يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«طالبان» وعلاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية ومستقبل الأزمة الأفغانية

الجمعة 06/يوليه/2018 - 08:42 م
المرجع
حامد المسلمي
طباعة

تُعتبر حركة «طالبان» أبرز القوى الأفغانية الفاعلة على الأرض، والمسيطرة على أكثر من نصف الأراضي الأفغانية، ورغم ضربات قوات التحالف الدولي (بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية) والضربات الحكومية المتتالية ضد الحركة، على مدى حوالي 17 عامًا متتالية، إلا أن ذلك لم يقض عليها؛ ربما أضعفها لبعض الوقت، لكن ما لبثت أن استعادت «طالبان» حيويتها وقوتها وفرضت هيمنتها على مساحات شاسعة من الدولة.

 

وفي الوقت الراهن، تدرك كل القوى الإقليمية والدولية مدى قوة حركة «طالبان»، وأنه لا سلام في الداخل الأفغاني دون مشاركة ورغبة حقيقية من الحركة لنبذ العنف وإقرار السلام والاستقرار في البلاد، حيث تُشكل «طالبان» حجر الزاوية في أي تسوية مستقبلية للأزمة الأفغانية.

 

وعلى الرغم من توافر القناعة بأهمية دور «طالبان» في إتمام عملية السلام، إلا أنه لم يقدم أي طرف مساعٍ حقيقية لتسوية الأزمة، فيما تسعى الدراسة التالية لرصد المواقف الإقليمية والدولية تجاه الصراع في أفغانستان، وتقديم رؤية لمستقبل الحركة، وذلك عبر المحاور الآتية:

محمد داود خان
محمد داود خان

أولًا- خلفية تاريخية:

بدأت الأزمة الأفغانية عقب الانقلاب الشيوعي على حكومة محمد داود خان عام 1978، والتدخل السوفيتي لتدعيم الحكومة الجديدة الموالية لها ومواجهة الفصائل الإسلاموية المتطرفة عام 1979، وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب الباردة مشتعلة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي، دعمت الولايات المتحدة الأمريكية من أطلق عليهم «المجاهدين الأفغان» لاستنزاف الاتحاد السوفيتي، وتعاونت أمريكا مع مجموعة من الدول العربية والإسلامية لتجنيد المتطوعين للجهاد في أفغانستان، وتقديم الدعم العسكري واللوجستي والسياسي لهم، وانضم العديد من المسلمين حول العالم إليهم، خاصة من الدول العربية والأفريقية، لتتبلور ظاهرة الأفغان العرب، وفي هذا السياق نشأت حركة «طالبان» الأفغانية، كإحدى الجماعات المقاتلة ضد القوات السوفيتية.

 

تحول الوضع في الساحة الأفغانية، بعد خروج السوفيت، في 1989، من أفغانستان، وسقوط الحكومة المدعومة منه، عام 1992، إلى حرب أهلية، تقاتل فيها عدة قوى وحركات وتنظيمات داخلية، وقُدمت العديد من المبادرات لتسوية الوضع، إلا أن بروز «طالبان» عام 1995- والتي ينتمي أغلب عناصرها لقبائل «البشتون» التي تشكل الأغلبية في أفغانستان وتسيطر على الحكم فيها تاريخيًا- كإحدى الحركات والفصائل المسلحة السياسية المنخرطة في الداخل الأفغاني، والتي قدمت نفسها كحركة إسلامية تسعى لتحرير البلاد من المستعمر السوفيتي، كما تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد -وفق رؤيتها-، واستطاعت بسط سيطرتها على البلاد والاستيلاء على الحكم فيها منذ عام 1996، وحتى سقوطها إبان الغزو الأمريكي لأفغانستان في أواخر 2001.

 

وعلى مدار 17 عامًا تحاول الولايات المتحدة وقوات التحالف فرض وضع جديد على أفغانستان وتثبيت الحكومة الموالية لها، إلا أنها لم تستطع أن تنهي سيطرة حركة «طالبان» على أجزاء كبيرة من الأراضي الأفغانية، وذلك لأسبابٍ متعددة، أهمها:

 

1- «طالبان» ليست ككل الحركات الإسلاموية المتمردة، وإنما هي حركة قومية دينية، وتمثل الذراع العسكري لقبائل البشتون في البلاد، وهي القبائل التي تسيطر على حكم البلاد تاريخيًا، أي أن محاولة الولايات المتحدة فرض أمر واقع جديد على عرقية البشتون، التي تمثل ما يقرب 60% من الشعب، لن تجدي نفعًا.

 

2- التداخل القبلي بين عرقية البشتون في أفغانستان وباكستان (حيث تقترب نسبة البشتون في باكستان من 15.4% من الشعب الباكستاني، وهي الجماعة العرقية الثانية من حيث العدد) وفر الملاذ الآمن لحركة طالبان بالإضافة إلى الدعم المادي واللوجيستي لها.

«طالبان» وعلاقاتها

ثانيًا- علاقات «طالبان» بالقوى الداخلية في أفغانستان:

أفغانستان دولة حبيسة، لها حدودًا مع 6 دول، «باكستان، إيران، الصين، تركمانستان، أوزبكستان، وطاجيكستان»، ولا تنفصل خريطة الجماعات العرقية في أفغانستان عن محيطها الإقليمي، ويصل عدد الجماعات العرقية التى تتكون منها أفغانستان إلى حوالى 25 جماعة، أهمهم خمسة جماعات هي: «البشتون، الطاجيك، الأوزبك، الهزارة، والإيماك».

 

و«البشتون» هم الجماعة العرقية السائدة فى أفغانستان وحكامها التاريخيون، وتتراوح تقديرات نسبتهم إلى عدد السكان بين 45: 60%، ويتحدثون لغة البشتو، ويدينون الإسلام ويتبعون المذهب الحنفي، ويعيشون على الحدود الباكستانية، فهم يرتبطون عرقيًا مع قبائل البشتون في باكستان، أما «الطاجيك» فيكونون 25% من السكان، ويرتبطون بدولة طاجيكستان -تقع إلى الشمال من أفغانستان-، وفيما يتعلق بـ«الأوزبك» فتتراوح نسبتهم بين 5-10% من السكان، ويتركزون على حدود أوزبكستان، بينما تعد «الهزارة» أكبر الجماعات الشيعية ويشكلون نحو 10% من السكان، ويتركزون في وسط البلاد، وأخيرًا تشكل جماعة «الإيماك» نحو 10% من السكان، ويتركزون غرب أفغانستان، ويدين غالبية الشعب الأفغاني بالإسلام، منهم نحو 80:85% من السنة على المذهب الحنفي، بينما تشكل النسبة الباقية من الشيعة، خاصة الإسماعيليين.

 

وتأثرًا بهذا الوضع العرقي المعقد، تشهد الأحزاب الوطنية في أفغانستان حالة من الضعف، بينما تستطيع الأحزاب القبلية والدينية أن تحشد الجماهير، وعلى الرغم من مشاركة عدد من الجماعات القبلية في الحكومة الأفغانية، إلا أن «طالبان» لم تعترف بشرعية هذه الحكومة، ولا تريد المشاركة في العملية الانتخابية والسياسية وذلك لأسبابٍ متعددة:

1- الأفغان لا يقتنعون بالقيم والأدوات الديمقراطية ويرونها أدوات كفرية وغير إسلامية، ومن يذهب للانتخابات يذهب بدافع الولاءات القبلية والدينية وليس عن اقتناع بأهمية الانتخابات كأداة لتداول السلطة.

 

2- تعاني الحكومة الأفغانية من أزمة ثقة، نظرًا لأن «طالبان» هي الأكثر عددًا، وإذا ما أجريت أي انتخابات عادلة سوف تكسبها الحركة، وإلا ستحاول الحكومة تزوير الانتخابات في هذه الحالة، الأمر الذي سينكشف بسهولة، وتتشارك كل الجماعات في الشعور بأزمة الثقة، والتخوف من الهيمنة والاستبعاد، وهو ما يتفق مع طبيعة المجتمعات التعددية.

 

3- قناعة «طالبان» بأن أمريكا تريد ترتيب الحياة السياسية الأفغانية بعيدًا عن الحركة، أو بعيدًا عن مطالبها وطموحاتها لأفغانستان.

ثالثًا- علاقة «طالبان» بالقوى الإقليمية والدولية:

رغم انكار غالبية القوى الإقليمية والدولية وجود أي علاقة رسمية مع حركة طالبان، بالإضافة إلى أن أغلب دول العالم تُدرج الحركة على قوائم المنظمات الإرهابية، إلا أن بعض القوى الإقليمية والدولية تقيم علاقات علنية مع الحركة، وفي هذا الإطار نُشير إلى موقف عدد من الدول تجاه «طالبان».

«طالبان» وعلاقاتها

1- علاقة «طالبان» بالقوى الإقليمية:

أ‌-باكستان و«طالبان»:

تتشابك العلاقة بين أفغانستان وباكستان من حيث التداخل السكاني والقبلي الحدودي، بالإضافة للتضامن الديني (السني)، كما أن غالبية قادة حركة «طالبان» تلقوا العلم الشرعي في المدارس الديوبندية في باكستان (مدارس دينية)، وهذا أعطى مسحة تقدير وتوقير من «طالبان» إلى باكستان ودور مدارسها الشرعية في البلاد.

ونظرًا للعلاقات الممتدة بين باكستان والحركة، حيث تُشير بعض الدراسات والتقارير إلى أن هذه «طالبان» هي صنيعة الاستخبارات الباكستانية، صنعتها للهيمنة على أفغانستان، وكذلك ترى باكستان في «طالبان» مخزونًا استراتيجيًا لها يمكن أن يساعدها ضد الطموح الهندي في المنطقة.

 

وعلى الرغم من أن حركة طالبان مدرجة على قوائم التنظيمات الإرهابية والصادرة عن وزارة الداخلية الباكستانية، إلا أن الاتهامات الأمريكية تلاحق باكستان، وخاصة تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث قال، في تغريدة نشرها عبر صفحته على «تويتر»، في يناير 2018: «لقد دفعنا لباكستان مليارات ومليارات الدولارات ولكنهم في الوقت نفسه يؤون أشد الإرهابيين الذين نقاتلهم»، أي أن باكستان لا تواجه الإرهاب كما تدعي -حسب وجهة نظر ترامب- وإنما توفر للحركات الإرهابية الملاذ الآمن في أراضيها.

«طالبان» وعلاقاتها

ب‌-إيران و«طالبان»:

تغيرت العلاقات بين «طالبان» وإيران من النقيض إلى النقيض، حيث كانت إيران من أوائل الدول الداعمة للحرب على الإرهاب والتدخل العسكري من قبل قوات التحالف في أفغانستان، وذلك لإزاحة حكومة «طالبان» من حكم البلاد وملاحقة العناصر الفارين من الحرب في المناطق الحدودية في 2001، نظرًا لمواقف «طالبان» المسبقة إبان فترة حكمهم ونظرتهم السلبية تجاه الشيعة بشكل عام، واضطهادهم أقلية الهزارة في البلاد بشكل خاص، بالإضافة إلى قيام حكومة «طالبان» باقتحام السفارة الإيرانية عام 1998 وإعدام 8 من الدبلوماسيين الإيرانيين، الأمر الذي دفع إيران إلى تعبئة وحشد أكثر من 70 ألف مجند من الحرس الثوري ونشرهم على الحدود مع أفغانستان.

 

كما لم يمنع الاختلاف المذهبي والأيديولوجي بين «طالبان» وإيران من التقارب بينهما، خاصةً منذ 2014، وذلك لأسبابٍ متعددة، أهمها:

1- أدى تمدد تنظيم «داعش» في أفغانستان، وما يحمله من عنف ضد الشيعة بشكل عام، إلى حدوث تقارب بين طالبان وإيران، فكلاهما عدو لـ«داعش»، حيث ترى «طالبان» أن هذا التنظيم أتى لينازعها سيطرتها على البلاد، وذلك لأن «داعش» تنظيم دولي يسعى إلى إقامة الخلافة في العالم (خاصة في الدول التي امتد لها حكم المسلمين، والتي تشمل ما يقرب من نصف اليابسة، وذلك وفق الخريطة التي نشرها التنظيم إعلاميًا) بينما تعتبر «طالبان» حركة وطنية أصولية، تسعى للهيمنة على الحكم في البلاد وتطبيق الشريعة الإسلامية، كما أن «داعش» ترى في الشيعة عدوًا مباشرًا لها، وذلك على عكس «طالبان»، وإن كان لها بعض ممارسات سابقة ضد الشيعة، فإنها ليس مستمرة، ويمكنها التعامل مع الشيعة وفق الضرورة والمصلحة، فكان التقارب وفق مبدأ «عدو عدوي صديقي».

 

2- اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية الخروج من أفغانستان واتباع سياسة جديدة تعمل فيها على تقليص أعداد الجنود المنتشرين هناك، والاعتماد على تدريب وتأهيل الجيش الأفغاني، وقد صاحب هذه الاستراتيجية الأمريكية، صعود وتمدد «داعش»، واستعادة حركة طالبان للعديد من مواقعها وتمددها في البلاد، كما عملت كل من إيران وروسيا على ملء الفراغ الذي ستتركه أمريكا وترتيب الحياة السياسية وموازين القوى على الأرض الأفغانية بما يخدم مصالحهم.

 

3- كل من إيران و«طالبان» لديها مشكلات مع أمريكا، ويعتبر هذا سسبًا للتقارب.

«طالبان» وعلاقاتها

جـ -طاجيكستان و«طالبان»

سبق أن أشرنا إلى أن عرقية «الطاجيك» الأفغان يمثلون حوالي 25% من المواطنين الأفغان، وهم يتمركزون بالقرب من حدود طاجيكستان، وتجدر الإشارة إلى فتور العلاقات بين طاجيكستان وحركة طالبان، وذلك أثناء هيمنة «طالبان» على الحكم في أفغانستان (1996-2001)، حيث طالبت طاجيكستان باستبدال حكومة طالبان بحكومة ائتلافية، كما وجهت الاتهامات للحركة بأنها تسببت في انتشار الإرهاب وتجارة المخدرات بشكل غير مسبوق في أفغانستان، كما هددت طاجيكستان بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه الحرب الدائرة على حدودها في الداخل الأفغاني إبان حكم «طالبان».

 

أما الآن، تساند طاجيكستان الحكومة الأفغانية في كابول في محاولاتها لفرض الأمن والاستقرار، كما تقوم كل من روسيا والصين بتقديم الدعم العسكري والحماية لدولة طاجيكستان، حيث نشرت روسيا قوات على الحدود، حتى ديسمبر 2015، ثم نقلت قواتها إلى العاصمة دوشنبه، فيما تقوم الصين بتمويل وبناء عددًا من المواقع والمنشآت لتعزيز القدرات الدفاعية لطاجيكستان على طول الحدود الأفغانية الممتدة لمسافة 1345 كيلو مترًا.

«طالبان» وعلاقاتها

د- أوزباكستان و«طالبان»:

انتهجت أوزباكستان في عهد الرئيس السابق إسلام كريموف (1990-2016) سياسة «القبضة الحديدية» للحيلولة دون توغل الإرهاب المنتشر في أفغانستان إلى الداخل الأوزباكي، خاصةً مع تأسيس حركة «أوزباكستان الإسلامية»، التي شاركت في القتال في أفغانستان وطاجيكستان وغيرها من دول آسيا الوسطى، كما شاركت أوزباكستان، في عهد الرئيس كريموف، في تحالف «الحرب على الإرهاب» منذ عام 2001، وسمحت لأمريكا بإقامة قاعدة عسكرية في أراضيها للقضاء على الإرهاب وتنظيم «القاعدة»، وإزاحة حركة طالبان من الحكم الأفغاني.

 

ومع تولي الرئيس شوكت ميرزاييف، بدأ يتخذ سياسة أكثر انفتاحًا على العالم، وحاول أن يلعب دورًا إقليميًا أكبر، ودعا، في مارس الماضي، إلى مؤتمر دولي- عقد في 26 من الشهر نفسه بالعاصمة طشقند- وقال في إفتتاحه: إن «المؤتمر يهدف إلى إيجاد إجماع على مستوى المنطقة والعالم بشأن المصالحة الأفغانية، لأنها أضحت قضية تؤثر على كل المنطقة، وستكون لاستمرارها آثار وخيمة على الوضع في العالم أجمع، ونحن شهدنا ذلك على مر التاريخ، وكذلك من ضمن الأهداف إعلان التأييد لموقف الحكومة الأفغانية حيال المصالحة، والوقوف إلى جانبها، والعمل بشكل مشترك لإقناع المسلحين وإجبارهم على الحوار، ونحن مستعدون لتهيئة كل الظروف المطلوبة، في أي مرحلة من مراحل عملية السلام، لتنظيم محادثات مباشرة، على أراضي أوزبكستان، بين حكومة أفغانستان وحركة طالبان».

 

حضر هذا المؤتمر الرئيس الأفغاني أشرف غني، وعدد من زعماء ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية كممثلين لدولهم مثل؛ روسيا وإيران والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا والسعودية وباكستان بالإضافة إلى دول آسيا الوسطى، إلا أن غياب حركة «طالبان» عن المؤتمر قلل كثيرًا من فاعليته وأهميته.

 

ودفع إعلان حركة «أوزباكستان الإسلامية» مبايعة تنظيم «داعش»، في أكتوبر 2014، أوزباكستان إلى لعب دور أكثر حيوية ونشاط للمصالحة الأفغانية، لأن حلحلة القضية الأفغانية هي مفتاح الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى بالكامل، ومن ثم تستطيع الدول محاصرة «داعش» وإيقاف تمدده وانتشاره وخطورته على العالم.

«طالبان» وعلاقاتها

هـ- تركمانستان و«طالبان»

تتطلع تركمانستان إلى النهضة الاقتصادية، ويعتبر مشروع خط أنابيب «تابي» لنقل الغاز الطبيعي من تركمانستان إلى الهند، مرورًا بأفغانستان وباكستان وصولًا إلى مقره الأخير، دليلًا على أن المصالح يمكنها جمع الأضداد في اتفاقية واحدة ومشروع واحد، خاصة بعدما أعربت حركة «طالبان» عن ترحيبها بهذا المشروع العملاق الذي سيعود بالنفع على الجميع ومن بينهم أفغانستان، مصرحةً بأن الحركة تسعى لكسب علاقات ودية مع كل الدول وخاصة دول الجوار.

«طالبان» وعلاقاتها

ه-الهند و«طالبان»

تنتهج الهند سياسة هادئة تجاه أفغانستان، فعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سياسة بلاده الجديدة تجاه آسيا الوسطى، في أغسطس 2017، والتي تسمح للهند أن تؤدي دورًا أكبر في أفغانستان، إلا أن الهند تنأى بنفسها أن تتورط في أية شراكة مع الولايات المتحدة، أو الدخول في تعاون عسكري مع أي طرف آخر في أفغانستان.

 

ويعتبر خبراء في السلك الدبلوماسي الهندي أن المناشدة التي وجّهها الرئيس الأميركي، تشير إلى تكثيف صراع النفوذ في هذا البلد، هذا الصراع الذي تدخله الصين إلى جانب الحضور الباكستاني والإيراني والأميركي والروسي. وتفضّل الهند أن تحصر تعاونها في إطار ثنائي مع أفغانستان بدلًا من الدخول في تحالفات أو معسكرات دولية متواجهة في الحرب الأهلية في هذا البلد.

«طالبان» وعلاقاتها

2- علاقة «طالبان» بالقوى الدولية:

أ‌- الصين و«طالبان»

تسعى الصين إلى إقامة علاقات جيدة مع حركة «طالبان»، وتنطلق الصين في هذه العلاقات من عدة محددات، أهمها:

1) الأمنية: وذلك من خلال أمرين، الأول؛ تخوف الجانب الصيني من أن تُشكل الأراضي الأفغانية ملاذًا آمنًا للمتمردين في إقليم الإيجور، والثاني؛ هو تفشي العنف وانعدام الأمن، فتصبح أفغانستان ملجأ الحركات الإرهابية، وأن يتسرب الإرهاب والعنف إلى باقي المنطقة ويشكل خطرًا على الأمن القومي الصيني.

 

2)الجيوسياسية: تسعى الصين إلى تأسيس إمبراطورية الصين العظمى، عبر فرض هيمنتها الكاملة على منطقة جنوب شرق آسيا وآسيا الصغرى، وتتخذ منهما منطلقًا لفرض هيمنتها الكبرى على العالم، وفي هذا السياق تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شراكة استراتيجية مع الهند وتعمل على تقوية الهند لتحد من النفوذ الصيني في جنوب شرق آسيا.

3) الاقتصادية: يشكل البعد الاقتصادي حجر الزاوية في مشروع الصين الإمبراطوري، وقد أعلنت الصين عن إحياء طرق التجارة القديمة وإنشاء طريق «الحرير»، الذي ستنفق فيه مليارات الدولارات، لذا تعمل على ضمان الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة كضمانة أساسية لنجاح مشروعها الاقتصادي.

«طالبان» وعلاقاتها

ب‌- روسيا و«طالبان»

إن ملف أفغانستان من الملفات الشائكة جدًا بالنسبة لروسيا، إذ أن الهزيمة السوفيتية في أفغانستان (1979-1989) كانت أحد أهم الأسباب الرئيسية في انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراط عقده.

 

وعلى الرغم من الانتقادات الروسية الموجهة لحركة طالبان والمجتمع الدولي، حتى عام 2013، وذلك لإشراك «طالبان» في العملية السياسية في أفغانستان، إلا أن السياسة الروسية شهدت تحولات جذرية منذ عام 2015، خاصةً مع ظهور «ولاية خراسان» التابعة لتنظيم «داعش»، حيث أعلن زامير كابولوف، مبعوث الرئيس الروسي لشؤون أفغانستان، أن «تنظيم داعش هو العدو الأول لموسكو وطالبان، وأن مصلحة طالبان تتوافق مع مصالحنا»، كما كشف عن وجود قنوات اتصال لتبادل المعلومات مع الحركة.

 

وفي ديسمبر 2016، أكد ألكسندر مانتينسكي، السفير الروسي لدى أفغانستان، وجود علاقات بين روسيا و«طالبان»،مضيفًا أن بلاده على استعداد للوساطة بين الحكومة الأفغانية والحركة.

 

وفي نفس السياق، أكد رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، الفريق إيجور كوروبوف، خلال مؤتمر موسكو للأمن، في أبريل 2017، أن «حركة طالبان أدت دورًا مهمًا في مواجهة تنظيم داعش في أفغانستان، كما أن طالبان تحظى بدعم جانب كبير من السكان».

«طالبان» وعلاقاتها

ت‌- أمريكا و«طالبان»

بدأت العلاقات الأمريكية مع من أطلق عليهم «المجاهدين الأفغان» (ومن بينهم حركة طالبان وغيرها) بدعم مادي ولوجستي وسياسي ضد التدخل السوفيتي في أفغانستان، ولا يمكن إغفال دور الولايات المتحدة الأمريكية في صناعة الإرهاب الإسلاموي في هذه المنطقة من العالم، حيث أشارت هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة) للدور الأمريكي في صناعة تنظيم «القاعدة» واستخدام «المجاهدين العرب» في مرحلة الحرب الباردة والصراع الكوني الذي امتد بين أمريكا والاتحاد السوفيتي لما يقرب من نصف قرن.

 

ولكن، سُرعان ما تدهورت العلاقات إثر توقف الدعم الأمريكي عقب خروج الاتحاد السوفيتي 1989، ثم انهيار الحكومة المدعومة من السوفيت 1992، وفي نفس الوقت كان التدخل الأمريكي في الصومال، فيما عرف بعملية استعادة الأمل (1992-1994)، والتي قاتل فيها بعض العائدين من أفغانستان ومن بينهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، لتصل الأمور إلى ذروتها مع إعلان «بن لادن» عن تأسيس «الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين»، والذي عرف إعلاميًا فيما بعد باسم «تنظيم القاعدة»، والذي تبنى عددًا من التفجيرات والعمليات ضد المصالح الأمريكية منها تفجير سفارتي الولايات المتحدة بنيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) 1998، وصولًا إلى أشهر الأحداث الإرهابية في العصر الحديث، أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتفجير برجي التجارة والبنتاجون في أمريكا.

 

وفي هذه الفترة، رفضت حركة «طالبان»، الحاكمة في أفغانستان- آنذاك- رفع الحماية أو طرد قادة تنظيم «القاعدة» من البلاد، وذلك لأسباب تتعلق بالمساعدات التي قدمها قادة التنظيم للأفغان في الحرب ضد القوات السوفيتية، بالإضافة إلى أن قيم الأفغان أن لا يطردوا أو يسلموا لاجئ أو محتمي بهم إلى عدوٍ، لتبدأ الحرب العالمية على الإرهاب بقيادة أمريكا والمستمرة منذ 2001 حتى الآن.

 

وبعد خبرة سبعة عشر عامًا، وتحاول أمريكا انهاء هذه الحرب، وعلى إثر الدعوة الأخيرة والمقدمة من الرئيس الأفغاني أشرف غني، والتي دعمتها أمريكا، أعلنت حركة طالبان بأن أفغانستان محتلة، وأنها ترفض وجود حكومة على النمط الأمريكي في أفغانستان، كما أنها تريد المفاوضات مع أمريكا بشكل مباشر، ولن تتفاوض مع الحكومة القائمة في كابول.

 

أما أمريكا فإنها تريد المفاوضات مع طالبان بما يحقق الاستقرار وفي نفس الوقت يبقي على المصالح الاستراتيجية لأمريكا في أفغانستان ويحفظ لها تواجدها الحيوي في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.

 

مستقبل الأزمة الأفغانية:

على الرغم من تدخل بعض الدول الأخرى مثل قطر في هذه الأزمة، عبر موافقتها على إنشاء مكتب تمثيل سياسي لحركة «طالبان» على أراضيها، كما أنها تسعى إلى لعب دورًا محوريًا في المفاوضات مع «طالبان»، إلا أن الدور القطري لن يكون بالقوة المؤثرة على قرار الحركة أو قرار الدول الجوار والقوى الإقليمية في دفع المفاوضات أو تعطيلها، فهناك عوامل أخرى من التفاعلات الداخلية والإقليمية والدولية المذكورة أشد أثرًا على دفع المفاوضات إلى منحى جديد. وللحديث عن مستقبل الأزمة الأفغانية، فإنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمرين:

 

الأول: مشكلة الارتباط الوثيق بين «طالبان» وتنظيم «القاعدة»، التي تعتبر المعضلة الأكبر في عملية السلام الأفغانية بشكل عام، فـ«طالبان» لم تعلن تخليها عن تنظيم «القاعدة»، وهو ما يُعقد الأمور ويصعب أي تسوية مستقبلية للأوضاع. أما الثاني فمتعلق بظهور تنظيم «داعش» في المنطقة، الذي كان عاملًا مساعدًا ومحفزًا للكثير من الأمور، من بينها محاولة دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية التفاهم والتقارب مع «طالبان» في أفغانستان، وتسوية الأزمة والحيلولة دون تغلغل «داعش» في أفغانستان لتكون له بمثابة نقطة انطلاق إلى منطقة آسيا الوسطى.

 

وفي هذا الإطار يمكن استشراف عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأزمة الأفغانية:

السيناريو الأول: يفترض هذا السيناريو تلاقي الرغبة بين حركة «طالبان» والحكومة الأفغانية والقوى الدولية والإقليمية حول المفاوضات، في محاولة من جميع الجهات تقريب وجهات النظر وتسوية الأزمة، وأن تعود حركة طالبان للاشتراك في الحياة السياسية بشكل أكثر انفتاحًا عن تجربتها السابقة، مع حكومة ائتلافية وانتخابات تعددية قادمة، وذلك في ضوء المتغيرات السابق ذكرها وخاصةً ظهور تنظيم داعش ودوره كعامل مساعد لتغيير مواقف الأطراف كافة.

 

السيناريو الثاني: يفترض تحالف تكتيكي بين داعش و«طالبان» في أفغانستان لمواجهة القوات الحكومية والقوات الأمريكية، ويمكن أن يتحقق في حالة اشتداد الضربات الحكومية الأفغانية والأمريكية لمعاقل تنظيم «داعش» و«طالبان»، أي أن تحقيق هذا السيناريو مرتبط بضعف حقيقي للتنظيمين وعدم قدرتهما على المواجهة المنفردة.

 

السيناريو الثالث: استمرار حركة «طالبان» في المراوغة بعدم الجلوس إلى مائدة المفاوضات، واستمرار الأزمة الأفغانية، حيث تظل «طالبان» في مواجهة الحكومة الأفغانية وقوات التحالف وتنظيم «داعش»، كما تظل قوات التحالف والحكومة الأفغانية في مواجهة «طالبان» و«داعش»، فيما يقف «داعش» في مواجهتهم جميعًا.

"