يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ضبابية صناعة القرار الأمريكي تحت حكم «ترامب»

الأربعاء 25/يوليه/2018 - 12:25 ص
«ترامب»
«ترامب»
هانى دانيال
طباعة
تضارب تصريحات وقرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أنه منذ وصوله للبيت الأبيض رسميًا والسمة الغالبة لتصرفاته هي الشعبوية والتحول من الشيء لنقيضه، بل والتنصل من الالتزامات والاتفاقيات التي وقعتها واشنطن من قبل، وهو ما ترتب عليه تصاعد الكثير من الخلافات بين واشنطن والدول الصديقة وخاصة عددًا من الدول الأوروبية، إلى جانب عدم وضوح مواقفه من الأزمة السورية، وكلها أمور تعكس ضبابية المشهد الأمريكي، وهو ما اتضح مؤخرًا بشكل ملحوظ في دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة الولايات المتحدة الخريف المقبل دون معرفة بقية مؤسسات الحكم بهذه الدعوة.


 ترامب
ترامب
أسلوب ترامب
أسلوب «ترامب» الصادم واعتماده على عنصري العفوية والمفاجأة، حققا له اهتمامًا جماهيريًّا كبيرًا أثناء الحملة الانتخابية وحتى الوصول لكرسي الحكم، وإلى الآن لم يتراجع عن هذا الأسلوب رغم الظروف والتحديات المحيطة، التي انعكست بشكل سلبي على صورة الولايات المتحدة أمام التزامها دوليًّا، وما ظهر في الانسحاب من اتفاقية المناخ، والاتفاق النووي الإيراني، وكذلك الانسحاب من اليونسكو، بل الإصرار على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في تحدٍ كبير ودون اعتناء بالغضب الدولي جراء هذه الخطوة، إلى جانب الدخول في أزمات تجارية كبرى مع الصين، وكلها أمور تزيد من حدة اشتعال الموقف الداخلي في واشنطن، في ظل تضارب تصريحات ومصالح المؤسسات الأمريكية، واتساع الفجوة بين الكونجرس والبيت الأبيض.

ترامب وبوتين
ترامب وبوتين
سر بوتين
منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، هناك إشكالية كبيرة تحيط بعلاقته بالرئيس الروسي، وكثيرًا ما أثيرت اتهامات لموسكو بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وسط مخاوف من تكرار ذلك في الانتخابات التشريعية المقبلة، وبالرغم من التصريحات الإيجابية التي صدرت من جانب ترامب في حق موسكو، وتوقع البعض بحدوث انفراجة في العلاقة بين البلدين، إلا أن هناك عددًا من العوامل أدت إلى اشتعال الموقف بشكل حاد، بل والوصول بالعلاقة إلى مرحلة الحرب الباردة، في تراجع غير مسبوق وغير متوقع لسيناريو الأحداث، وتأجل موعد أول اجتماع رسمي بينهم حتى عقد في 16 يوليو الجاري في العاصمة الفنلندية هلسنكي، بعد أن سبق والتقى الزعيمان مرتين على هامش اجتماعات ومؤتمرات أخرى.

ورغم الاجتماع الأخير، فإن هناك علامات استفهام لم نجد لها إجابات شافية، وبالرغم من عدم اعتراف ترامب بأى تدخل روسي في العملية الانتخابية الأمريكية، عاد ليلمح بعد قمة هلسنكي بعدم استبعاد وجود دور لموسكو في الانتخابات، وسرعان ما أعلن عن دعوة «بوتين» لزيارة واشنطن في الخريف المقبل، في مفاجأة لم يتوقعها أحد، وهو ما برز في اندهاش مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية دانيال كوتس، عندما أبلغ عن نية البيت الأبيض دعوة الرئيس الروسي إلى واشنطن، وقال «كوتس» ضاحكًا خلال منتدى «أسبن الأمني»، عندما قرأوا رسالة عن دعوة «بوتين» لزيارة واشنطن: «أعيدوا ما قلتم، لم أسمع؟، لم أسمع؟ حسنًا، سيكون هناك شيء خاص».

حتى الآن لم يزح الستار عن كثير من الأسرار المتعلقة «بترامب وبوتين»، وإلى أي مدى يتوافق الرئيسان في الملفات المطروحة، وخاصة الأزمة السورية، والملف الإيراني، وماذا عن أزمة القرم وكيفية التعامل مع الاتحاد الأوروبي، في ظل تأزم العلاقة بين حلف الناتو وموسكو، فكثير من الملفات لا تزال مفتوحة، ولم يسدل الستار عنها، وهو ما يعنى استمرار الغموض الذي يكتنف العلاقة بين موسكو وواشنطن.
ترامب
ترامب
مشكلة داخلية
بالرغم من النجاحات التى يحققها «ترامب» على المستوى الشخصي، واتخاذ خطوات لم يقدر عليها رؤساء سابقون، وخاصة فى التعامل مع كوريا الشمالية أو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإنه يواجه أزمة داخلية كبيرة في الكونجرس، وسط تباين المواقف تجاه قراراته، كذلك بالرغم من تغيير مدير الاستخبارات المركزية، إلا أن الخلافات موجودة، والدهشة مستمرة نتيجة ما يقدم عليه «ترامب» من قرارات، وهو ما يعني أن صناعة القرار داخل مؤسسات الحكم الأمريكية لم تعد واضحة، وأن استمرار الوضع الحالي غير متوقع، وأن ثمة تدخلات غير معلومة المصدر ستكون هي الفيصل لإنهاء الجدل حول ما يحدث، ومنع إظهار صورة واشنطن بالحليف غير الموثوق فيه، فعلى مدار عقود كانت الولايات المتحدة سندًا لعدد من الدول الأخرى، والتزامات واشنطن معروفة مسبقًا، ولكن تحت مظلة «ترامب» لم يعد هناك أمر مأمون، وصار كل شيء عرضة للتغيير.

 الكونجرس
الكونجرس
أوروبا تتابع
منذ التنصل من الاتفاق النووي الإيراني، وأوروبا تتابع عن كثب ما يحدث في دوائر صناعة القرار الأمريكي، ومدى رضا الكونجرس والبنتاجون والاستخبارات المركزية عن قرارات «ترامب»، وهل هناك تعارض بين هذه المؤسسات أم لا، من أجل التوصل إلى سيناريوهات مستقبلية للتعامل مع الموقف، فالدول الأوروبية وخاصة فرنسا وألمانيا لديها خطة للتعامل مع الاشكاليات والتحديات التي يمر بها العالم، وتعتمد دائمًا على مبدأ التشاور مع بريطانيا قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة، ولكن مؤخرًا وبسبب انفراد واشنطن بالقرار بما يهدد المصالح الأوروبية، أصبحت هناك حاجة إلى آلية واضحة يمكن من خلالها التحرك للحفاظ على المصالح الأوروبية، دون استثارة غضب واشنطن لأنها اللاعب الأكبر حجمًا ونفوذًا في القضايا الدولية، وبالرغم من خطورة ما يحدث، فإن أوروبا ليست لديها خيارات عديدة، في ظل الأزمات التي تعانى منها حاليًا وخاصة اللاجئين، وملف الخروج البريطاني، ومستقبل الناتو، وغيرها من التفاصيل التي تحدد مستقبل العلاقات الملفات المطروحة على الساحة الدولية حاليًا.
ترامب وبوتين
ترامب وبوتين
ماذا بعد؟
من غير المتوقع أن يحيد «ترامب» عن أسلوبه فى التعامل مع القضايا والإشكاليات التي تواجه حكمه، وخاصة من جانب الحزب الديمقراطي، الذي لا يترك أى مناسبة لاتهام «ترامب» بالخضوع لبوتين، ومؤخرًا اتهم تشاك شومر زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي، «ترامب» بالإدلاء بتصريحات «غير مسؤولة، خطيرة وضعيفة»، أمام نظيره الروسي، وربما يستمر الأمر لشهور قادمة ما لم يحسم «ترامب» شخصيًّا موقفه بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية إما بالنفي أو الإثبات، ودون ذلك ستظل العلاقة متأرجحة بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونجرس من جانب، وبين الديمقراطيين والبيت الأبيض من جانب آخر، فورقة موسكو هى الأكثر رواجًا وتأثيرًا على نفوذ الناخبين، في ظل ما يتخذه «ترامب» من قرارات شجاعة وغير تقليدية على صعيد القضايا الدولية، وبما يصب في مصلحة المواطن الأمريكي الذي وعده كثيرًا بمساعدته وتوفير مزيد من الأموال له بعد أن كان يتم استغلالها في ملفات خارجية.

وربما تشهد المؤسسات الأمريكية تغييرات جديدة سواء في الخارجية أو الدفاع، أو الاستخبارات المركزية أيضًا، وأي شخص لا يتمتع برضا «ترامب» عرضة للتغيير، وأي منصب لا يساعده على تحقيق تطلعاته الداخلية والخارجية لن يدوم طويلًا فى منصبه، فالرهان يتوقف على مدى مساعدة «ترامب» فى إنجاز ما يريده حتى ولو كان على عكس هوى المؤسسات الأمريكية، ولاشك في أن هذه التداعيات سيكون لها تأثيرها على الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة في 2020، فالناخب الأمريكي وإن كان يتابع ما يحدث حاليًا في مؤسسات الحكم دون التدخل بشكل مباشر، إلا أنه سيحسم قراره في الانتخابات القادمة إذا رشح ترامب نفسه مجددًا، أو تجاه مرشح الحزب الديمقراطي، فالحراك الذي يحدث حاليًا والخلافات التي ظهرت على سطح الأحداث سيكون لها تداعيات دون شك على مستقبل الحزب الجمهوري سواء في الكونجرس أو عبر مرشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

فرنسا وألمانيا يتابعان عن كثب ما يحدث في واشنطن، ومعرفة ما سيقومان به خلال الفترة المقبلة من أجل عدم الاعتماد الكلي على واشنطن، روسيا من جانبها تستفيد من الخلافات التي ضرب مؤخرًا التحالف الأمريكي الأوروبي، والذي وصل إلى أقصاه إبان أزمة القرم والعداوة مع موسكو، كذلك إيران من جانبها تستعد لمعركة ما بعد بشار الأسد في سوريا، ومستقبل الوجود الإيراني في الشام، وكلما اتخذ ترامب موقفًا معاديًا تجاه إيران، زادت مطامع طهران فى الشرق الأوسط، وتعقد المشهد بشكل أكثر، وهو ما ظهر مؤخرًا من توجيه ترامب تحذيرًا شديد اللهجة إلى نظيره الإيراني حسن روحاني، متوعدًا إياه بتداعيات «لم يختبرها سوى قلة عبر التاريخ»، فيما طالب مايك بومبيو بدعم عالمي للضغط على إيران من أجل إجراء إصلاحات.
"