل بمهارة مع إصابات ضحايا العمليات الإرهابية سواء كانت تفجيرات انتحارية أو تبادل لإطلاق النار.

وما يميز مدينة مايدوغوري هو وجودها في مركز الحملات التي تشنها الجماعات الإرهابية في أفريقيا عبر الصحراء الكبرى، فالصراع الجاري لا يتم تسليط الضوء عليه بشكل كاف، حتى مع مقتل أكثر من عشرة آلاف شخص الغالبية العظمي منهم مدنيون، ويقول مارك هيكس، قائد القوات الأمريكية الخاصة في أفريقيا لمحرر التقرير «نشاط الإرهابيين الحالي هو أكبر عملية لأعضاء تنظيم داعش خارج العراق وسوريا»، هذا النشاط المكثف لفت انتباه أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وقاموا بإرسال قوات عسكرية لهم في أفريقيا.


داعش
داعش
معركة غير محسومة
تتخوف الدول الغربية من احتمال فوز الإرهابيين بالحرب، ويقول برونو غيبير قائد عملية بارخان، المكونة من 4500 جندي من قوات مكافحة الإرهاب الفرنسية، إن الحملة العسكرية ضد الجماعات الإرهابية في أفريقيا تحقق تقدما كبيرًا «لا يمكنني القول إن الوضع يزداد سوءًا، بالعكس الأمور في تحسن».

لكن الإحصاءات تشير إلى خلاف ذلك، فقد ارتفع عدد العمليات التي نفذتها الجماعات الإرهابية في أفريقيا بأكثر من 300 في المائة بين عامي 2010 و2017، كما زاد عدد الدول الأفريقية التي تشهد نشاطًا واسعًا للإرهابيين أكثر من الضعف أي نحو 12 دولة خلال الفترة نفسها وفقًا لمركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية. 

وقامت أغلب الجماعات الإرهابية في أفريقيا بمبايعة تنظيم داعش أو القاعدة، وتشمل هذه الجماعات حركة الشباب في الصومال، وبوكو حرام في نيجيريا، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، ويستمد الصراع في هذه الدول قوته من عدم وجود مساواة في توزيع الثروات ووجود مظالم كثيرة أخرى لا يسمع لها أحد.

وما يميز أعضاء هذه المجموعات هو اعتناقهم جميعًا للأفكار المتشددة نفسها، التي عزز وجودها انهيار ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011، خاصة مع تهريب كميات كبيرة من مخازن الأسلحة الليبية عن طريق شبكات التهريب المنتشرة في أرجاء المنطقة كافة، ورصدت أجهزة المخابرات الغربية استفادة الجماعات الإرهابية في أفريقيا من تجربة مثيلتها في العراق وسوريا، هذا الأمر كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد حذر منه قائلًا: «التحدي بالنسبة لنا هو إدارة الصراعات.. ومنعهم من الانضمام معًا».

ويرى الخبراء في مكافحة الإرهاب أن أهم المعارك ضد تنظيم داعش، تجري في نيجيريا ضد جماعة بوكو حرام، إذ تبلغ مساحتها الكلية حجم فرنسا وألمانيا مجتمعة، وتعد أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان البالغ 180 مليون نسمة وأكبر اقتصاد في القارة السمراء، ويقول جنرال متقاعد كان يشغل من قبل منصب كبير في القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا «إذا سقطت نيجيريا فإنها ستكون حفرة عملاقة تبتلع ست أو سبع دول أخرى».

وتؤكد الحكومة النيجيرية- باستمرار- أن الحرب ضد جماعة بوكو حرام قد انتهت، وإن القوات الحكومية قد انتصرت بالفعل، لكن هذه التصريحات تخالف الواقع قرية كيريبري، على بعد نحو 20 كيلومترا من مدينة مايدوغوري، حيث فقدت القوات الحكومية السيطرة على مجريات الأمور هناك، ويقول مصدر أمني «لا يوجد أمن بالقرية، هذه منطقة تابعة لبوكو حرام».
بوكو حرام
بوكو حرام
بداية بوكو حرام

تعتبر مدينة مايدوغوري النيجيرية مسقط رأس جماعة بوكو حرام- إن جاز التعبير- إذ يرى بعض أعضاء تنظيم القاعدة وداعش أعمالها شديدة الدموية حتى بالنسبة لهم، وتم تأسيس جماعة بوكو حرام على يد أتباع خطيب ديني تمتع بكاريزما عالية يدعى محمد يوسف، وكان يقدم دروسًا وخطبًا دينيَّة في مسجد بمدينة مايدوغوري عام 2002، ويقول رجل حضر خطب يوسف «لقد كان مقنعًا للغاية، جعلني أتفق مع كل شيء قاله».

وكثيرًا ما أكدت القيادات الأمنية النيجيرية أنه خلال معركتها ضد جماعة بوكو حرام، سعت إلى كسب تعاطف السكان المحليين في المناطق التي تنشط فيها الجماعة الإرهابية، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فقد قام الجيش النيجيري بإخلاء المناطق الريفية من السكان بطريقة منهجية، وحرق قراهم ووضعهم في مخيمات مزرية في مدينة مايدوغوري وغيرها من المدن التي أطلق عليها مصطلح «مدن آمنة»، ويقدر عدد النازحين بسبب القتال في نيجيريا والبلدان المجاورة بنحو 2.4 مليون شخص.

ويري معظم المتابعين لما يجري في نيجيريا أن عمليات القتل العشوائية التي يقوم بها الجيش وإجبار الناس على ترك بيوتهم والعيش في مخيمات تقوي شوكة جماعة بوكو حرام، وتقول منظمة العفو الدولية المعنية بحقوق الإنسان إن العديد من النساء والفتيات تعرضن للاغتصاب في المخيمات وأن المئات إن لم يكن الآلاف من الأشخاص الموجودين فيها ماتوا بسبب الجوع أو نقص الرعاية الطبية.

وفي دراسة قام بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجد أن 71 في المائة من الأشخاص الذين انضموا إلى الجماعات الإرهابية في أفريقيا فعلوا ذلك ردًا على وحشية تعامل قوات الأمن معهم، ومعظمهم غير متعلمين قادمين من مناطق فقيرة.


تعبيرية
تعبيرية
الغرب لا يريد التورط

لا ترغب الدول الغربية في الانجرار إلى حرب أخرى، لكن تقوم بتقديم دعم عسكري، فهناك كل من أمريكا وبريطانيا تدربان القوات النيجيرية وتقدمان المشورة لها، كما تقوم القوات الأمريكية الخاصة بدوريات مشتركة مع الجيش في النيجر وتقوم فرنسا بعمليات واسعة عبر الساحل، إضافة إلى تمويل القوى الغربية مجموعة الخمسة وهي تحالف عسكري يجمع خمس دول أفريقية لمكافحة الإرهاب، وهي: بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر.

وتعد المشاركة الأمريكية في العملية الجارية في الصومال هي الأكبر لها في مواجهة الإرهاب في أفريقيا، حيث يوجد نحو 500 جندي أمريكي على الأرض، وتشن غارات وقصفًا بطائرات بدون طيار لقتل الإرهابيين، ويثير مقتل أربعة جنود أمريكيين في كمين بالنيجر أكتوبر الماضي الشكوك حول حجم مشاركة أمريكا في أفريقيا، فقد كانت هذه الحادثة أكبر خسارة في الأرواح للقوات الأمريكية في القتال لأفريقيا منذ مقتل 18 رجلا في مقديشو قبل 25 عاما.

وصدرت أوامر للجنود الأمريكيين في أفريقيا بعد هذه الحادثة بالقيام بمهام أقل ولأخذ عدد أقل من المخاطر، وفي وقت سابق من هذا العام بدء البنتاجون بدراسة خفض محتمل بنسبة 50 في المائة في عدد القوات الخاصة في أفريقيا على مدى ثلاث سنوات المقبلة، ولسد هذا الفراغ يتعين على بريطانيا وفرنسا وحلفائهما أن يضعوا المزيد من قواتهم على الأرض.

ويقارن الجنرال مارك هيكس، قائد القوات الأمريكية الخاصة في أفريقيا صعود الجهاد في أفريقيا بما حدث مع حركة طالبان في أفغانستان عام 1993، وإن التهديدات التي تشكلها على الغرب «لا تزال في مرحلة مبكرة ويمكن التعامل معها بسعر يمكن تحمله في كل من الدم والمال». 

لكن تجربة الغرب في أفغانستان منذ عام 2001 تحمل درسًا آخر، وهو أن التدخل العسكري لا يمكن أن يحل المشكلة وحده.
"