يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التصوف التونسي.. واجه التطرف والتغريب وحافظ على الهوية

الثلاثاء 24/يوليه/2018 - 10:01 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة
ربما تكفي الإشارة إلى الاهتمام الملحوظ الذي يوليه الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي -ذو التوجهات العلمانية- لأضرحة الأولياء والمشايخ للدلالة على وزن الطرق الصوفية في المجتمع التونسي.
التصوف التونسي..
«السبسي» المولود بضاحية سيدي بوسعيد، شمال شرق العاصمة، في ٢٩ من نوفمبر ١٩٢٦، داخل ضريح أبي سعيد الباجي، الذي سُمي على اسمه، وفقًا لما ذكره في كتاب «الحبيب بورقيبة المهم فالأهم»، تعهد خلال حملته الانتخابية في 2014، بالتصدي لظاهرة التعدي على أضرحة الأولياء في تونس، وهو ما فُسر بمحاولة استمالة أصوات الكتلة الصوفية آنذاك.

ويتعامل التونسيون مع التصوف كخلفية تستند إليها حياتهم اليومية، إذْ أصبح ثقافة أكثر منه منهجًا دينيًّا، ويعكس ذلك عدد الأضرحة المتقاربة والممتدة في البلد الصغير، والتي لا يوجد حصر رسمي بعددها.

الأولياء وأعلام التصوف تحديدًا، يحظون بمكانة في نفوس أهل تونس، إذْ يرونهم «بركة» يستدعونها في أمور حياتهم، إلى الدرجة التي جعلتهم يربطون أسماء المدن والقرى، بالأولياء مثل سيدي علوان، وسيدي عمر بوحجلة، وسيدي علي بن نصر الله، وسيدي مخلوف.
التصوف التونسي..
الباحث والمفكر الإسلامي التونسي الصوفي، بدري بن منور المدني، ينصح في مقال له منشور في 2015 بعنوان «المدارس الصوفية في تونس: شيوخ التصوف بين توفر الشروط والتسول والدجل»، بحتمية البحث عن «المرشد المربي»، ويقصد به شيخ الطريقة، فيقول:

«إذا لم يجد أحد في مدينته فليبحث عنه في مدن أخرى، ألا ترى المريض يسافر إلى بلدة ثانية للتداوي إذا لم يجد الطبيب المختص، أو حين يعجز أطباء مدينته عن تشخيص دائه، ومعرفة دوائه، ومداواة الأرواح تحتاج إلى أطباء أمهر من أطباء الأجسام».

ويرجع عمق التصوف في الوجدان التونسي إلى تحول البلاد إلى محطة مهمة في حياة الزهاد القادمين من المغرب والجزائر والأندلس في العصور القديمة، لاسيما أولئك الذين خرجوا من ضواحيها.

من بين أبرز الأقطاب الصوفية الذين عرفتهم تونس، أبو الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية التي انتشرت أفرعها في أغلب الدول الإسلامية، وأحمد بن عروس، مؤسس الطريقة العروسية، وأبو العباس المرسي، تلميذ أبي الحسن الشاذلي الذي رافقه إلى مصر، والسيدة المنوبية، حارسة العاصمة التونسية، وفقًا للموروث الشعبي التونسي.

ويفسر الانتشار الصوفي في المغرب العربي عمومًا، السعي المغاربي للحفاظ على الهوية العربية، إذ ارتبطت الصوفية بفتح الزوايا التي وفرت حفظ القرآن الكريم، وتعلم اللغة العربية والشعر، والحفاظ على الزي العربي في مواجهة محاولات التغريب.

وتمتلك تونس خريطة كبيرة للطرق الصوفية، بين محلية خرجت من الداخل، وأخرى وافدة صنعت لنفسها مريدين في أوساط التونسيين، أبرزها الشاذلية، تونسية المنشأ، والتي انطلقت فيما بعد إلى دول عربية وإسلامية، منها مصر التي تفرعت فيها إلى أكثر من طريقة، ويتردد على مقراتها الآلاف في كل من البلدين إلى الآن، حتى إنه يقام «للشاذلي» في مصر كل عام مولد، في منطقة الحميثرة بالبحر الأحمر بالتزامن مع عيد الأضحى، ويقول المتصوفة إنه يجذب نحو 3 ملايين صوفي من مصر وخارجها كل عام، فيما يسمى عند البعض منهم بـ«الحج الصوفي»؛ نظرًا لتزامنه مع موسم الحج.
التصوف التونسي..
والطريقة القادرية لمؤسسها عبدالقادر الجيلاني، وهي وافدة على تونس، وينسب إدخالها إلى شخص يُدعى محمد المنزلي، لتستقر في الشمال والجنوب، بالإضافة إلى الطريقة المدنية المؤسسة في 1911، والطريقة التيجانية، والعروسية والعيساوية.

ويتشكل الهيكل التنظيمي للطرق من الشيخ، أعلى مرتبة في الطرق والزعيم الروحي لها، ويأتي بعده الخليفة، الرجل الثاني الذي ينيب عن شيخ الطريقة في المناطق البعيدة، أما المقدم فيأتي في المرتبة الثالثة، ويتولى تفسير أفكار الطريقة للمريدين.

كغيرهم من المتصوفة العرب، يُتهم صوفية تونس بأنهم لا يمانعون في استخدام أعدادهم لمغازلة رأس الدولة، حتى إن كتابًا صدر بعنوان (الطرق الصوفية والاستعمار الفرنسي في تونس 1881 1939) للمؤرخ التونسي، التليني العجيني، في منشورات كلية الآداب احتفالًا بمنوبة جامعة تونس 1992، اتهم الطرق الصوفية بالتعاون مع الاحتلال الفرنسي، إلا أن باحثين من داخل الحركة الصوفية التونسية بادروا بالنفي، منهم بدري المدني، الذي قال في وقت سابق: إن الصوفية ليست صنيعة الاحتلال، مستشهدًا بخلفيات صوفية لشخصيات شهيرة حاربت الاحتلال مثل عبدالكريم الخطابي، وعمر المختار.

ولا ينفي ذلك أن يكون الاحتلال أو حتى الحكومات التونسية القادمة بعده، قد حاولت استمالة المتصوفة، وآخرهم «السبسي»، الذي تعهد بحماية الأضرحة، ومقامات الأولياء من اعتداءات التيار السلفي التونسي.

وكان ما يزيد على 30 مقامًا، قد تعرض لاعتداء من قبل شباب السلفية في تونس، خلال 2012 فقط، وتجدر الإشارة إلى أنه منذ وصل «السبسي» إلى الحكم في 2014، لم يتعرض مقام صوفي واحد للهجوم.

رغم خصوصية الحالة الصوفية، إلا أنها لم تمنع بعض الشباب التونسي من الجنسين من الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية، إذْ تحتل تونس مرتبة متقدمة في قائمة الدول المصدرة لـ«الدواعش».

وحلت تونس في المرتبة الأولى عالميًّا بواقع 1390 إرهابيًّا، في تقرير صدر في أغسطس 2017، عن اللجنة التونسية للتحاليل المالية، معني بحصر جنسيات المفتش عنهم دوليًّا، فيما قدر وزير الداخلية التونسي، الهادي المجدوب، في يناير 2017 عدد التونسيين الموجودين في صفوف الجماعات المتطرفة بـ2929 تونسيًّا.
"