يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الفريضة الغائبة».. الكتاب الذي قتل السادات وأعدم صاحبه

الجمعة 06/يوليه/2018 - 03:10 م
المرجع
إسلام محمد
طباعة
يعتبر كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبدالسلام فرج، أبرز أدبيات تيار العنف والإرهاب، وتأتي خطورته من أنه قدم المبررات التي على أساسها تم اغتيال الرئيس الأسبق محمد أنور السادات عام 1981 في «حادث المنصة أو عملية الجهاد الكبرى، وكانت خلال عرض عسكري أُقيم بمدينة نصر؛ احتفالًا بالانتصار الذي تحقق خلال حرب أكتوبر 1973»، في العام التالي لصدور الكتاب.

وبعد الحادث تم إعدام مؤلفه، باعتباره المتهم الأول في قضية مقتل السادات، فبجانب التحريض والتنظير الفكري الذي دَوَّنه الكاتب، فقد قاد بنفسه عملية الإعداد للاغتيال، ما أكسب عمله مزيدًا من الأهمية والحضور لدى التيار الجهادي.

وأسهم العمل في نشر فكرة استخدام العنف، باعتباره السبيل الأوحد لتغيير الواقع الذي تمر به الأمة، من خلال حشد عدد كبير من النصوص الدينية وإعطائها تفسيرات تتوافق مع نظريته، واستحضار نصوص علمية لفقهاء ومفسرين تتحدث عن فترة التتار، وتشبيه الحكام الحاليين، وقت إصدار الكتاب في حقبة الثمانينيات، في بلاد المسلمين والجيوش الوطنية بقادة التتار وجيوشهم؛ حيث إن التتار استمروا في السلب والنهب والعمل بتعاليم جنكيز خان، رغم انتساب بعضهم للإسلام، وهاجموا بلاد المسلمين واستحلوا دماءهم، فأفتى الفقهاء وقتها كابن تيمية وغيره بوجوب قتالهم، رغم انتسابهم الاسمي للدين.

العدو القريب قبل تحرير القدس
وانطلاقًا من التشبيه السابق، يعتبر أن حكام الدول الإسلامية أولى بالقتال من الأعداء الخارجيين، على اعتبار أنهم أضر على الدين منهم، ويصنفهم على أنهم «مرتدون عن الإسلام»، ولهذا يؤكد –على عكس معظم التيارات الإسلامية- أن شن الحرب ضد أنظمة الحكم المحلية أهم من تحرير القدس.

يقول «فرج» تحت عنوان «العدو القريب والعدو البعيد»: «وهناك قول: إن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة، والحقيقة أن تحرير الأراضي المقدسة أمرٌ شرعيٌ واجبٌ على كل مسلم.. وهذه نقطة تستلزم توضيح الآتي: أولًا: أن قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد، ثانيًا: أن دماءً للمسلمين ستنزف حتى وإن تحقق النصر.. فالسؤال الآن هل هذا النصر لصالح الدولة الإسلامية القائمة؟ أم أن هذا النصر لصالح الحكم الكافر وهو تثبيت لأركان الدولة الخارجة عن شرع الله.. فلا شك أن ميدان الجهاد هو اقتلاع تلك القيادات الكافرة».

فالمقصود بمصطلح «الفريضة الغائبة» إذن هو شن القتال داخل حدود الدول الإسلامية، واستهداف حكوماتها بهدف إسقاطها والسيطرة على السلطة كمرحلة أولى في طريق الإصلاح المزعوم، ويقصد من إضافة وصف «الغائبة» إلى وصف «الفريضة» استفزاز المشاعر الدينية، نتيجة التناقض الصارخ بين اللفظين، فكيف تكون غائبة رغم كونها –بحسب مزاعمه- فريضة ملزمة؟!

نقض الفريضة الغائبة
لم يمر الأمر مرور الكرام، وتصدى علماء الدين لهذه الأفكار، وأصدر شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، كتابًا يرد فيه على مزاعم فرج سماه «نقض الفريضة الغائبة»، بَيَّن فيه أن الإسلام نهى عن قتال الحكام حتى لو صدرت منهم مظالم أو أخطاء، مستشهدًا بعدة أحاديث نبويَّة، قائلًا: «إن فرج استشهد بنصوص دينية في غير محلها، وأتى بمفاهيم لم تُعْرَفْ عن علماء الأمة عبر القرون، ولم تُذكر إلَّا عن فرقة الخوارج المنحرفة، وتجاهل النصوص الدينية من القرآن والسنة التي تدحض مزاعمه، وأن الفتاوى الخاصة بقتال التتار تخص حالتهم ولا تنطبق على الواقع المعاصر في الدول الإسلامية على الإطلاق، موردًا نص كلام ابن تيمية في شأن التتار الذي بيَّن أنهم كانوا لا يضمون إلى صفوفهم إلا الزنادقة والمنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام، ما يناقض الاستدلال بها على قتال الجيوش الوطنية في الدول الإسلامية التي لا تشبه جيوش التتار في أي شيء»، مبينًا أن هذا الكتاب لا ينتسب للإسلام وكل ما فيه أفكارٌ سياسية.

العنف هو السبيل الوحيد
وقد هاجم الكتابُ جميع التيارات الإسلامية بلا استثناء بما فيها جماعات التكفير والهجرة_ وهي جماعة تبلورت أفكارها ومبادئها في السجون المصرية، وخاصة بعد اعتقالات سنة 1965م- (واتهمت المجتمع بالكفر واختار أفرادها الهجرة للصحراء)، على اعتبار أن جميع التيارات والجماعات الدينية لم تتبنَّ العنف كسبيل للتغيير، وهو الأمر الذي دفعه لاتهامهم بتضييع فريضة لا يجوز تأخيرها، حيث يقول: «من علم فرضية الصلاة فعليه أن يصلي ومن علم فرضية الصيام فعليه أن يصوم، كذلك من علم فرضية الجهاد فعليه أن يجاهد»، مدعيًا أن آية الأمر بقتال المشركين في سورة التوبة تلغي أحكام جميع الآيات التي تتحدث عن عدم الاعتداء والصبر وكف الأذى والبالغ عددها 114 آية، منها قول الله تعالى «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».

هذا الرأي الذي قوبل بالاستهجان الشديد من قبل الدعاة والعلماء وعلى رأسهم شيخ الأزهر في كتابه «نقض الفريضة الغائبة»، مبينًا أن مفهوم الجهاد يختلف تمامًا عما ادعاه فرج، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت له عهود ومواثيق مع اليهود وغيرهم، وكان يحفظ حقوق المسلم وغير المسلم، وحتى الفقهاء أنفسهم الذين استشهد فرج بآرائهم في مواضع أخرى من الكتاب لم يتبنوا هذا الرأي، ولهذا اكتفى «فرج» بذكر آية «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ » وفسرها بنفسه دون الاستشهاد بأي من العلماء الذين شحن كتابه بنصوص مأخوذة من كتبهم في معظم المواضع!

ورغم صغر حجم الكتاب لكن شهرته وتأثيره على عقول من يتبنون الفكر العنيف، جعله المرجع الأول للتنظيمات الجهادية والترسانة الفكرية التي يشحنون بها الأفراد الجدد، اعتمادًا على اكتظاظه بالنصوص الدينية والنقل عن المراجع العلميَّة الكبيرة والشرح الموجز ووضوح الأفكار واحتوائه على إجابات لكثير من التساؤلات الخاصة بالفكر الجهادي العنيف، ورغم ضعفه العلمي الواضح فإن طريقة صياغته قد تجعله يبدو مقنعًا في نظر غير المتخصصين لاسيما من المقتنعين بفكر العنف المسلح.
"