يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«محمود عاشور».. مهندس الوسطيَّة والتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة

الإثنين 02/يوليه/2018 - 07:21 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
في نهاية أربعينيات القرن الماضي نشأت مدرسة فقهيَّة داخل أروقة الأزهر الشريف، تسعى للتقريب بين مذهبي السنة والشيعة محاولة وضع حد للخلاف الفكري المذهبي، ونشأ في أحضان تلك المدرسة العديد من الدعاة والعلماء، كرسوا وقتهم لمحاربة التطرف والتعصب، بداية من الشيخ «محمود شلتوت» شيخ الجامع الأزهر (1893 – 1963) انتهاءً بالشيخ «محمود عاشور» وكيل الأزهر الراحل الذي لقي ربه اليوم 2 يوليو 2018.

ومرت مدرسة التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة بالعديد من التحديات السياسيَّة والدينيَّة؛ خاصة بعد الثورة الاسلاميًّة الإيرانيَّة 1979، وصعود ما تسمى بالصحوة الدينيَّة في الدول العربيَّة والإسلاميَّة، فالثورة الإيرانيَّة أعلت من قيم المذهب الشيعي، في الوقت الذي برزت فيه التنظيمات السنية المتشددة في باقي الدول العربيَّة والإسلاميَّة، وبانتهاء 1979 انقسم العالم الإسلامي إلى مذهبين كبيرين. 

ووسط هذا الخلاف المذهبي، واصلت مدرسة التقريب بين المذاهب، دورها في نبذ التطرف والتعصب الطائفي، ومن أبرز روادها خلال العقود الماضية كان الشيخ «محمود عاشور»، فقد شغل العديد من المناصب داخل أروقة «الأزهر الشريف»، حتى أصبح وكيلًا للأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلاميَّة، وحرص «عاشور» على أن يكون الأزهر منبرًا للتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة ومحاربة التطرف والغلو.

التقريب كوسيلة للتعايش بين المسلمين
ترأس «عاشور»، «دار التقريب» بين المذاهب الإسلامية في مصر -تشكلت عام 1947 على يد نخبة من علماء الأزهر الشريف ومن أبرز روادها الشيخان «عبدالمجيد سليم»، «محمود شلتوت» شيخا الأزهر الراحلان- كما أصبح عضوًا بـ«المجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة»، التابع لـ«المنظمة الإسلاميَّة للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو)». 

وفي كتابه «الانفجار العظيم والفوضى الخلاقة»، أثني رئيس مكتبة الإسكندرية الدكتور «مصطفي الفقي» على دور الشيخ «محمود عاشور» في محاربة التطرف والتعصب المذهبي والتقريب بين المذاهب الإسلامية خاصة بين السنة والشيعة.

ويذكر «الفقي» في كتابه أنه إبَّان زيارة وفد رفيع من الأزهر الشريف للعاصمة الإيرانيَّة طهران، حرص «عاشور» على خطبة الجمعة في مسجد جامعة طهران، وأكد فيها أن حجم الخلافات بين السنة والشيعة لا يتجاوز 5 % من اجتهادات الفقهاء؛ فالقواسم بين الطرفين كبيرة فكلاهما يؤمنان بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد (صلى الله عليه وسلم) نبيًّا ورسولًا، وأن القرآن الكريم هو الكتاب المنزل من عند الله على نبيه الكريم، كما أن أركان الإسلام واحدة بين الطرفين، فإذا لا توجد خلافات جوهرية بين الطرفين تستحق النزاع.

ورفض «عاشور» مسألة الفصل في دور العبادة بين السنة والشيعة، فالمساجد ينبغي أن تكون موحدة يُعبد فيها رب العالمين، واستلهمت بعض دول الخليج خاصة الكويت فكرة «عدم فصل دور العبادة بين السنة والشيعة» للحيلولة دون اندلاع فتن طائفية، خاصة بعد استهداف مسجد «الإمام الصادق» في الكويت في يونيو 2015، ودعمت فكرة الصلاة الموحدة بين المسلمين السنة والشيعة، كنوع من تعضيد اللحمة الوطنية وقطع الطريق أمام خيوط الإرهاب لضرب النسيج الوطني الكويتي.

وفي أكثر من مناسبة كشف الشيخ «محمود عاشور» أن المستفيد الأول من الفتنة الطائفيَّة بين السنة والشيعة، هي القوى الغربية والاستعمارية، التي لا تريد للمسلمين التقدم والازدهار، فالسنة والشيعة تعايشا في العراق دهورًا طويلة، ولم يظهر مصطلح الفتنة المذهبيَّة إلا بعد قدوم الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003. 

تطوير الأزهر لا التطاول عليه
في الوقت الذي كان الشيخ «محمود عاشور» رائدًا في مسألة التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة، كان مدافعًا أيضًا عن دور الأزهر الشريف في محاربة الفكر المتطرف وبث الوسطية، وتنطلق غيرة «عاشور» من البيئة الأزهرية التي تربى في كنفها، فأسرته حرصت على إكمال تعليمه والتحاقه بالأزهر الشريف الذي تخرج فيه عام 1964 في كلية اللغة العربية.

حظي «عاشور» بخبرة سياسية كبيرة جعلته قادرًا على الحديث عن الطرق الفكرية لمواجهة التطرف والإرهاب، ففور تخرجه بعام التحق للعمل في «الاتحاد الاشتراكي العربي» في اللجنة الدينية، وفي عام 1972 عاد مرة أخرى للأزهر كعضو فني، ثم مديرًا لمكتب الأمين العام الدكتور «محمد بيصار» شيخ الأزهر الراحل، والشيخ «محمد الذهبي» الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للأوقاف.

حرص الشيخ «الذهبي» على أن يكون «عاشور» مديرًا لمكتبه في وزارة الأوقاف بعد أن كان مديرًا لمكتبه في مجمع البحوث الإسلاميَّة، وبالتأكيد أصقلت تجربة «عاشور» في العمل مع «الذهبي» خبراته في محاربة الفكر المتطرف والإرهابي، فالشيخ «الذهبي» قدَّم حياته ثمنًا لمكافحة الفكر الإرهابي، حين اغتالته القوى الظلاميَّة في يوليو 1977. 

ورأى «عاشور» أن الأزهر بحاجة إلى بعض التطوير؛ فكفاءة خريجي الأزهر اليوم تعد أقل علمًا من خريجي الماضي، ويعود السبب إلي قانون تطوير الأزهر الذي أصدره الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فالقانون عمل على تهميش دور الأزهر، وإلغاء هيئة كبار العلماء، واختزال الأزهر في مجمع البحوث الإسلاميَّة. 

وفرَّق «عاشور» بين دعوات تطوير الأزهر ودعوات التطاول عليه، فالعديد من الحركات الراديكالية؛ خاصة «جماعة الإخوان»، تحاول النيل من منصب شيخ الأزهر والتطاول عليه بحجة أن الأزهر بحاجة للتطوير، وتعمل تلك الحركات على اختراقه، إلا أن القيم الوسطيَّة التي ترسخها هذه المؤسسة تحول دون سيطرة المتطرفين عليها.

تجديد الخطاب الديني 
وتنتشر حاليًا العديد من الكتابات والأطروحات حول مفهوم تجديد الخطاب الديني، وفي هذه المسألة يرى «عاشور» في حوار سابق له مع مجلة «عقيدتي» أن مسألة تجديد الخطاب الديني ملتبسة، فالبعض يرجع جذور التطرف إلى كتب التراث، إلا أنه يرى أن هذه الكتب بريئة من تلك التهمة، وأن الفكر الإسلاموي المنحرف الذي نشأ في القرن العشرين هو السبب في ذلك.

ورأى الشيخ «عاشور» أن تجديد الخطاب الديني لا يكمن في تعديل المناهج الدينية؛ وإنما يكون عبر معالجات فكرية للعناصر المتطرفة، ويرى أن للإعلام دورًا كبيرًا في توجيه فكر الأمة وعلاج الأفكار المتطرفة، ويطالب بضرورة تدريس مادة الثقافة الإسلاميَّة على جميع مراحل التعليم في المدارس والجامعات. 

قضايا خلافية
تميز وكيل الأزهر الراحل بالعديد من الآراء القوية والجريئة التي عملت على معالجة العديد من القضايا التي تهم المسلمين وتمس معتقداتهم الدينية، فلم يحرم مسألة التعامل مع البنوك، وأكد أن التعامل مع البنوك الوطنية، أمر لا ربا فيه نظرًا لملكية الدولة لتلك البنوك، وأن علاقة الدولة برعاياها أمر لا ربا فيه. 

كما واجه، العديد من الآراء الشاذة التي يروجها المتطرفون وتنم عن جهل كبير تعاني منه الحركات الإرهابية، مثل تحريم السياحة والآثار، مستدلًا على جهلهم بأن عمرو بن العاص حين فتح مصر لم يُقدِم على تحريم الآثار وهدمها.

وفي سياق آخر أكد «عاشور» أن مسألة الخلافة الإسلاميَّة غير منصوص عليها في القرآن الكريم، وأنها لا تتناسب مع العصر الحالي، وأن الجماعات التي تنادي بعودتها تسعى للسيطرة على الأقطار الإسلامية فقط.

وأخيرًا لم يسلم «عاشور» من العديد من الاتهامات، فكان أبرزها عام 2007، حينما أفتى الداعية «فرحات المنجى» بفتوى تحرم زواج المصريين من الإسرائيليات، إلا أن «عاشور» رد على فتوى «المنجي» وأحل ذلك، باعتبارهن من الكتابيات، وأن إسرائيل لم تعد دار حرب اليوم بعد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وهو الأمر الذي عرضه للاتهام من قبل البعض بالتطبيع مع إسرائيل. 
"