يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

اقتصاد الإخوان.. من «شركة البنا» إلى «مجمعات الشاطر»

الأربعاء 27/يونيو/2018 - 08:21 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
تسعى كل جماعة راديكالية إسلاموية إلى الحصول على المزيد من الموارد المالية لتأمين أنشطتها السياسية والاجتماعية، فالتمويل يُعد المحرك الأول والرئيسي لأي تنظيم أو جماعة فبدونه لا يستطيع ممارسة أي نشاط.

وتتعدد مصادر التمويل ما بين مصادر تمويل علنية، ومصادر تمويل غير علنية، فالمصادر العلنية غالبًا ما تنحصر في التبرعات القانونية، اشتراكات الأعضاء، الهبات والمنح الممنوحة للتنظيم وفق الآليات القانونية المتبعة، أما المصادر غير العلنية، فتتعدد وتتشعب، من طلب الفدية إلى الاتجار في المخدرات والسلاح والسطو المسلح وغسيل الأموال، وتلقي الأموال من الجهات الخارجية وتوظيف أموال التبرعات الخيرية والزكاة سياسيًّا في غير مقاصدها الشرعية.

وتشتهر جماعة الإخوان في مصر بإدارتها للعديد من المشروعات الاقتصادية والاستثمارية، يقدرها البعض بعشرات المليارات من الدولارات، تم وضع معظمها تحت تحفظ الدولة المصرية بعد صدور حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بحظر نشاط الجماعة والتحفظ على أموالها، لذا قرر مجلس الوزراء في 2013 تشكيل لجنة لإدارة أموال جماعة الإخوان برئاسة المستشار عزت خميس، وفي أبريل 2018 صدر قانون «تنظيم إجراءات التحفظ والإدارة والتصرف في أموال جماعة الإخوان الإرهابية».

وتشير التقديرات إلى أن أموال الجماعة تتخطى الــ20 مليار دولار، موزعة على أكثر من 544 شركة على الأقل، وهو ما يثير الدهشة حول حجم اقتصاد الجماعة، وكيف نجحت في تكوينه.

مواجهات سابقة
من المؤكد أن تشكيل لجنة التحفظ على أموال الإخوان ليست المرة الأولى التي تسيطر فيها الدولة المصرية على الاقتصاد السري للجماعة، ففي بداية التسعينيات، ظهرت «قضية سلسبيل» 1992، التي اتُهِمَ فيها عدد من رجال الأعمال القياديين بالجماعة، مثل «خيرت الشاطر» و«حسن مالك» واتُهِمَت الجماعة في ذلك الوقت بتنفيذ خطتها للتمكين.

وفي 28 يونيو 2009، وجهت نيابة أمن الدولة للجماعة تهم غسيل الأموال وجمع التبرعات دون أي سند قانوني لجماعة محظورة لعدد من أعضاء الجماعة، أبرزهم عضو مكتب الإرشاد «عبدالمنعم أبو الفتوح» والخبير الاستشاري في المعاملات المالية المستشار «فتحي لاشين» الذي يعد من الرعيل الأول لجماعة الإخوان، وأبرز مهندسي القوانين داخلها. 

بدايات قوية
منذ إنشائها سعى المرشد الأول «حسن البنا» (1928) إلى تأسيس أذرع اقتصادية، لتحقيق العديد من الغايات السياسية والتنظيمية، ولم يكد يمر عقد على إنشائها إلا وتمكن «البنا» من تدشين شركة المعاملات المالية عام 1938 التي مثلت رأس الحربة الاقتصادية لجماعة الإخوان في مصر.
ويؤكد الباحث في شؤون جماعة الإخوان «حمادة محمود إسماعيل» في كتابه الصادر عن دار الشروق «حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين بين الدين والسياسة 1982 – 1949» أن النشاط الاقتصادي للجماعة بدأ في عام 1936 حينما اشتركت الشعبة الاقتصادية لها، في «المعرض الزراعي الصناعي 1936»، وذلك بعرض منتجاتها الصناعية والزراعية.

وأوضح «حمادة» أن الانطلاقة الاقتصادية الكبرى لجماعة الإخوان كانت في 1938 حينما اقتنع «البنا» بضرورة الولوج بقوة في المجال الاقتصادي، تحت ستار تطبيق الشريعة الإسلامية، وجعله يعمل على إنشاء شركة معاملات إسلامية، تقوم بإجراء عمليات البيع والشراء والتبادل دون تحقيق أي فوائد ربوية.

وتعد «المعاملات الإسلامية» أول شركة مصرفية في مصر تدعي العمل وفق أسس الشريعة الإسلامية، وهو ما فتح الباب في العقود التالية أمام ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي الذي شهد رواجًا كبيرًا منذ عقد الثمانينيات متمثلًا في مصارف وبنوك وشركات توظيف الأموال وتجارة العملة. 

وأوضح الكاتب أن «شركة المعاملات» تضخمت بشكل مريب خلال سبع سنوات فقط، ما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات، فمثلًا رأس مال الشركة وقت إنشائها (1938) كان لا يتجاوز أربعة آلاف جنيه مقسمة على ألف سهم، وكل سهم تم تقسيطه على أربعين شهر بواقع عشرة قروش شهريًّا تيسيرًا على الأعضاء، أما في عام 1941 أي في ثلاثة أعوام فقط تضاعف رأس مال الشركة خمس أضعاف ليصبح 20 ألف جنيه، وتضاعف مرة أخرى عام 1945 ليصبح 50 ألف جنيه، بواقع اثنا عشر ألف سهم وخمسمائة . 

وكانت «شركة المعاملات» بمثابة الأرضية التي انطلقت منها العديد من الشركات في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فقد ورد في كتاب «حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين بين الدين والسياسة 1982 – 1949» أن الشركة أسَّست نحو ست عشرة شركة ومشروعًا تجاريًّا تقريبًا، هم كالتالي:
1. محل بالمركز العام بمنطقة «المنيل» لبيع البقالة والأقمشة والطرابيش
2. شركة لنقل البضائع حيث تم شراء 11 سيارة نقل وإنشاء مرفأ خاص لتلك السيارات مع إنشاء مدرسة لإصلاح تلك السيارات. 
3. بناء قمائن للجير بمحافظة الشرقية
4. فتح مصنع لإنتاج المنتجات النحاسية الذي أنتج «وابور غاز» يستخدم في أعمال الطهي 
5. الحصول على توكيل شركة «بروك واي» الأمريكية للسيارات في القاهرة
6. إنشاء الشركة العربية للمناجم والمحاجر عام 1947 برأس مال قدره 60 ألف جنيه لاستخراج الرخام
7. إنشاء شركة الإخوان للطباعة
8. إنشاء شركة الإخوان للصحافة
9. شركة الإخوان للغزل والنسيج عام 1947
10. شركة التوكيلات التجارية
11. شركة الإعلانات العربية
12. مصانع الإخوان برشيد لصناعة حبال القطن والدوبارة
13. شركة الحصر الوطنية
14. شركة مصر للمنتجات الأهلية بالعباسية
15. شركة الإخوان للتجارة بميت غمر
16. شركة الأشغال الهندسية بالإسكندرية
وحرص «البنا» على سيطرة الإخوان الكاملة على «شركة المعاملات» وعدم تسرب العناصر غير الإخوانية من حملة الأسهم إلى مجلس الإدارة، إذ نص قرار الشركة التأسيسي على أن مجلس إدارة الشركة بالكامل يكون من صفوف جماعة الإخوان، تختارهم الجماعة، وأن مجلس الجماعة هو من يراقب تلك الحسابات. 

وكان التصاعد غير مبرر لقيمة رأس مال الشركة، يشير بوضوح إلى توظيف الجماعة للأحكام الدينية في حشد المزيد من الموارد المالية، وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعته شركات توظيف الأموال في الثمانينيات والتسعينيات، التي بنيت استراتيجيتها الاقتصادية حول توظيف المظاهر الدينية في جذب رؤوس الأموال، فالدعاية التي رافقت «شركة المعاملات الإسلامية» وشركات توظيف الأموال انطلقت من مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية، والابتعاد عن الفوائد الربوية، وهو ما عمل على دغدغة مشاعر المسلمين الدينية.

إلا أن الامبراطورية الاقتصادية لجماعة الإخوان ما لبثت أن انهارت تمامًا في ديسمبر 1948 بعد قرار حل الجماعة والتحفظ على أموالها، فطبقًا للأمر العسكري رقم 63 لسنة 1948 بحل الإخوان المسلمين، تم تعيين مندوب من قبل وزير الداخلية لاستلام جميع أموال الجماعة وتصفيتها وتخصيص الناتج من التصفية للأعمال الخيرية التى يحددها وزير الشؤون الاجتماعية. 

دوافع متنوعة

سعت جماعة الإخوان إلى بناء أذرع اقتصادية إليها لتحقيق العديد من الدوافع السياسية والاقتصادية من أبرزها:
التمويل الذاتي وتكوين الوفرة المالية: هدفت جماعة الإخوان إلى تحقيق التمويل الذاتي لأنشطتها السياسية وتجنب الوقوع في أي أزمات تمويلية، وضمان استمرارية أنشطتها، وعدم تعطلها لعدم توافر المصادر التمويلية. 
خلق لوبي اقتصادي خانق: وهو ما استغلته الجماعة من حين لآخر في الضغط على مؤسسات صنع القرار.
تكوين ظهير شعبي: كانت تسعى الجماعة إلى تكوين ظهير شعبي مؤيد لها من خلال المشاريع الاقتصادية والاستثمارية، فالموظفون والعاملون في مؤسسات الإخوان الاقتصادية، كان يتم استغلالهم سياسيا عبر الزج بهم في فعاليات الجماعة السياسية كالمظاهرات والمشاركة في الانتخابات.
الدعاية المجانية: استطاعت الجماعة من خلال مشاريعها الاقتصادية تحقيق دعاية سياسية مجانية لشعاراتها فمثلاً مشروعاتها يتم صبغها بالصبغة الأيدولوجية مثل وسم أي مشروع اقتصادي بالإسلامي أو الإسلامية (المصرف الإسلامي. المتجر الإسلامي.. إلخ) 

العودة الحذرة
عملت جماعة الإخوان على استغلال حالة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها الرئيس الراحل «أنور السادات» لكن بحذر شديد حتى لا تقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه في أربعينيات القرن العشرين، حين تم حصر المعاملات المالية والاقتصادية للجماعة في شركة واحدة «شركة المعاملات» مما سهل على الحكومة المصرية تصفية الشركة وتوزيع أموالها. 

في البداية كان توظيف مصطلح «الاقتصاد الإسلامي»، البعيد عن شبهات الربا والفوائد البنكية، ودفع المواطنين إلى استثمار أموالهم في شركات توظيف الأموال ذات الاتجاه الدينى مثل «الشريف» و«الريان» و«السعد» فضلا عن إنشاء البنوك الإسلامية.

انطلقت الخطة الاقتصادية الإخوانية في ما بعد السبعينيات على الأسس التالية:
التمويل الذاتي: وذلك من خلال إلزام أعضاء الجماعة بتخصيص نسبة من دخل العضو يرجحها البعض بحوالي 8% كتبرع شهري للجماعة.
الواجهات الاقتصادية: عملت الجماعة على الاستفادة من تجربة «شركة المعاملات» لذا لم تذهب إلى إنشاء شركة تدير أموالها بل عملت على دعم رجال الأعمال المنتسبون إليها مثل «خيرت الشاطر» «حسن مالك» و«أسعد شيخة» ودعمهم ماليا، وفي المقابل يقدم هؤلاء تبرعات سخية للجماعة، وهو ما يعد تحايلًا على القانون.

الاستثمار السلعي: يحرص مجتمع رجال أعمال الجماعة على الاستثمار في السلع الاستهلاكية ذات الربح السريع مثل إنشاء معارض للأثاث المنزلي والملابس الجاهزة والأجهزة المنزلية والابتعاد عن الاستثمار في السلع الرأسمالية التي توطد اقتصاد وطني قوي مثل إنشاء مصانع للسيارات والحديد الغزل والنسيج.

الشراكة: لمزيد من التمويه وخلط الأوراق يدخل رجال أعمال الجماعة في شركات اقتصادية مع رجال أعمال غير منتسبين للجماعة.

الإكار: يحاول رجال أعمال الإخوان إنكار انتمائهم إلى الجماعة فمثلًا حسن مالك في التحقيقات معه في أموال الجماعة أنكر ارتباطه التنظيمي بجماعة الإخوان وكذلك فعل خيرت الشاطر في قضية سلسبيل 1992. 
العولمة الاقتصادية: استفادت «الإخوان» من العولمة الاقتصادية لتعزيز قدراتها الاقتصادية من خلال المضاربة في البورصات الأجنبية في نيويورك ولندن وطوكيو، وإنشاء المشاريع الكبرى في الخارج، ولعل من أبرز رجال أعمال الإخوان في هذا المجال «يوسف ندا» المقيم بإيطاليا ومؤسس بنك «التقوى» للمعاملات المالية الذي صنفته واشنطن على أنه مؤسسة مالية تدعم الإرهاب. 

ولهذا، تكمن خطورة الاقتصاد الإخواني في أنه يتم استغلاله من قبل قيادات الجماعة في تمويل كافة أنشطة الجماعة العنيفة، كما تتسم المشروعات الاقتصادية الإخوانية بالطابع الريعي والاستهلاكي، فالمشروعات الإخوانية مثل المتاجر الكبرى والمطاعم الكبيرة، تشجع على ما يسمى بالاستهلاك الترفي، كما أنهم لا يمتلكون أي مشروعات رأسمالية قائمة على التصنيع الثقيل، ما يعد عبئا على الاقتصاد المصري، لا إضافة له.
"