يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

سوريا.. صراعات القوة المميتة على قلب الشام (1-4)

الخميس 19/يوليه/2018 - 08:52 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا في 2011، لم يتوقع أطرافها المحليون أن يستغرق بهم الأمر أكثر من ثمانِي سنوات في اقتتال محتدم دون أن تظهر في الأفق ملامح تسوية سياسية يمكن أن تنهي معاناة الشعب السوري، الذي دفعته حدة المعارك إلى النزوح داخليا واللجوء خارجيا.

 

ما كانت الحرب لتستمر كل هذه السنوات إلا بسبب تدخل القوى الإقليمية والدولية، كل حسب رغبته الخاصة وأملًا في تحقيق أكبر المنافع من الموقع الجيواستراتيجي لسوريا، الذي يبيح للقوى الموجودة فيه لعب دور محوري في توازنات القوى داخل المنطقة، خاصة أن سوريا تمتلك إطلالة بحرية على شرق المتوسط؛ حيث استكشافات الغاز الوفيرة، فضلًا عن حدودها المشتركة مع إسرائيل، ما يجعلها طرفًا فاعلًا في أي تسوية سياسية داخل المنطقة.


سوريا.. صراعات القوة

فوضى أمريكية غير خلاقة

كعادة الصراعات الدولية كافة، فقد اتخذت الولايات المتحدة وروسيا موقفًا مناقضًا من الأزمة، فبينما دعمت الولايات المتحدة المعارضة المسلحة من خلال برنامج تدريبي وتسليحي أقره الكونجرس الأمريكي، وقفت روسيا إلى جانب النظام السوري ودعمته بكل قوته من أجل الحفاظ على حليفها في الشرق الأوسط.

من المتعين هنا أن نشير إلى أن الولايات المتحدة قد اعتمدت سياسة" إطالة أمد الفوضى" بهدف التأثير في مخرجات الصراع حينما ترى الفرصة مواتية لذلك، فأكثر ما تخشاه واشنطن في الأزمة أن يخلف نظام الأسد نظامًا ذا توجه إسلامي معاد لها ولمصالحها في المنطقة، لأنه في حالة تحقق ذلك، فإن مجهود الولايات المتحدة للسيطرة على سوريا يكون قد ذهب هباء. صحيح أن أمرا كهذا قد يسهم في تقييد نفوذ إيران في المنطقة- لأن صعود أي فصيل إسلامي سني الى سدة الحكم في سوريا سوف يمثل ضربة للهلال الشيعي في المنطقة- لكنه في الوقت ذاته سوف يمثل ضربة للمصالح الأمريكية في المنطقة، بسبب صدامه المحتمل مع إسرائيل التي تحتل الجولان.

سوريا.. صراعات القوة

روسيا والقوة المميتة

على النقيض من ذلك، اتبعت روسيا سياسة «الحسم العسكري» من خلال توظيف القوة المميتة لأجل استعادة السيطرة على المناطق الخاضعة للمعارضة المسلحة، وقد تحقق ذلك في حلب الشرقية نهاية 2016 وغوطة دمشق الشرقية 2018، ما دفع المعارضة في أماكن أخرى- مثل القلمون الشرقي ودرعا والقنيطرة- للاستسلام خوفا من مواجهة المصير نفسه.

على صعيد متصل، ترغب روسيا بتأمين وجودها في قاعدة طرطوس البحرية لتضمن لنفسها وجودًا عسكريًّا على البحر المتوسط، خاصة المنطقة الشرقية منه التي تعج بالغاز الطبيعي وفقًا لآخر الاستكشافات التي قامت بها دول المنطقة، فضلًا عن رغبتها في إعاقة أي مشروع أوروبي مستقبلي لاستيراد الغاز الشرق أوسطي، ما سوف يشكل ضربة لقوة روسيا في مجال الطاقة؛ إضافة إلى ذلك، ترغب روسيا في دفع شركاتها العاملة في مجال الغاز والنفط نحو العمل في شرق المتوسط بهدف الاستفادة من موارده النفطية.

 

وفي الإطار ذاته، تتلاقي الرغبات الروسية مع التركية في هذا الملف، فتركيا كذلك لا تعترف باتفاقيات تقسيم الحدود المائية، التي وقعتها قبرص مع مصر أو إسرائيل، وترى في ذلك تعديًّا على سيادة قبرص التركية، ما يدفعها للعمل مع روسيا من أجل منع أي عملية تصدير للغاز إلى أوروبا، ومن ثم إعاقة العملية برمتها. لكن ذلك، لا يخفي المخاوف التركية من أن تشكل روسيا تهديدًا لمحاولتها فرض الهيمنة على الأجزاء الجنوبية من جزيرة قبرص.

من الأهمية أن نشير إلى أن تقديرات وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية قد أكدت أن شرق المتوسط عائم على بحر من الغاز الطبيعي، ما يؤكد أن الغاز لعب دورًا كبيرًا في القرار الروسي بالتدخل العسكري في سوريا.

سوريا.. صراعات القوة

سياسة تأجيج الصراع

علاوة على ذلك، تسعي روسيا لفتح أسواق جديدة من أجل تصدير السلاح إليها، وقد وفرت لها سوريا لذلك، فبعد أن أصبحت روسيا الحلقة الأقوى في مسار الصراع السوري، توجهت إليها العديد من البلدان العربية من أجل استمالتها بهدف تقييد أنشطة إيران في سوريا، الأمر الذي فشلت الولايات المتحدة في تحققه حتى الآن. وقد دفع ذلك السعودية لتعلن عن رغبتها في شراء منظمة S-400 أثناء زيارة الملك سلمان إلى روسيا في نهاية 2017، كما ابتاعت تركيا المنظومة نفسها، وتتفاوض قطر بشأن شرائها في الوقت الحالي.

 

لكن حقيقة أن روسيا تتغذى على صراعات المنطقة تقف عائقًا أمام أي محاولات عربية لاستمالتها إلي صفهم. بعبارة أخرى، لن تضحِ روسيا بعلاقاتها مع إيران وحلفائها؛ لأن هذا النوع من التفاعلات هو من منح روسيا الفرصة لإعادة اندماجها العسكري في الشرق الأوسط مرة أخرى بعد أن كان دورها قد اندثر مع سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن العشرين.

 

حقق المعسكر الروسي انتصارًا على المعسكر الأمريكي في عدد من النقاط داخل سوريا، أهمها أنها ساعدت النظام السوري على استعادة أجزاء واسعة من الأراضي التي كانت بقبضة المعارضة، ما جعل النظام يملك اليد العليا من حيث كمية الأراضي الخاضعة لسيطرته مقارنة بباقي الأراضي التابعة لباقي الكيانات العسكرية- يسيطر النظام السوري على نحو 56% من مساحة سوريا الكلية وفقا لآخر تقرير صدر عن مركز جسور للدراسات في الثاني من يوليو الحالي.

وأخيرًا، تجلى النصر الروسي في إيقاف الولايات المتحدة لمشروع دعمها للمعارضة المسلحة في يوليو 2017، وتوجيه الدعم بدلًا من ذلك إلى الفصيل الكردي الذي يعادي تركيا على عكس فصائل المعارضة الموالية لها، ما يجعلنا أمام ثلاثة فواعل رئيسية في حلقة الصراع.

ويوالي المرجع نشرت تفاصيل تلك الصراعات على أجزاء.

"