يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

كأس العالم يضع خلافة «الإخوان والسلفيين» في مأزق

الإثنين 23/يوليه/2018 - 10:48 ص
مونديال كأس العالم
مونديال كأس العالم 2018
هشام النجار
طباعة
نشطت بقايا جماعات الإسلام الحركي في الدعاية لنفسها أثناء مونديال كأس العالم 2018م، بإطلاق مزاعم «أن ذنوب الناس ومعاصيهم هي سبب الهزائم»، ولا يفوت أعضاء هذا التيار مناسبات كهذه لمعاودة الترويج لأنفسهم بزعم كونهم البديل الرباني الذي سيتحقق على يديه النصر السياسي والاقتصادي والرياضي، بعد أن تسبب الانحدار الأخلاقي في هزيمتهم في كل المجالات.
 المنتخب المصري
المنتخب المصري
وزعم البعض منهم أن هزيمة المنتخب المصري في المونديال كانت بسبب وفد الفنانين، الذين هم -وفق تصور الإسلامويين- التجسيد الفج للبعد عن الدين، أما الانتصار الوحيد الذي تحقق فهو رفض حارس مرمى المنتخب، محمد الشناوي، لجائزة أفضل لاعب لكون الجائزة مقدمة من شركة خمور.

تستدعي تلك الدعاية خبرة قديمة لدى تيار اليمين المتشدد، الذي ربط برنامجه السياسي وصعوده للسلطة بمشروع إنقاذ الإنسان من الانحراف الأخلاقي، وبما أن الإنسان العادي وحتى المتخصص لا يمكنه أن يلم بكل وصايا الدين، وليس بوسعه إلا أن يرتكب الأخطاء بحسب الطبيعة البشرية، فإنه سيظل خائفًا طوال عمره من هذا التقصير، وهو ما يجعله في حاجة دائمة لجماعات تزعم تمثيلها لـ«الإسلام»، تلك التي توهمه بكونها الضامنة بأن لا تنعكس تلك الانحرافات سلبيًا على واقع الناس الحياتي.

ويتم الترويج لهذا الخطاب بصيغة معاكسة في المجتمعات الأوروبية بغرض أدلجتها، فالإسلامويون المفتقرون لمواهب الإدارة السياسية لا يملكون حجة في دول غربية متقدمة وناهضة في مختلف المجالات لإقناع البعض بضرورة إقامة خلافة إسلامية هناك، سوى أن هذا الغرب المنحرف أخلاقيًا لن يشفع له تقدمه من حلول النقمة الإلهية عليه.

وتقود هذه الخطة هنا وهناك لنتائج مدروسة مسبقًا، وهي الإعلاء المبالغ فيه من شأن قادة وأعضاء جماعات الإسلام الحركي والتنظيمات السلفية، بوصفهم أصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم الله التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، وهو ما يمنحهم فرص تعزيز مكانتهم وتضخيم الدور الذي يلعبونه في المجتمع. ومن ثم يتحقق المراد النهائي لتلك الجماعات والمتمثل في تهميش العلوم الوضعية الدنيوية «غير الشرعية»، التي لا يجيدونها، والتحقير من شأنها، لأنه وفقًا لتصورهم «ليس كل علم نسميه علمًا فإنما العلم علم الديانة وعلم الشريعة، والعلم الذي علمه ربنا سبحانه لأنبيائه وبلغه أنبياؤه إلى أممهم هو وحده الذي يُحصل به الشرف».

ويجد هذا التيار في التابوهات الدينية، عبر مخاطبة المشاعر ولجم العقل وتسخيره، سبيلًا لطرح فرضية صعوده للحكم والانتقال بشعب ما من نموذج دولة المواطنة والمؤسسية إلى نموذج دولة الرعية.

وبزعم التطهر والخلاص من آثام البشر، يتم الترويج لأوهام الدولة الدينية التي كانت خاصة فقط بالأنبياء وانتهت بموتهم، وهي دولة يهبط على زعيمها الوحي من السماء ويختاره الرب ولا ينتخبه الشعب، وطاعته فرض ديني ومعارضوه إما كفار أو منافقون، ولا يحق للمحكومين عزله، فما يبرمه الرب يستحيل أن ينقضه البشر، ومدة توليته مدى حياته.

هي خلافة بلا مجالس تشريعية فهناك فقط ولاة يطبقون الشرع لا القانون ويعاقبون من يخالفون التعاليم الدينية، ولا تساوي بين أتباع الديانات والمذاهب، ويرفض معتنقوها تكافؤ الفرص ومبدأ الحرية والمسؤولية، الذي بنى عليه الفيلسوف الفرنسي، جان بول سارتر، فلسفته في خمسينيات القرن الماضي، بزعم أن الله هو من يحدد الأرزاق.

الفيلسوف الفرنسي،
الفيلسوف الفرنسي، مونتسكيو
ولا وجود لما سماه الفيلسوف الفرنسي، مونتسكيو، بمبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فالخليفة هو وارث النبوة وبيده كل السلطات، ما يعني العصف بكامل منظومة معايير الدولة الحديثة وفصل المجتمع عن الحياة المعاصرة وعن التطور الإنساني، بإشاعة وهم وجود مخلص بمكانة نبي ضامن لصد عقاب السماء عن العصاة والمذنبين.

والمواطن في حال كهذا مطالب بالتسليم بالواقع دون مناقشة، لكون ما يقال كلامًا سماويًا لا ينبغي إعمال الفكر فيه، وبالدين يتم تخويف الإنسان من المجهول المستقبلي، الدنيوي والأخروي معًا.

وفي مشهد عالمي مثل «كأس العالم»، جمع بين مختلف الأديان والجنسيات والحضارات، وبين ممثلي دول متقدمة وأخرى ترنو للتقدم وأخرى تصارع دواعي التخلف والرجعية، يظهر مأزق خلافة جماعة الإخوان والسلفيين، فرسالة «المونديال» الرئيسية أن التقدم والارتقاء غير مرتبطين بأي دين لا سماوي ولا أرضي، فالفوز في النهاية للمجتهدين بصرف النظر عن دينهم أو معتقدهم.

وبنظرة فاحصة على مشهد المدرجات في كل مباراة تكتشف أن في العالم هناك الملايين من البشر من النساء والرجال الذين يؤمنون بالعدل والحرية والجمال والخير والحب والإبداع ويحرصون على الإتقان والمهارة وتأتي سلوكياتهم متناغمة مع هذه القيم الايجابية العليا رغم أنهم لا يؤمنون بأي دين، حيث يؤكد هذا التنوع الإنساني الرائع أن القيم في جوهرها الإنساني الذي هو بالضرورة أشمل وأرحب من الجوهر الديني تعني أن يمتلك كل إنسان عقله وجسده ومصيره واختياراته وأدواره في الحياة، دون أي نوع من الوصاية الدينية والأخلاقية والسياسية أو الثقافية سواء جاءت تلك الوصاية من فرد أو جماعة، من تنظيم أو دولة.

إن الجوهر الإنساني للقيم الفاضلة أكثر شمولًا من الجوهر الديني؛ لأنه يوجد بين الناس جميعًا كونهم يشتركون في الإنسانية، وهم يتنافسون فيما بينهم بشرف ومن يفوز هو الأكثر اتقانًا ويقظة ومهارة، بينما يؤدي تسييس الدين واقحامه في مختلف المجالات، بما فيها الرياضة، إلى التفرقة بين الناس، وإلى تحويل التنافس السياسي والرياضي والتدافع الحضاري إلى حروب دموية طائفية وكونية مدمرة.

وتكتسب القيم عظمتها من كونها نابعة من إرادة حرة، وليس من كونها خانة في بطاقة رقم قومي، وفي أوروبا يتفوقون ويتقنون ما يصنعون، ليس لأن ذلك سوف يحجز لهم مكانًا في الجنة أو يحميهم من العقاب الإلهي، لكن لأنهم يؤمنون بأن تلك القيم الإنسانية العليا هي التي يجب أن تسود العالم ويجب أن يتحلى بها البشر في كل زمان ومكان.

فالإتقان والمهارة والاحتراف في السياسة والرياضة والاقتصاد قيم إنسانية وليست دينية، وكذلك النزاهة والأمانة والشرف لا يمكن تصنيفها وفقًا للأديان أو الطوائف أو المذاهب. لذا يخضع الحاكم والوزراء في الغرب للمساءلة والمحاسبة، بينما في نموذج الخلافة المزعوم لا يجرؤ أحد على مساءلة الخلفية أو أحد أعوانه، حتى لو ارتكبوا كل الموبقات والمخازي.

فالكرامة الإنسانية والعدالة والرفاهية والانتصارات هي مشتركات إنسانية يحققها الإنسان وتحققها الدول باجتهادها ونضالها، والحكومات بكفاءتها، ولا مكان هنا لدعاية الإخوان والسلفيين المتعلقة بـ«المذنبين المنحرفين أخلاقيًا والمقصرين دينيًا».

ويتمثل مأزق جماعة الإخوان هنا في عجزها عن الإجابة عن السؤال الأهم بشأن المفارقة بين طرحها الذي تروج له في الغرب والآخر الذي تروج له في الدول العربية؛ فما هو هدف خلافتهم في بلاد العرب خلاف إغلاق دور السينما والمسارح وتضييق الخناق على الناس؟ وإذا كانوا يحملون الشعوب العربية مسؤولية تخلفهم وهزائمهم بزعم كونهم مقصرين دينيًا ومذنبين، فكيف حقق الأوروبيون النهضة وحازوا الرفاهية والتقدم التقني والحضاري، رغم أنهم قطعوا مع الدين وترسخت في أذهانهم وفي واقعهم نظرة جديدة عنه في الفضاء العلماني الخاص بهم؟

نحن البشر على الأرض جميعًا مقصرون ومذنبون ونقترف الآثام وتلك طبيعة الإنسان، أما عدم تحقق الرقي والنهضة والانتصارات، فهذا مرده لحكومات وهيئات غارقة في التسيب والإهمال والفساد، علاوة على أنها لن تتحقق على أيدي جماعات تزعم أحقيتها في الحكم، وهي لا تملك من العلوم سوى علم الحرام والحلال، وليس لديها من برنامج سوى جلد ورجم العصاة.
"