يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

رغم تهديدات «داعش».. البرتغال ملاذ آمن في أوروبا

السبت 14/يوليه/2018 - 12:02 م
المرجع
أحمد لملوم
طباعة
مع وضع التنظيمات الإرهابية أعينها على أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وتكثيف هجماتها في القارة العجوز، حاول تنظيم «داعش» ترويج قدرته على استهداف أوروبا بالكامل، فإنه لم يستطع إثبات ذلك بشكل فعلي.


رغم تهديدات «داعش»..
وفي مارس عام 2016، ذكر «داعش» اسم دولة البرتغال في بيان إعلان المسؤولية عن الهجمات الدامية، التي طالت العاصمة البلجيكية «بروكسل»، وراح ضحيتها 34 شخصًا، قائلًا: «اليوم نستهدف بروكسل ومطارها، وغدًا يمكن أن تكون البرتغال أو المجر».

رأى هذا التهديد الكثير من المحللين، ومنهم معهد أبحاث الشرق الأوسط في أمريكا، بأنه كان مجرد تفاخر وهميّ للتنظيم بقدرته على ضرب أي دولة أوروبية، كما أنه لا ينبغي اعتبار إشارة التنظيم للبرتغال أنها ستكون هدفه المقبل.

وفي عام 2014، نشرت صحيفة بريطانية، تقريرًا عن خريطة تُبين المناطق التي يخطط «داعش» للسيطرة عليها مستقبلًا، وكانت البرتغال ضمن الدول التي يسعى التنظيم لفرض سيطرته عليها بحلول عام 2020، وهو ما يتناقض مع المؤشرات الحالية كافة، سواء تدهور حال التنظيم، أو الخسائر العسكرية له في مناطق سيطرته بسوريا والعراق.
رغم تهديدات «داعش»..
حصانة من الإرهاب
وفي الوقت الذي تُعدُّ البرتغال ثالث أسلم دول العالم بعد أيسلندا ونيوزيلندا، ظهرت عوامل أخرى تجعل الدولة الأوروبية محمية من هجمات التنظيمات الإرهابية، وتُواجه تهديدات أقل بكثير مقارنة بالعديد من جيرانها الأوروبيين، وفقًا لتحليل معهد الاقتصاد والسلام، المتخصص في متابعة الأوضاع الأمنية وتقييمها.

ومن أجل فهم كيفية بقاء البرتغال في الوقت الحالي آمنة من الهجمات الإرهابية، لابد من النظر إلى التركيبة السكانية للبلد الأوروبي؛ إذ ظلت البرتغال دولة هجرة خلال ما يُسمى بـ«عصر الاكتشاف» بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، وكذلك في فترة الكساد الاقتصادي في أوائل القرن العشرين، كان عدد الأشخاص الذين يسافرون من البرتغال للخارج، يفوق عدد المهاجرين الأجانب القادمين إليها.

كما عملت البرتغال بقوة على الاندماج في النظام الاجتماعي الاقتصادي الجديد في أوروبا، مع بداية ظهور فكرة وجود تكتل أوروبي نتج عنها تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1993، وأصبحت عضوًا في المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1986؛ ما أسهم في نمو اقتصادي كبير وبنية تحتية قوية، وجذبت مئات الآلاف من المهاجرين الأجانب الذين يسعون لحياة أفضل وفرص عمل.

وفي التسعينيات، أصبح المهاجرون إلى البرتغال أكثر تنوعًا من النواحي الثقافية والعرقية، وعلى الرغم من تدفق الأجانب منذ منتصف السبعينيات للبرتغال، لايزال المهاجرون يُشكلون 13% فقط من عدد سكان البرتغال، وهي أقل نسبة في جميع أنحاء أوروبا الغربية.

والبرتغال موطن لجالية إسلامية كبيرة تقدر بعشرات الآلاف، ومع ذلك فإن هؤلاء المهاجرين لا تربطهم صلة وثيقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصراعات التي تجري فيهما؛ لأن الغالبية العظمى منهم جاؤوا من جنوب آسيا، وهو ما يفسر ندرة الرسائل الدعائية لتنظيمي «القاعدة وداعش» هناك.

كانت البرتغال متقبلة ومرحبة باللاجئين القادمين من الشرق الأوسط، لكن غالبًا ما يختار اللاجئون بلدانًا أوروبية أكثر ثراءً، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا كوجهة نهائية لهم، ووفقًا للأرقام الرسمية، لم يستقر في البرتغال سوى 480 لاجئًا من الشرق الأوسط.


رغم تهديدات «داعش»..
وهناك شيء آخر مثير للاهتمام حول المهاجرين الجدد إلى البرتغال، وهو أنه على عكس العديد من المهاجرين من الدول النامية إلى الغرب -الذين يجدون أنفسهم ضمن الطبقة تحت المتوسطة والفقيرة- فإن العديد من المهاجرين الذين استقروا في البرتغال أصبحوا في الواقع أثرياء.

والكثير من المنازل الفاخرة في المناطق السكنية الراقية في البرتغال يملكها المهاجرون، وهؤلاء المهاجرون الأثرياء هم في الأساس محصنون ضد الأصولية الإسلامية ودعاية «داعش».

وعلى عكس إسبانيا المجاورة، لا تُشكل النزعة الانفصالية سببًا للقلق في البرتغال؛ بفضل التنوع الديموغرافي الذي تحتفي به حكومة البلاد، وهي سمة تجعلها أقل عرضةً للتطرف والإرهاب، وعلى هذا النحو، مادامت البرتغال قادرةً على الاستمرار في الحفاظ على مستوى منخفض من التشدد الإسلامي، فإن البلاد تصبح تدريجيًّا الملاذ الآمن في أوروبا.
"